"أحياناً، لا تكون الطرقات على الباب دعوة للدخول، بل هي إنذار بأن شيئاً ما... يريد الخروج."
🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️🕸️
كانت الطرقات الثلاث، القوية والمنتظمة، لا تزال تتردد في صمت الغرفة حتى بعد أن توقفت. لم تكن مجرد صوت، بل كانت اهتزازاً شعرت به "ليان" في عظامها، صدى مادياً قادماً من عالم غير مادي. سحبت يدها عن سطح المرآة البارد بسرعة، كأنها لُدغت، وتراجعت خطوة إلى الوراء، عيناها متسعتان في رعب، وقلبها يقرع بعنف في صدرها كطبل حرب.
التوهج الأزرق الخافت الذي كان ينبعث من المرآة بدأ يخبو ببطء، مثل جمرة تحتضر، حتى عاد سطح الزجاج مظلماً مرة أخرى، لا يعكس سوى ظلام الغرفة وشبح وجهها الشاحب. هل كان ما رأته حقيقياً؟ الممر الحجري، الباب الخشبي، الطرقات... هل كانت لمحة حقيقية من العالم الذي حُبست فيه "ليليث"؟
لم تجرؤ على لمس المرآة مرة أخرى. قامت بتغطيتها على عجل بملاءة سرير قديمة، كأنها بذلك تستطيع حبس ما رأته ومنع أي شيء آخر من الخروج. لكنها كانت تعرف في أعماقها أن تغطية المرآة لن يغير شيئاً. لقد فُتحت قناة اتصال جديدة، أكثر مباشرة وخطورة من أي شيء سبق.
قضت بقية الليل مستيقظة، جالسة على سريرها، وعيناها مثبتتان على الكتلة المغطاة في زاوية الغرفة. كل صرير يصدره المنزل القديم كان يجعلها تقفز. كل همسة للريح في الخارج كانت تبدو كصوت "ليليث". الشعور بأنها ليست وحدها لم يعد مجرد إحساس، بل أصبح حقيقة ملموسة ومخيفة.
في الصباح، كان الإرهاق قد نال منها. نظرت إلى وجهها في مرآة الحمام الصغيرة، ورأت الهالات السوداء تحت عينيها. بدت وكأنها كبرت عشر سنوات في ليلة واحدة.
"تبدين مروعة"، قالت لنفسها بصوت خافت.
"لكنكِ قوية"
جاء الهمس في رأسها فجأة، لكنه هذه المرة لم يكن مخيفاً. كان هادئاً، وداعماً تقريباً. جفلت "ليان"، ونظرت حولها في الحمام الفارغ.
"ليليث؟"
لم يأتِ رد. هل كانت تتخيل؟ أم أن أختها كانت تحاول طمأنتها؟
نزلت إلى المطبخ، حيث كانت الجدة تحضر الإفطار. كان هناك صمت مشحون بينهما منذ الليلة السابقة.
"صباح الخير"، قالت "ليان" بتردد.
"صباح النور"، ردت الجدة دون أن تلتفت.
"هل نمتِ جيداً؟"
كان سؤالاً بسيطاً، لكنه كان يحمل وزناً كبيراً.
"لا"، أجابت "ليان" بصدق. "جدتي، علينا أن نتحدث".
استدارت الجدة أخيراً، ووضعت طبقاً من البيض على الطاولة. كان وجهها متعباً. "أعرف يا ابنتي. أعرف".
جلست "ليان"، وقررت أن تبدأ بالشيء الأكثر غرابة. "لقد اشتريت مرآة بالأمس".
رفعت الجدة حاجبيها في استغراب.
"مرآة قديمة من متجر تحف. البائع قال إنها جاءت من ممتلكات عائلة 'دي لاغرانج'".
عند سماع الاسم، تصلبت ملامح الجدة، ووضعت فنجان القهوة من يدها ببطء.
"يا إلهي، ليان. ماذا فعلتِ؟"
"ماذا فعلتُ؟
لقد حاولت أن أجد إجابات! في الليلة الماضية، رأيت شيئاً في المرآة. رأيت ممراً، وباباً. ثم سمعت طرقات".
أغمضت الجدة عينيها، وبدا وكأنها تصلي. "هذه ليست مجرد مرايا يا ليان. إنها 'نوافذ'. أدوات كان يستخدمها 'الحفظة' لمراقبة عالم الظلال. إنها خطيرة. وجود واحدة منها في هذا البيت... يضعف الحواجز التي بناها جدكِ".
"وهل هذا شيء سيء؟" سألت "ليان" بتحدٍ. "ربما
هذه الحواجز لم يكن يجب أن تُبنى في المقام الأول!"
"أنتِ لا تفهمين!"
قالت الجدة بصوت حاد.
"أنتِ لا تعرفين ما هي 'ليليث' حقاً. قوتها... لم تكن مثل قوتك. كانت جامحة، فوضوية. كانت تتغذى على المشاعر السلبية، على الخوف، على
الغضب. الحادث الذي قتل والديكِ... لم يكن مجرد حادث. لقد كان نتيجة غضبها. لقد فقدت السيطرة، وقوتها تسببت في الكارثة".
شعرت "ليان" وكأن صفعة قد أصابت وجهها.
هل يمكن أن تكون أختها هي المسؤولة عن مقتل والديهما؟
هل كانت وحشاً كما تصفها جدتها؟
"إنها تكذب"، همس الصوت في رأسها بحدة.
"لقد كانوا خائفين مني. خائفين منا معاً."
"عليّ الذهاب إلى المدرسة"، قالت "ليان" فجأة، ونهضت من على الطاولة. لم تعد تحتمل المزيد من الأكاذيب أو الحقائق المشوهة. كانت بحاجة للابتعاد، للتفكير.
في المدرسة، كانت "سارة" تنتظرها عند المدخل.
"وجهكِ يحكي قصة رعب كاملة"، قالت "سارة" بقلق. "
ماذا حدث؟"
أخبرتها "ليان" عن المرآة، والتوهج الأزرق، والطرقات.
"يا إلهي"، قالت "سارة"، وعيناها متسعتان. "إذن هي تحاول التواصل معكِ بشكل مباشر الآن. هذا
تصعيد كبير. وماذا قالت جدتكِ؟"
"قالت إن 'ليليث' هي التي تسببت في مقتل والديّ"، قالت "ليان" بصوت مرير.
"ماذا؟"
صدمت "سارة".
"هل تصدقينها؟"
"لا أعرف ماذا أصدق بعد الآن"، اعترفت "ليان". "لكن هناك صوت في رأسي يقول إنها تكذب".
في وقت الغداء، جلستا معاً في المكتبة، متظاهرتين بالدراسة.
"لقد بحثت أكثر عن عائلة 'دي لاغرانج'"، قالت "سارة" وهي تفتح حاسوبها المحمول.
"وجدت مدونة قديمة لشخص مهووس بالتاريخ المحلي. يقول إن العائلة لم تكن مجرد 'حفظة'، بل كانوا أيضاً 'صانعي مفاتيح'. لم يكونوا يغلقون البوابات فقط، بل كانوا يصنعون المفاتيح التي تفتحها. والمفتاح الذي معكِ... ليس مفتاحاً عادياً.
إنه مصنوع من مادة نادرة، نيزك حديدي، وهو المادة الوحيدة التي يمكنها أن تتفاعل مع طاقة العالمين".
نظرت "ليان" إلى حقيبتها، حيث كان المفتاح يرقد بثقله. لم يكن مجرد مفتاح، بل كان قطعة من السماء، قطعة قادرة على فتح أبواب الجحيم.
"هناك شيء آخر"، أضافت "سارة" بتردد.
"المدونة تتحدث عن أسطورة. أسطورة تقول إن 'الصدى' لا يمكن حبسه إلى الأبد. إذا كان الارتباط قوياً بما فيه الكفاية، يمكن للصدى أن يجد طريقة للتأثير على عالمه، أو حتى... أن يخلق نسخة جسدية لنفسه".
شعرت "ليان" بالبرد يسري في عروقها. هل يمكن أن تكون "ليليث" قادرة على الخروج من عالمها؟ هل هذا ما كانت تريده؟
في طريق عودتها إلى المنزل، كانت "ليان" غارقة في أفكارها لدرجة أنها لم تنتبه إلى أنها قد سلكت نفس الطريق القديم مرة أخرى، الطريق الذي يمر بجانب متجر التحف. لكن هذه المرة، لم يكن المتجر هو ما لفت انتباهها.
كان الرجل الذي رأته في المقهى. الرجل الغامض ذو المعطف الداكن. كان يقف على الجانب الآخر من الشارع، لا ينظر إليها مباشرة، بل ينظر إلى متجر التحف الذي اشترت منه المرآة. كان يقف بثبات تام، كتمثال حجري، وحضوره كان ينضح بشعور بالخطر الصامت.
تسارع نبض "ليان". هل كان يراقبها؟
هل يعرف عن المرآة؟
قررت أن تفعل شيئاً جريئاً. شيئاً لم تكن لتفعله "ليان" القديمة أبداً. عبرت الشارع، واتجهت نحوه مباشرة.
كلما اقتربت، كانت ملامحه تتضح أكثر. كان رجلاً في الأربعينيات من عمره، وجهه حاد، وعيناه تحملان نظرة ثاقبة وباردة.
عندما أصبحت على بعد خطوات منه، استدار ونظر إليها مباشرة. لم يبدُ متفاجئاً. بدا وكأنه كان ينتظرها.
"من أنت؟"
سألت "ليان"، محاولة أن تجعل صوتها ثابتاً.
لم يجب على الفور. نظر إليها من رأسها حتى قدميها، كأنه يحلل شيئاً ما.
"أنا شخص يعرف أنكِ تلعبين بأشياء لا تفهمينها"، قال أخيراً، وصوته كان عميقاً وهادئاً. "المرآة التي اشتريتِها... أعيديها من حيث أتيت".
"لماذا؟
ومن أعطاك الحق لتخبرني ماذا أفعل؟"
"أنا لا أطلب منكِ، بل أحذركِ. أعيديها قبل أن يخرج منها ما لا يمكنكِ السيطرة عليه."
"وماذا سيخرج منها؟ أختي؟"
قالت "ليان" بسخرية مريرة.
تغيرت نظرة الرجل، وأصبحت أكثر جدية.
"أنتِ لا تعرفين ما هي أختكِ. أنتِ ترينها كضحية. لكن هناك من يراها كسلاح. وهناك من يراها
كوحش. وأنا... أنا أراها كخطأ يجب تصحيحه".
"ماذا تقصد؟"
"أقصد أن هناك آخرين يبحثون عن هذه البوابات. آخرين يريدون استغلال قوة أختكِ لأغراضهم الخاصة. بشرائكِ لهذه المرآة، أنتِ لم تفتحي نافذة لها فقط، بل أرسلتِ إشارة ضوئية لكل من يبحث في الظلام. لقد وضعتِ نفسكِ على الخريطة".
وقبل أن تستطيع "ليان" أن تسأل المزيد، استدار الرجل وبدأ يمشي مبتعداً.
"انتظر!" نادت عليه. "لم تخبرني من أنت!"
توقف للحظة، دون أن يلتفت. "اعتبريني حارساً... يحاول منع كارثة أخرى". ثم أكمل طريقه واختفى بين المارة.
عادت "ليان" إلى المنزل، وعقلها يموج بالأسئلة. لم يعد الأمر يتعلق بها وبـ "ليليث" فقط. هناك "آخرون". هناك "حارس". القصة أصبحت أكبر وأكثر تعقيداً.
عندما دخلت غرفتها، شعرت بأن الجو مختلف. كان أبرد. نظرت نحو المرآة المغطاة، ولاحظت أن الملاءة التي تغطيها قد انزلقت قليلاً من أحد أطرافها، كاشفة عن زاوية صغيرة من الزجاج.
اقتربت بحذر، وشعرت بقلبها يخفق. هل انزلقت بفعل تيار هواء، أم أن شيئاً ما حركها؟
رفعت الملاءة بالكامل.
تجمدت في مكانها.
على سطح المرآة، حيث لم يكن هناك شيء سوى انعكاسها قبل ساعات، كانت هناك الآن كلمة واحدة، مكتوبة بما يشبه البخار أو الصقيع على
زجاج بارد.
كلمة واحدة، كانت بمثابة إجابة وتحذير في نفس الوقت.
الكلمة كانت: "يستمعون".
الرجل الغامض، هل هو "حارس" حقيقي يحاول حماية "ليان" والعالم، أم أنه ينتمي إلى جماعة أخرى لها أهدافها الخاصة، ويريد المرآة لنفسه؟
جدة "ليان" تدعي أن "ليليث" وحش، و"ليليث" تدعي أنهم خائفون منها. من منهما يروي الحقيقة، أم أن الحقيقة تقع في مكان ما في المنتصف؟
كلمة "يستمعون" على المرآة... هل هي تحذير من "ليليث" لـ "ليان" من الرجل الغامض
و"الآخرين"؟ أم أنها رسالة من كيان آخر تماماً، يراقب كليهما من خلال هذه النافذة المفتوحة؟
"حسناً، على الأقل "ليان" وفرت ثمن الهاتف الجديد واشترت قطعة أثاث تتحدث معها. من منا لا يريد ذلك؟"
هذا الانتسجرام
elysi_a88
Elysia