اصداء في القبو

اصداء في القبو

11 0

"أخطر الأكاذيب ليست تلك التي نسمعها من الأعداء، بل تلك التي نكتشفها في صمت الأصدقاء. إنها لا تكسر الثقة فحسب، بل تحطم الواقع نفسه."

----------------------------------------------------------------------------------------------

كان الهواء في القبو بارداً ورطباً، محملاً برائحة التراب القديم والزمن المنسي الذي تجمد بين الجدران الحجرية. لم يكن هناك سوى صوت خطواتهما ووقع أنفاسهما المتسارعة الذي يتردد صداه في الصمت المطبق. كانت "ليان" تسير خلف "سارة"، تمسك بمصباح يدوي بيد ترتجف قليلاً. لم يكن الرعشة من الخوف من الظلام أو من العناكب التي نسجت شباكها كأكفان رمادية في الزوايا، بل من الخوف مما قد يكشفه الضوء، من الحقيقة الباردة التي كانت تشك في وجودها وتخشى تأكيدها.

"أنا متأكدة من أنه يجب أن يكون هنا في مكان ما"، قالت "سارة" بحماس مصطنع، وهي توجه ضوء مصباحها القوي نحو الأركان المظلمة، متجاهلة تماماً شبكات العناكب التي تتدلى كالأشباح

"الخرائط القديمة تقول إن المداخل غالباً ما تكون مخفية خلف جدران زائفة أو تحت ألواح أرضية مميزة. علينا فقط أن نكون دقيقين".

كانت "سارة" في عنصرها تماماً. تتحرك بثقة غريبة، وتفحص الجدران بخبرة لا تتناسب إطلاقاً مع صورة "صديقة الجامعة" المهتمة بالموضة والمقاهي التي عرفتها "ليان" لسنوات.

كل حركة، كل نقرة مدروسة على الحجر، كل نظرة متفحصة، كانت تصرخ بأن تحذير "كاي" لم يكن مجرد هذيان ناتج عن جنون الارتياب. كانت "سارة" تتحرك كجندي يستطلع أرض العدو، وليس كفتاة تبحث عن مغامرة.

"انظري!" صاحت "سارة" فجأة، مشيرة إلى جزء من الجدار الخلفي، حيث تتراكم الصناديق الخشبية القديمة. "هذا الحجر... لونه مختلف قليلاً عن البقية. إنه أغمق، كأنه تعرض للرطوبة بشكل مختلف".

اقتربت "ليان"، وقلبها يخفق بقوة في صدرها كطائر محبوس. كانت هذه هي اللحظة التي خططت لها. في طريقها إلى المنزل، وبعد لقائها بـ "سارة" في المقهى، توقفت عند متجر لمواد البناء.

بحجة أنها تريد إصلاح صدع في جدار غرفتها، اشترت عبوة من مسحوق الطباشير الأزرق الفاتح، وهو نوع يستخدمه عمال البناء لرسم خطوط مستقيمة. قبل نزولهما، وفي لحظة غفلت فيها "سارة" وهي تحضر الكشافات، قامت "ليان" برش طبقة خفيفة جداً وغير مرئية تقريباً على الأرض أمام هذا الجدار بالذات، والذي كانت قد لاحظته في زياراتها السابقة للقبو. كان فخاً بسيطاً، بدائياً، لكنه كان كل ما تملكه. إذا كان "كاي" أو أي شخص آخر قد استخدم هذا المدخل مؤخراً، فلا بد أن تكون هناك آثار أقدام باهتة تحت الضوء المناسب. وإذا كانت "سارة" تعرف بهذا المدخل مسبقاً، فقد تكشف حركاتها ذلك.

"دعينا نرى"، قالت "سارة" وهي تضع مصباحها على صندوق خشبي قريب، ثم بدأت تضغط على الحجر المشتبه به. لم يحدث شيء. عبست، ثم بدأت تتحسس الحجارة المحيطة به، وأصابعها تتحرك بخفة ودقة مريبة. "يجب أن تكون هناك آلية ما... ربما حجر ضغط".

في هذه الأثناء، وفي ظل انشغال "سارة" الكامل، أخرجت "ليان" بهدوء مصباحاً صغيراً يعمل بالأشعة فوق البنفسجية من جيبها. كانت قد اشترته من نفس المتجر، بحجة أنه "يكشف البقع غير المرئية" من أجل تنظيف السجاد. ضغطت على الزر، وانبعث منه ضوء أزرق خافت. وجهته نحو الأرض المغطاة بالمسحوق أمام الجدار.

تجمدت في مكانها. للحظة، توقف قلبها عن النبض.

لم تكن هناك مجموعة واحدة من آثار الأقدام. كانت هناك مجموعتان واضحتان تحت الضوء الأزرق. مجموعة من الآثار الخفيفة والمجزأة، تتجه من الجدار إلى الداخل، كأن شخصاً ما قد خرج بحذر. ومجموعة أخرى أحدث، وأكثر وضوحاً، تتجه من الداخل إلى الجدار ثم تعود مرة أخرى. لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقها هو أن المجموعة الأحدث كانت تتطابق تماماً، وبشكل لا يقبل الشك، مع شكل حذاء "سارة" الرياضي ذي النعل المميز الذي ترتديه الآن.

لقد كانت هنا من قبل. مؤخراً. هذه "المغامرة" لم تكن استكشافاً، بل كانت عودة إلى مسرح جريمة.

"وجدتها!" صرخت "سارة" بانتصار، قاطعة صمت "ليان" المذهول. ضغطت على حجر مخفي في الظل تحت صندوق، وسمعوا صوت احتكاك ثقيل، صوت حجر يطحن على حجر. بدأ جزء من الجدار يتراجع ببطء إلى الداخل، كاشفاً عن ممر مظلم وبارد تنبعث منه رائحة عفن أعمق.

"يا إلهي... لقد نجح الأمر!" قالت "سارة"، والتفتت إلى "ليان" بابتسامة عريضة، وعيناها تلمعان بضوء المصباح. "ألم أقل لكِ؟ ستكون مغامرة!"

لكن "ليان" لم تكن تبتسم. كانت تحدق في صديقتها، وفي عينيها نظرة جديدة، نظرة باردة كبرودة حجر القبو. لقد سقط القناع الأخير. "نعم. لقد نجح الأمر".

شعرت "سارة" بالبرود القاطع في نبرة "ليان". تلاشت ابتسامتها تدريجياً. "ما بكِ؟ ألا تشعرين بالحماس؟ لقد اكتشفنا للتو ممراً سرياً!"

"متى كانت آخر مرة كنتِ فيها هنا يا سارة؟"

سألت "ليان" مباشرة، وصوتها هادئ بشكل مخيف، هدوء ما قبل العاصفة.

ارتبكت "سارة". كان ارتباكاً حقيقياً هذه المرة، ارتباك شخص تم القبض عليه متلبساً. "ماذا... ماذا تقصدين؟ لم أكن هنا من قبل. هذه هي المرة الأولى لنا معاً".

"حقاً؟" قالت "ليان"، وهي ترفع يدها ببطء، وتوجه ضوء الأشعة فوق البنفسجية إلى الأرض عند قدمي "سارة"، كاشفة عن آثار حذائها المتوهجة باللون الأزرق السماوي. "لأن حذاءكِ يروي قصة مختلفة تماماً".

اتسعت عينا "سارة". نظرت إلى الأرض، ثم إلى "ليان"، وفقدت رباطة جأشها تماماً لأول مرة منذ أن عرفتها. لم تكن هناك ضحكة متوترة هذه المرة. لم يكن هناك عذر جاهز. كان هناك فقط صمت ثقيل وصادم، صمت يعترف بكل شيء دون أن ينطق بكلمة.

"ليان، أنا... أستطيع أن أشرح"، بدأت "سارة"، وصوتها يرتجف.

"من أنتِ حقاً يا سارة؟" قالت "ليان"، وشعرت بقلبها ينكسر مع كل كلمة، كأنه قطعة زجاج تتشقق ببطء. "كل هذه السنوات... صداقتنا... هل كانت كلها كذبة؟ هل كنتِ تراقبينني طوال هذا الوقت؟"

قبل أن تتمكن "سارة" من الإجابة، سمعوا صوتاً من عمق النفق المظلم. صوت خطوات ثقيلة، صوت احتكاك معدن بحجر، تقترب بسرعة.

تغير وجه "سارة" في لحظة. اختفى الارتباك والخوف، وحل محله تصميم فولاذي بارد. أمسكت بذراع "ليان" بقوة مدهشة، قوة لم تكن "ليان" تعلم أنها تمتلكها. "ليس لدينا وقت لهذا. علينا أن نذهب. الآن!"

"لن أذهب إلى أي مكان معكِ!" صرخت "ليان"، محاولة تحرير ذراعها، وشعور الخيانة يحرقها من الداخل.

"أنتِ لا تفهمين!" قالت "سارة" بصرامة، وعيناها مثبتتان على فتحة النفق المظلمة. "أنا لست عدوكِ! أنا أحاول حمايتكِ!"

في تلك اللحظة، ظهر شخصان عند مدخل النفق. كانا يرتديان ملابس قتالية سوداء معززة بدروع خفيفة، وأقنعة معدنية تغطي وجهيهما بالكامل، ولا تظهر سوى عيون باردة. لم يكونا من "لومينا". كان شعارهما مختلفاً، شعاراً لم تره "ليان" من قبل: جمجمة فضية تتوسطها ساعة رملية منقوشة على درع الصدر.

"لقد وجدناها"، قال أحدهما بصوت معدني مشوه إلكترونياً. "الهدف مؤكد".

لم تتردد "سارة". دفعت "ليان" خلفها بقوة، واتخذت وضعية قتالية منخفضة. "اهربي، ليان! اذهبي إلى السطح واخرجي من المنزل! لا تنظري خلفكِ!"

"لكن..."

"الآن!" صرخت "سارة"، وفي صوتها أمر لا يقبل الجدال، أمر قائد وليس صديقة.

لكن "ليان" لم تتحرك. شيء ما بداخلها، ربما صوت "ليليث" الذي يهمس بالتمرد، أو ربما غريزتها الخاصة، رفض ترك "سارة" وحدها، بغض النظر عن أكاذيبها. شعرت بدفقة من الطاقة الباردة تتدفق في عروقها، طاقة غاضبة ومتمردة.

عندما اندفع أحد المقنعين نحو "سارة"، مدت "ليان" يدها بشكل غريزي. لم تكن تعرف ماذا تفعل، لكنها أرادت فقط إيقافه، أرادت أن يتوقف كل شيء.

وفجأة، انفجرت المصابيح الكهربائية العارية في سقف القبو، وأطلقت زخات من الشرر الساخن. اهتزت الأرفف الخشبية بعنف، وسقطت الجرار الزجاجية القديمة التي تحتوي على مربى منسي وتحطمت على الأرض، ناشرة رائحة فاكهة متعفنة. اندفعت موجة من القوة غير المرئية من يد "ليان"، قوة محسوسة كضغط هواء مفاجئ، وألقت بالرجل المهاجم إلى الوراء كما لو كان دمية من القماش، ليصطدم بالجدار بقوة ويسقط فاقداً للوعي.

وقف الجميع في حالة صدمة للحظة. الرجل المقنع الآخر، "سارة"، وحتى "ليان" نفسها. كانت تحدق في يدها الممدودة، وأصابعها ترتجف، غير مصدقة لما فعلته للتو.

استغل الرجل الثاني المفاجأة، وتجاهل "سارة" التي كانت لا تزال في حالة ذهول، واندفع مباشرة نحو "ليان"، الهدف الأهم. لكن قبل أن يصل إليها، ظهر ظل من العدم، قاطعاً طريقه.

كان "كاي".

تحرك بسرعة لا تصدق، كأنه جزء من الظلال نفسها. اعترض طريق الرجل المقنع. لم تكن معركة، بل كانت استعراضاً للكفاءة القاتلة. في ثلاث حركات سريعة ومتقنة، قام "كاي" بكسر دفاع المهاجم، ونزع سلاحه الذي كان مسدساً عالي التقنية، وشل حركته بضربة دقيقة وموجعة على عنقه، مما جعله ينهار بجانب رفيقه دون صوت.

ساد الصمت مرة أخرى، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهم المتقطعة ورائحة الأوزون الخفيفة التي خلفتها موجة طاقة "ليان".

وقف "كاي" فوق الجثتين، ثم التفت ببطء. لم تكن عيناه موجهتين إلى "ليان"، بل إلى "سارة"، التي كانت قد استعادت توازنها وتقف في وضع حذر.

"لقد تأخرتِ يا 'ظل'"، قال "كاي" بصوت بارد كالثلج، صوت لا يحمل أي أثر للرجل المتعاطف الذي تحدث مع "ليان" في وقت سابق. "كنت أتوقع وصولكِ قبل هذا".

نظرت "سارة" إليه، وقد اختفت كل آثار الصداقة من وجهها، وحل محلها قناع من الحذر المهني والعدائية المكتومة. "وأنت أيضاً يا 'شاهد'"، ردت بنفس البرود. "يبدو أننا جميعاً لدينا اهتمام بالقطعة الأثرية".

نظرت "ليان" بينهما، بين صديقتها التي لم تعد تعرفها، والرجل الغامض الذي أنقذها للتو. "ظل؟" "شاهد؟" "قطعة أثرية؟" هل كانوا يتحدثون عنها كأنها شيء، وليس شخصاً؟

كان عقلها يدور في دوامة من الفوضى. لقد كشفت كذبة صديقتها، وأطلقت العنان لقوة لم تكن تعرف أنها تمتلكها، واكتشفت أن هناك طرفاً ثالثاً في هذه اللعبة المميتة، طرفاً لا ينتمي إلى "لومينا".

لقد دخلت القبو وهي تبحث عن الحقيقة، لكنها لم تجد سوى المزيد من الأكاذيب، والمزيد من الأسئلة، وإدراك مرعب بأنها ليست مجرد فتاة مطاردة.

إنها الجائزة في حرب خفية لا تفهم قواعدها، حرب تدور رحاها في قبو منزل جدتها.

...............................................................................................

ما رأيكم في الفصل هل اعجبكم !

لا تنسوا التفاعل

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الزجاج الازرق

المؤلف Elysia
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة