أخطر الأشباح ليست تلك التي تسكن البيوت، بل تلك التي تستعمر الروح وتدّعي أنها نحن."
.................................................…....…
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، وتحولت غرفة "ليان" إلى جزيرة معزولة يحيط بها محيط من السكون. الضوء الأصفر الشاحب، المنبعث من مصباح مكتبي قديم، كان يصارع ليمزق عتمة الزوايا، راسماً ظلالاً طويلة وراقصة على الجدران. كانت تلك الظلال تتمدد وتتقلص مع كل نفس، كأنها كائنات حية تتنفس معها في صمت. أمامها، على سطح المكتب الخشبي، كان كتاب الفيزياء مفتوحاً على صفحة من المعادلات المعقدة التي بدت وكأنها طلاسم من لغة منقرضة. لم تكن عيناها تقرأ حقاً؛ كانت الكلمات والرموز تسبح أمامها في ضباب من الإرهاق، مجرد نقوش سوداء على ورق أبيض فقدت كل معنى.
*******
عقلها كان قد انسحب بهدوء إلى ذلك المكان الهادئ والخطير في آن واحد، تلك المنطقة الحدودية بين الوعي والغفوة. هناك، كانت الأفكار تتجرد من منطقها وتتحول إلى مشاعر خام. وكان الشعور الذي يسيطر عليها في معظم الأحيان هو إحساس عميق بالضياع. لم يكن ضياعاً مكانياً، بل وجودياً. كانت تشعر وكأنها ممثلة على خشبة مسرح، تؤدي دور "ليان" بإتقان، بينما روحها الحقيقية تقف في الكواليس المظلمة، تراقب العرض وتتساءل متى سينتهي هذا الفصل من حياتها. كانت تبتسم حين يُتوقع منها الابتسام، وتحزن حين يتطلب المشهد الحزن، لكن كل ذلك كان يحدث على السطح، بينما في الأعماق، كان هناك فراغ بارد وهائل.
اهتزاز هاتفها المحمول على الطاولة الخشبية أحدث صوتاً مفاجئاً، عنيفاً، كان كفيلاً بانتشالها من غياهب أفكارها وإعادتها إلى واقع غرفتها. كان الاسم المضيء على الشاشة هو "سارة"، صديقتها التي كانت تمثل النقيض التام لها. إذا كانت "ليان" هي البحر الهادئ والعميق، فإن "سارة" كانت العاصفة المبهجة التي لا تتوقف عن الحركة.
فتحت الرسالة، وابتسامة خفيفة، بالكاد تكونت، ارتسمت على شفتيها.
*"هييي! يا غارقة في الكتب! أتمنى ألا تكوني قد تحولتِ إلى معادلة فيزيائية بعد. فيلم الرعب الجديد الذي ننتظره منذ شهور نزل اليوم. سنهرب من الحصة الأخيرة غداً لمشاهدته. جهزي نفسكِ للصراخ. لا أقبل أي أعذار، الأمر ليس للنقاش!"*
كانت كلمات "سارة" تحمل دائماً طاقة معدية، دفعة من الحياة تقتحم عالم "ليان" المنظم والهادئ. أمسكت بالهاتف، وبدأت أصابعها تطير فوق الشاشة لتكتب رداً متحمساً، أو على الأقل يبدو متحمساً. وقبل أن تضغط على زر الإرسال، رفعت بصرها بشكل لا إرادي نحو المرآة البيضاوية الصغيرة المعلقة على الحائط المقابل لمكتبها. كانت هدية قديمة من جدتها، بإطار فضي متآكل تزينه نقوش لزهور اللوتس.
تجمدت أصابعها. تجمد الزمن.
كان انعكاسها هناك، يحدق فيها. الفتاة التي من المفترض أن تكون هي. نفس الشعر البني الطويل الذي ينسدل على كتفيها في فوضى ناعمة، نفس العينين الواسعتين اللتين ورثتهما عن والدتها، عينان بلون البندق تحملان دائماً مسحة من الحزن الخفي. لكن لثانية واحدة، ثانية تمددت لتصبح دهراً، لم يكن الانعكاس يقلدها. كانت ملامح الفتاة في المرآة جامدة، قناعاً من الجليد خالٍ من أي تعبير. كانت الابتسامة الخفيفة التي على وجه "ليان" غائبة تماماً عن وجه الانعكاس. والأكثر رعباً، كانت عيناها. كانتا تحدقان فيها مباشرة، ليس كانعكاس سلبي، بل ككيان مستقل، كشخص آخر يقف على الجانب الآخر من الزجاج، نظراته الباردة تحمل اتهاماً صامتاً، عتاباً قديماً لم تفهم كنهه.
أغمضت "ليان" عينيها بقوة، وشعرت بصرخة مكتومة تحتبس في حلقها. قلبها بدأ يقرع ضلوعها بعنف، كطائر محبوس يحاول كسر قفصه. "إنه مجرد إرهاق"، همست لنفسها، مكررة الكلمات كتعويذة لدفع الشر. "لم أنم منذ ليلتين، هذا كل ما في الأمر". كان صوت المنطق في رأسها يرتجف، يصارع لإقناع ذلك الصوت الآخر، الصوت البدائي الذي كان يصرخ بالخوف.
حين أجبرت نفسها على فتح عينيها مجدداً، كان كل شيء قد عاد إلى طبيعته. الفتاة في المرآة كانت هي، نسخة باهتة ومتعبة منها، تحمل نفس الابتسامة المرتجفة. لكن أثر تلك الثانية ظل عالقاً في الهواء، قشعريرة باردة سرت في عمودها الفقري واستقرت في مؤخرة عنقها. تجاهلت الأمر بصعوبة، وضغطت على زر الإرسال، مرسلةً موافقتها الحماسية المزيفة إلى "سارة".
في اليوم التالي، كانت شمس الظهيرة القاسية تغمر فناء المدرسة، وتحول الهواء إلى كتلة من الضجيج والنشاط. كانت "ليان" تجلس على طاولتهما الخشبية المعتادة تحت ظل شجرة قديمة، محاطة بوجوه مألوفة وأصوات عالية. كانت "سارة" تروي بحماسها المعهود قصة عن كيفية إيقاعها بأستاذ الكيمياء في خطأ محرج، والجميع كان يضحك بصوت عالٍ، بمن فيهم "ليان".
لكن ضحكتها كانت تبدو غريبة حتى لأذنيها، كانت صدى فارغاً لضحكات الآخرين، نغمة نشاز في سيمفونية من المرح الصادق.
عادت إليها تلك الحالة مجدداً، شعور الانفصال، كأن روحها قد ارتفعت بضعة أقدام فوق جسدها، تراقب "ليان" وهي تؤدي دورها ببراعة. تراها وهي تومئ برأسها، وهي تبتسم، وهي تدلي بتعليق ذكي بين الحين والآخر. كانت تؤدي دور الفتاة الطبيعية، المحبوبة، التي لا يشوبها شائبة، بينما في داخلها، كانت تصرخ في فراغ لا نهاية له.
"ليان، هل تسمعينني حتى؟"
صوت "سارة" القريب، الذي حمل نبرة من الامتعاض، أعادها إلى جسدها بقسوة. كانت تنظر إليها، وقد عقدت حاجبيها الكثيفين في تعبير عن القلق.
"كنتُ أتحدث إليكِ منذ دقيقة كاملة، لكنكِ كنتِ في كوكب آخر. هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين شاحبة اليوم، أكثر من المعتاد".
هزت "ليان" رأسها بسرعة، محاولة ترتيب أفكارها المشتتة. رسمت على وجهها ابتسامة اعتبرتها الأكثر إقناعاً في جعبتها. "بالطبع كل شيء بخير. لم أنم جيداً ليلة أمس، كنتُ أفكر في امتحان الفيزياء. أنتِ تعرفينني، ملكة القلق".
لم تبدُ "سارة" مقتنعة تماماً. ضيقت عينيها، ونظرت إليها بتلك النظرة الفاحصة التي كانت "ليان" تكرهها، لأنها كانت تشعرها بأن "سارة" تستطيع رؤية الشروخ الدقيقة في القناع الذي ترتديه. لكنها في النهاية تنهدت وقالت: "حسناً، لكن إذا كان هناك شيء يزعجكِ، فأنتِ تعرفين أين تجدينني". ثم عادت لتكمل حديثها عن خطتهما للهروب من المدرسة، لكن "ليان" ظلت تشعر بنظرات صديقتها تعود إليها بين الفينة والأخرى، كأنها تحاول حل لغز معقد.
عندما عادت إلى المنزل في ذلك المساء، كان الصمت هو أول من استقبلها عند الباب. كان صمتاً كثيفاً، ثقيلاً، يمكنك أن تشعر به يضغط على طبلة أذنك. جدتها كانت تجلس في مقعدها الهزاز المفضل في زاوية غرفة المعيشة، كتمثال من الشمع يجسد الحزن النبيل. كان المقعد ثابتاً لا يتحرك، وبجانبها على طاولة صغيرة، كان كوب من شاي البابونج قد بردت أبخرته منذ زمن. كانت تحدق في نقطة ما على الحائط المقابل، غارقة في محيط من الذكريات التي لم تشاركها مع أحد قط.
"لقد عدتُ يا جدتي"، قالت "ليان" بصوت خافت، كأنها تخشى أن تكسر قدسية هذا الصمت.
أومأت الجدة برأسها ببطء شديد، حركة تكاد تكون غير محسوسة، دون أن تحرك عينيها عن الحائط. لم تسأل عن يومها، لم تعلق على تأخرها. كانت مجرد حضور جسدي، بينما روحها كانت تحلق في عوالم أخرى، عوالم أُغلقت أبوابها أمام "ليان" منذ زمن بعيد.
صعدت "ليان" درجات السلم الخشبي الذي كان يصدر صريراً خافتاً مع كل خطوة، وشعرت بذلك الثقل المعتاد يهبط على صدرها. ثقل الوحدة، ثقل الأسرار غير المعلنة التي تملأ هواء هذا المنزل. ألقت بحقيبتها المدرسية على الأرض بإهمال، وتمددت بكامل ملابسها على سريرها، مغمضة عينيها. كانت تتوق بشدة إلى أي شيء، أي شيء يكسر هذه الرتابة القاتلة، هذا الصمت المطبق، هذا الشعور بأنها تعيش حياة مستعارة، حياة لا تخصها
.
وكأن القدر، في لحظة من السخرية الكونية، قرر أن يستجيب لأمنيتها.
رن جرس الباب فجأة. لم يكن رنيناً عادياً، بل كان صوتاً حاداً، عالياً، ومستمراً، اخترق هدوء المنزل كسكين حامية.
قفزت "ليان" من سريرها، وشعرت بقلبها يقفز معها. نزلت على الدرج بسرعة، تتخطى درجتين في كل مرة، وكان عقلها يردد اسم "سارة". لابد أنها هي، ربما نسيت شيئاً أو قررت المجيء لمراجعة بعض الدروس.
عندما وصلت إلى الباب، أخذت نفساً عميقاً وفتحته دفعة واحدة.
لم يكن هناك أحد.
وقفت على العتبة، تنظر يميناً ويساراً. الشارع كان فارغاً، يسبح في الضوء البرتقالي لغروب الشمس. أعمدة الإنارة لم تكن قد أضيئت بعد، والظلال بدأت تطول وتتشابك، كأصابع داكنة تمتد لتخنق آخر أنفاس النهار. لم يكن هناك صوت سوى حفيف أوراق الشجر اليابسة التي تدفعها نسمة هواء خريفية باردة.
شعرت بخيبة أمل غريبة، وبقليل من الخوف. أغلقت الباب الثقيل، وشعرت بصوت مزلاجه وهو يغلق كأنه حكم نهائي. وعندما استدارت لتواجه بهو المنزل المعتم، تجمدت في مكانها.
على الأرضية الخشبية الباردة، أمام الباب مباشرة، حيث لم يكن هناك أي شيء قبل ثوانٍ معدودة، كان يرقد صندوق خشبي صغير.
تجمد الدم في عروقها. كان الأمر مستحيلاً. لقد نظرت إلى الأرض قبل أن تفتح الباب، وكانت فارغة. والآن، كان هذا الصندوق هناك، كما لو أنه انبثق من خشب الأرضية نفسه.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، مترددة، كأنها تقترب من حيوان بري نائم. قلبها كان يدق بعنف وبصوت مسموع في أذنيها، طنيناً من الدم والخوف. كان صندوقاً قديماً، لونه بني داكن، يكاد يكون أسوداً، وزواياه متآكلة بفعل الزمن. لم يكن عليه أي شريط أو غلاف، فقط هو، وإلى جانبه ورقة مطوية بعناية، كان لونها يميل إلى الأصفر الباهت، وتفوح منها رائحة غبار قديم، رائحة كتب منسية في مكتبة مهجورة.
انحنت، والتقطت الورقة بأصابع مرتعشة. كان ملمسها جافاً وهشاً. فتحتها ببطء، كأنها تخشى أن تتفتت بين يديها. كان الخط المكتوب به أنيقاً، ومائلاً، يحمل في انحناءاته انسيابية وحزناً عميقاً، خط امرأة من زمن آخر.
قرأت الكلمات بصوت مسموع بالكاد، همساً ضاع في صمت البهو:
*"إلى من تجد هذه الرسالة...*
*لا تفتحي الصندوق، إن كنتِ تخافين الحقيقة.*
*لا تبحثي عني... فأنا لستُ ما كنتُ عليه.*
*وتذكري... الزجاج لا يعكس وجهك، بل يعكس ضعفك."*
رفعت رأسها ببطء، ونظرت حولها في أرجاء المنزل الذي عرفته طوال حياتها. فجأة، لم يعد هذا المنزل ملاذها الآمن. الصمت لم يعد مريحاً، بل أصبح يحمل تهديداً مبطناً. كل ظل في الزوايا بدا وكأنه يزداد عمقاً، وكأنه يأوي شيئاً ما. كل همسة للريح في الخارج عبر شقوق النوافذ القديمة بدت وكأنها تحمل اسماً... اسمها.
نظرت إلى الصندوق المغلق على الأرض، ثم إلى يديها التي كانت ترتجف دون توقف. لقد تحققت أمنيتها التي لم تنطق بها. لقد انكسرت الرتابة.
لكنها في تلك اللحظة، وبشعور يقين قاطع ومخيف، أدركت أن ما انكسر حقاً... هو جدار عالمها الهش بأكمله
************************************
هلو هلو يا حلوين أتمني حقا أن تعجبكم الرواية
لقد بذلت فيها مجهودا
وطبيعة حال يكون دائما اول عمل ليس افضل شئ ومعظمه أخطاء
ولكن اهم شئ حبكة الرواية ✨
انتظر رأيكم وتعليقاتكم 🤍🥰💔
حرفيا لو رأيتم اول فصل أن الرواية غريبة ليست افضل شئ فباقي الفصول سوف تبهركم سيكون كل شئ واضح مع كل فصل جديد
الفصل القادم ستكون الفصول كلمتها أكثر فأستعدوا
واخر شئ لا تنسوا أن تتابعوني علي الانستجرام 👇
elysi_a88
اضغطوا علي النجمة فضلا 🌟
Elysia