صدي في جدران الذاكرة

صدي في جدران الذاكرة

13 0

"أخطر الأكاذيب ليست تلك التي نسمعها من الآخرين، بل تلك التي نهمس بها لأنفسنا في الظلام حتى نصدقها.

☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️☠️

كانت كلمة "يستمعون" لا تزال محفورة على سطح المرآة، ليس كبخار يمكن مسحه، بل كجرح في الزجاج نفسه. وقفت "ليان" أمامها، متجمدة، لا تتنفس. لم يعد السؤال "من كتب هذا؟"، بل أصبح "كيف كُتب هذا؟". لم يكن هناك أثر لبصمات أصابع، لم يكن هناك رذاذ سائل. كانت الكلمة قد ظهرت من العدم، كأن الزجاج نفسه قد نطق بها.

في تلك اللحظة، حدث شيء غريب. بينما كانت تحدق في الكلمة، بدأت الحروف تتراقص أمام عينيها، تتمدد وتتقلص. شعرت بدوار خفيف، وبدأ طنين حاد ومنخفض في أذنيها، نفس الطنين الذي سبق ظهور الرجل الغامض. أغمضت عينيها بقوة، وعندما فتحتهما، كانت الكلمة قد اختفت. عاد سطح المرآة أملس وفارغاً، لا يعكس سوى وجهها المذعور والغرفة الصامتة خلفها.

هل كانت تتخيل؟ هل وصل بها الإرهاق والضغط إلى هذه الدرجة من الهلوسة؟

*"لستِ مجنونة"*، همس صوت "ليليث" في رأسها، لكنه هذه المرة كان يحمل نبرة مختلفة. لم يكن غاضباً أو حزيناً، بل كان حازماً، شبه علمي.

"أنتِ فقط... تستيقظين."

هبطت إلى الطابق السفلي، وقلبها لا يزال يخفق بعنف. وجدت جدتها في غرفة المعيشة، لا تحيك أو تقرأ كعادتها، بل كانت جالسة في الظلام، تنظر من النافذة إلى الشارع الخالي.

"لقد عاد"، قالت "ليان" بصوت أجش.

استدارت الجدة ببطء. "من الذي عاد؟"

"الرجل. الرجل الغامض الذي رأيته في المقهى. لقد كان ينتظرني في الشارع. حذرني من المرآة. قال إن هناك 'آخرين' يبحثون عنها".

لم تبدُ الجدة متفاجئة. أومأت برأسها ببطء، كأنها كانت تتوقع هذا.

"لقد بدأوا يشعرون بكِ. المرآة كانت مثل منارة أطلقتها في الظلام".

"من هم؟" سألت "ليان" بيأس. "ومن هو هذا الرجل؟"

نهضت الجدة، وأشعلت مصباحاً خافتاً ألقى بظلال طويلة وراقصة على الجدران. اقتربت من "ليان"، ووضعت يدها على كتفها. كانت يدها باردة كالثلج.

"هناك عائلات قديمة، يا ليان. مثل عائلتنا، ومثل عائلة 'دي لاغرانج'. عائلات ورثت قدرات... أو لعنات، كما كان يسميها جدكِ. بعض هذه العائلات، مثلنا، اختارت أن تعيش في الظل، أن تخفي قوتها لحماية نفسها والعالم من الفوضى. لكن هناك آخرين... آخرين يرون في هذه القوة أداة للسيطرة، للنفوذ، للسلطة. هؤلاء هم 'الجامعون'. هم لا يمتلكون القوة بأنفسهم، لكنهم يصطادون من يمتلكونها، ويستخدمونهم كأدوات".

"والرجل الغامض؟"

"لا أعرف. قد يكون واحداً منهم، يحاول خداعكِ لتسلمي المرآة. أو قد يكون مثلنا، 'حارساً' منشقاً يحاول منع كارثة. في هذا العالم، الخط الفاصل بين الحليف والعدو رفيع جداً".

نظرت الجدة إلى عيني "ليان" مباشرة، وكانت نظرتها حادة كشظايا الزجاج.

"أنتِ تبحثين عن الوحش في كل زاوية من هذا البيت يا ابنتي... ولم تفكري ولو لمرة واحدة أن تنظري في المرآة."

تركت الجملة تدوي في الصمت بينهما. شعرت "ليان" بالكلمات تخترقها. هل كانت جدتها تتهمها؟ هل كانت تلمح إلى أن "ليان" هي مصدر الخطر؟ أم أنها كانت مجرد استعارة قاسية، تحثها على مواجهة مخاوفها الداخلية؟

"أنا لست وحشاً"، همست "ليان"، وشعرت بالدموع تحرق عينيها.

"لم أقل إنكِ كذلك"، قالت الجدة بهدوء. "لكن القوة التي بداخلكِ... هي قوة محايدة. مثل النار. يمكنها أن تدفئ بيتاً، أو تحرقه بالكامل. الأمر يعتمد على من يسيطر عليها".

في اليوم التالي، كانت "ليان" في حالة من التشتت الكامل. في المدرسة، كانت تحدق في السبورة دون أن ترى الكلمات. كل ما كانت تراه هو وجه الرجل الغامض، وكلمة "يستمعون"، ونظرة جدتها المتهمة.

"أنتِ لستِ هنا على الإطلاق"، قالت "سارة" وهي تجلس بجانبها في الكافتيريا.

"لقد ناديتُ اسمكِ ثلاث مرات".

"أنا آسفة"، قالت "ليان". "عقلي في مكان آخر".

"إنه الرجل الغامض، أليس كذلك؟" سألت "سارة" وهي تميل نحوها. "هذا أمر مخيف حقاً. أن يكون هناك أشخاص آخرون متورطون".

"الأمر أسوأ من ذلك"، قالت "ليان" بصوت خافت. "جدتي... أعتقد أنها تظن أنني أنا المشكلة. أنها تخاف مني".

أمسكت "سارة" بيد "ليان" بقوة. "لا تستمعي إليها. جدتكِ خائفة فقط. هي من جيل قديم لا يفهم هذه الأشياء. أنتِ لستِ وحشاً يا ليان. أنتِ ضحية في كل هذا".

شعرت "ليان" ببعض الراحة من كلمات "سارة". كانت صديقتها هي صوت العقل الوحيد في هذا الجنون.

"ماذا يجب أن أفعل؟" سألت "ليان".

"علينا أن نكون أذكى منهم"، قالت "سارة" بحماس.

"علينا أن نعرف المزيد قبل أن يتصرفوا. سأبحث عن 'الجامعين' هؤلاء. سأبحث في كل المنتديات المظلمة، وكل الأرشيفات. سنكتشف من هم قبل أن يجدوكِ".

1

بدت "سارة" واثقة جداً، ومتحمسة بشكل غريب. للحظة خاطفة، تساءلت "ليان" كيف تعرف صديقتها كل هذه الأشياء، وكيف تبدو مستعدة لهذه الدرجة. لكنها طردت الفكرة من رأسها بسرعة. كانت ممتنة جداً لوجود "سارة" لدرجة أنها لم ترغب في التشكيك فيها.

1

في تلك الليلة، قررت "ليان" أن تجرب شيئاً مختلفاً. إذا كانت هي مصدر القوة، فعليها أن تفهمها. جلست أمام المرآة المغطاة، وأخذت نفساً عميقاً. لم ترفع الغطاء. بدلاً من ذلك، أغمضت عينيها وحاولت أن تستمع... ليس إلى العالم الخارجي، بل إلى الصمت داخلها.

حاولت أن تتذكر. أن تعود إلى يوم الحادث.

بدأت الصور تومض في عقلها، مشوشة ومجزأة. طريق مظلم... مطر غزير... أضواء سيارة قادمة... صراخ والدتها... ورائحة... رائحة احتراق غريبة، ليست كاحتراق البنزين، بل شيء آخر، شيء كيميائي، لاذع.

ثم، شعرت بشيء آخر. شعرت بقوة هائلة تتجمع في صدرها، قوة باردة وحارقة في نفس الوقت. شعرت بغضب عارم، ليس غضبها هي، بل غضب "ليليث".

"لقد آذونا"، همس الصوت في رأسها. "لقد حاولوا أخذنا."

"

من؟" سألت "ليان" بصوت عالٍ.

فجأة، اهتز الكوب على الطاولة بجانبها بعنف، ثم انزلق وسقط على الأرض، وتحطم إلى آلاف القطع.

فتحت "ليان" عينيها في صدمة. لقد فعلتها. لقد حركت الكوب بقوة أفكارها.

نظرت إلى يديها المرتجفتين. القوة كانت حقيقية. وجدتها لم تكن تكذب.

لكن هذا الاكتشاف لم يجلب لها أي راحة. بل جلب معه موجة جديدة من الرعب. إذا كانت قادرة على فعل هذا بكوب ماء، فما الذي يمكن أن تفعله بشخص؟ ما الذي فعلته في الماضي؟

جملة الجدة "لم تفكري أن تنظري في المرآة"... هل كانت مجرد استعارة قاسية، أم أنها كانت تلميحاً حرفياً؟

هل هناك شيء في انعكاس "ليان" لم تلاحظه بعد؟

حماس "سارة" الغريب واستعدادها للبحث في "المنتديات المظلمة"... هل هو مجرد دليل على صداقتها القوية، أم أنه يخفي معرفة مسبقة أعمق مما تدعي؟

رائحة الاحتراق "الكيميائية" التي تذكرتها "ليان" من الحادث... هل هذا دليل جديد على أن الحادث لم يكن عادياً، بل كان هجوماً متعمداً باستخدام مواد غير تقليدية؟

الآن بعد أن تأكدت "ليان" من أن القوة حقيقية وقادمة منها، هل ستخاف منها وتحاول كبتها كما فعلت جدتها، أم أنها ستحاول احتضانها والسيطرة عليها لتصبح سلاحها؟

"حسناً، على الأقل "ليان" لن تحتاج إلى النهوض من السرير لإطفاء النور بعد الآن. هناك دائماً جانب مشرق، أليس كذلك؟" 😭😉

1

---

لا تنسوا الضغط علي النجمة 🌟

التصويت مهم

والتعليق بين الفقرات

الانستجرام

elysi_a88

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الزجاج الازرق

المؤلف Elysia
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة