شظايا في مرآة الروح

شظايا في مرآة الروح

13 0

"في بعض الأحيان، لا تكون الذاكرة سجلاً للماضي، بل قفصاً نصنعه بأنفسنا لنحبس فيه الحقيقة التي لا نجرؤ على مواجهتها."

............................................................

كان صوت تحطم الكوب لا يزال يتردد في أذني "ليان"، ليس كصوت خارجي، بل كصدى داخلي، كشيء انكسر في روحها. لم تنظف الزجاج المتناثر على الأرض. تركته هناك كدليل مادي، كشاهد صامت على أن ما حدث لم يكن هلوسة. القوة كانت حقيقية. هي كانت حقيقية. وهذا كان أكثر إرعاباً من أي شبح.

أمضت بقية الليلة مستيقظة، جالسة على سريرها، تحدق في الظلام. لم تعد تخاف من الظلال في زوايا الغرفة، بل أصبحت تخاف من الظل الذي يسكن داخلها. "ليليث". هل كانت "ليليث" هي هذه القوة؟ هل كانت هي الجزء الغاضب والمدمر الذي حطم الكوب؟ أم أنها كانت شيئاً آخر؟ صوتاً يحاول تحذيرها؟

"نحن لسنا وحشاً"*، همس الصوت في رأسها، وكان يحمل نبرة دفاعية، شبه طفولية.

"نحن فقط... لا نريد أن نتأذى مرة أخرى."

في صباح اليوم التالي، نزلت "ليان" إلى المطبخ لتجد جدتها قد نظفت الزجاج المحطم بالفعل. لم تكن هناك أي علامة على ما حدث. كانت الجدة تحضر الشاي بهدوء، كأن شيئاً لم يكن.

"لم يكن عليكِ أن تفعلي ذلك"، قالت "ليان" بصوت خافت.

"بعض الأشياء من الأفضل ألا تترك أثراً"، أجابت الجدة دون أن تلتفت. "خاصة عندما تكون أنتِ من كسرها".

كانت الكلمات تحمل وزناً أكبر من مجرد كوب مكسور.

"أنا لم أتعمد ذلك"، دافعت "ليان" عن نفسها.

"وهل تعتقدين أن النار تتعمد حرق البيت؟" قالت الجدة وهي تسكب الشاي في كوبين. "القوة لا تتعمد، يا ليان. هي فقط... تفعل. ودوركِ هو أن تتعلمي كيف تطفئينها قبل أن تلتهم كل شيء".

"وكيف أفعل ذلك؟" سألت "ليان" بيأس. "أنتِ لم تخبريني أي شيء! أنتِ فقط تتحدثين بالألغاز وتتركينني لأواجه هذا وحدي!"

وضعت الجدة كوب الشاي أمام "ليان".

"لأن هذا هو الطريق الوحيد. لا أستطيع أن أعطيكِ الإجابات. عليكِ أن تجديها بنفسكِ. عليكِ أن تتذكري. ليس فقط ما حدث، بل من كنتِ... قبل أن تقرري أن تنسي".

ذهبت "ليان" إلى المدرسة وعقلها يدور في حلقة مفرغة من كلمات جدتها. "من كنتِ قبل أن تقرري أن تنسي". هل كان النسيان قراراً؟ هل اختارت هي أن تمحو ماضيها؟

وجدتها "سارة" شاردة كالعادة.

"أخبار جديدة"، همست "سارة" بحماس وهي تسحبها إلى زاوية هادئة في المكتبة. "لقد وجدت شيئاً. اسم 'الجامعين' الذي ذكرته جدتكِ... ليس مجرد أسطورة. هناك منظمة حقيقية، أو طائفة، تعمل تحت هذا الاسم منذ قرون. لكنهم لا يسمون أنفسهم 'الجامعين'. هذا هو الاسم الذي أطلقه عليهم أعداؤهم. هم يسمون أنفسهم 'جمعية لومينا'".

"لومينا؟"

"نعم. من 'لومن'، وتعني النور باللاتينية.

إنهم يرون أنفسهم كالمستنيرين. يعتقدون أن الأشخاص الذين يمتلكون قدرات مثل عائلتكِ هم المرحلة التالية من التطور البشري، وأنهم يجب أن 'يُجمعوا' و'يُحموا' و'يُقادوا' من أجل خير البشرية. لكن بالطبع، 'خير البشرية' يعني سيطرتهم هم".

"وكيف وجدتِ كل هذا؟" سألت "ليان"، مندهشة من قدرة صديقتها على البحث.

أخرجت "سارة" هاتفها وأرتها صفحة من موقع إلكتروني قديم ومصمم بشكل سيء، مليء بالنصوص المشفرة والرموز الغريبة.

"لقد قضيت الليلة كلها في أعمق أركان الإنترنت. هذه المواقع لا تظهر في جوجل. عليكِ أن تعرفي أين تبحثين".

1

كانت "ليان" ممتنة ومذعورة في نفس الوقت. "سارة، هذا خطير. هم قد يجدونكِ".

ابتسمت "سارة" ابتسامة واثقة. "لا تقلقي. أنا أستخدم سبعة بروكسيات وشبكة افتراضية مشفرة. أنا شبح على الإنترنت. لكن الأهم من ذلك، لقد وجدتُ اسماً يتكرر في هذه المنتديات. اسم عائلة يُشاع أنها تدير 'جمعية لومينا' من خلف الستار. عائلة 'فاليريوس'".

1

تجمدت "ليان" في مكانها. "فاليريوس". الاسم كان مألوفاً بشكل غامض، كأنه من حلم قديم.

"هل أنتِ بخير؟" سألت "سارة" بقلق.

"هذا الاسم..." همست "ليان". "أعتقد أنني سمعته من قبل".

"لقد سمعتِه"، أكد صوت "ليليث" في رأسها. "كانوا هناك. في تلك الليلة."

عادت "ليان" إلى المنزل وهي تشعر بأن قطع اللغز بدأت تتجمع، لكن الصورة التي تشكلها كانت أكثر بشاعة مما تخيلت. دخلت غرفتها، وشعرت بدافع قوي للعودة إلى المرآة. لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن "ليليث". كانت تبحث عن ذاكرتها.

جلست أمام المرآة المغطاة، ووضعت يديها على ركبتيها، وأغمضت عينيها.

"أريد أن أتذكر"، همست في الفراغ. "أريد أن أرى".

ركزت على اسم "فاليريوس". تركته يتردد في عقلها.

بدأت الصور تومض مرة أخرى، لكنها كانت أوضح هذه المرة.

طريق مظلم. مطر. أضواء سيارة.

صوت صراخ والدتها. ليس صراخ ألم، بل صراخ غضب. كانت تصرخ باسم: "فاليريوس!"

ثم، وجه رجل يظهر عند نافذة السيارة. لم يكن وجه الرجل الغامض الذي رأته في المقهى. كان رجلاً آخر، أكبر سناً، بعينين باردتين كالثلج وشعر فضي. كان يبتسم.

ثم، انفجار من الضوء الأبيض. ليس ضوء انفجار، بل ضوء بارد، صامت. وشعور بالضغط، كأن الهواء كله قد تم امتصاصه من السيارة.

ثم، الظلام.

فتحت "ليان" عينيها، واللهاث يخرج من رئتيها. كانت ترتجف بعنف. لقد رأت. لقد تذكرت. لم يكن حادث سيارة. لقد كان هجوماً. لقد أوقفوهم، وواجهوهم.

لكن هناك شيئاً آخر كان يزعجها. في تلك الرؤيا، لم تكن مجرد مراقب. لقد شعرت بكل شيء. شعرت بغضب والدتها، بخوف والدها، وبابتسامة الرجل ذي الشعر الفضي. وشعرت... بقوتها هي. شعرت بها تتجمع في صدرها كعاصفة، لكنها لم تنفجر. لقد كانت مكبوتة، مقيدة. كأن شيئاً ما كان يمنعها.

في تلك اللحظة، رن جرس الباب.

تجمدت "ليان". كانت جدتها قد خرجت لشراء بعض الأغراض. من يمكن أن يكون؟

هبطت الدرج بحذر، ونظرت من العين السحرية للباب.

كان هو. الرجل الغامض من المقهى.

تراجعت "ليان" خطوة إلى الوراء، وقلبها يكاد يقفز من صدرها. ماذا تفعل؟ هل تتصل بالشرطة؟ ماذا ستقول لهم؟

رن الجرس مرة أخرى، ثم توقف. ساد الصمت لثوانٍ، ثم سمعت صوتاً خافتاً، ليس من خلف الباب، بل من داخل المنزل.

"أنا لست هنا لأؤذيكِ، ليان".

استدارت "ليان" في رعب. كان الرجل يقف في منتصف غرفة المعيشة، كأنه خرج من بين الظلال. لم يكن هناك أي أثر لاقتحام. الباب كان لا يزال مغلقاً.

"كيف... كيف دخلت؟" همست.

"هناك طرق أخرى للدخول إلى البيوت القديمة"، قال بهدوء. "خاصة تلك التي بنيت لتحمي أسراراً".

"من أنت؟"

"اسمي 'كاي'. وأنا لست من 'الجامعين'. أنا... كنت واحداً منهم".

تقدم خطوة. "لقد رأيت ما يمكنهم فعله. لقد رأيت ما فعلوه بعائلات أخرى. لقد هربت. والآن، أنا أحاول أن أصلح بعض الأخطاء التي ارتكبتها".

"وماذا تريد مني؟"

"أريد أن أحذركِ. 'فاليريوس' يعرف أنكِ هنا. يعرف أن قوتكِ تستيقظ. هم لا يرسلون جنوداً عاديين. هم يرسلون أفضل صائديهم. شخص لا يمكنكِ رؤيته، لا يمكنكِ الشعور به. شخص يمكنه أن يكون أي أحد. صديق، جار، حتى..."

توقف، ونظر إلى المرآة المغطاة في زاوية الغرفة. "حتى انعكاس في المرآة".

"المرآة ليست مجرد أداة تركيز لكِ. إنها بوابة لهم. كلما استخدمتِها، كلما فتحتِ لهم طريقاً أوسع للوصول إليكِ، ليس فقط جسدياً، بل عقلياً. يمكنهم أن يزرعوا أفكاراً، شكوكاً، صوراً. يمكنهم أن يقلبوا قوتكِ ضدكِ".

نظر "كاي" إلى "ليان" مباشرة. "لقد حذرتكِ من قبل. أعيديها. دعي جدتكِ تدمرها. إنها فرصتكِ الوحيدة".

"كاي" يدعي أنه حليف، لكن كيف دخل المنزل بهذه السهولة؟ هل هو حقاً "حارس" منشق، أم أن هذه مجرد خدعة متقنة من "الجامعين" لكسب ثقتها؟

ذاكرة "ليان" الجديدة كشفت عن رجل آخر، "فاليريوس". هل هو زعيم "الجامعين"؟ وما هو "الضوء الأبيض الصامت" الذي أوقف السيارة؟ هل هو نوع من التكنولوجيا المتقدمة أم قدرة نفسية أخرى؟

تحذير "كاي" من أن الصائد يمكن أن يكون "أي أحد"... هل هذا مجرد تحذير عام، أم أنه كان يلمح إلى شخص معين تعرفه "ليان" بالفعل، مثل "سارة"؟

الآن بعد أن عرفت "ليان" أن المرآة قد تكون فخاً، هل ستستمر في استخدامها لمحاولة فهم ماضيها، أم أنها ستتخلى عن أقوى أداة لديها وتثق في تحذير "كاي"؟

"حسناً، على الأقل الآن نعرف أن 'ليان' لا تحتاج إلى القلق بشأن اللصوص العاديين. لديها زوار يدخلون عبر الجدران. الأولويات، يا جماعة!" ههههه

---

التصويت فضلا 🌟

والتعليق

أراكم في فصل القادم بعون الله

الانستجرام

elysi_a88

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الزجاج الازرق

المؤلف Elysia
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة