"أخطر الأشباح ليست تلك التي تسكن البيوت، بل تلك التي تسكن الذاكرة، وتصر على أن ما عشناه لم يكن الحقيقة."
............................................................
كانت ليلة لا تشبه أي ليلة أخرى في حياة "ليان". النوم لم يكن خياراً. كلما أغمضت عينيها، كانت كلمة "ليليث" تتوهج خلف جفونها كجمرة مشتعلة، وكان همسها الأخير "لقد تأخرتِ كثيراً... يا أنا يتردد في جمجمتها كصدى لا نهائي. جلست على حافة سريرها حتى بزوغ خيوط الفجر الأولى، تحدق في الصندوق الخشبي الذي أصبح الآن بمثابة صندوق "باندورا" الخاص بها؛ صندوق يحتوي على كل آلام عالمها التي لم تكن تعرف بوجودها.
عندما تسلل ضوء الصباح الرمادي إلى غرفتها، شعرت بإرهاق يمتد إلى ما هو أبعد من جسدها؛ كان إرهاقاً في روحها. كيف يفترض بها أن تبدأ يوماً جديداً وكأن شيئاً لم يكن، بينما عالمها كله قد تحطم إلى شظايا في الليلة السابقة؟ لديها أخت توأم. أخت توأم "مفقودة". هذه الحقيقة كانت ثقيلة جداً، ثقيلة لدرجة أنها كانت تشعر بصعوبة في التنفس.
نزلت إلى الطابق السفلي، متوقعة أن تجد جدتها في المطبخ. لكن الكرسي كان فارغاً. وجدت ورقة صغيرة مطوية بعناية على الطاولة.
"عزيزتي ليان، اضطررت للخروج باكراً لأمر طارئ. هناك بعض الفطائر في الثلاجة. أراكِ في المساء. أحبكِ."
شعرت "ليان" بخليط من الراحة وخيبة الأمل. الراحة، لأنها لم تكن مستعدة لمواجهة جدتها ونظراتها الحزينة المليئة بالأسرار. وخيبة الأمل، لأنها كانت تريد أن تصرخ، أن تطالب بإجابات، أن تفهم كيف يمكن لشخص أن يخفي حقيقة بهذا الحجم طوال سبعة عشر عاماً. "أمر طارئ". كانت متأكدة أن هذا "الأمر الطارئ" له علاقة بما حدث بالأمس. هل ذهبت الجدة لتمحو المزيد من الأدلة؟ أم أنها هربت من المواجهة؟
أجبرت نفسها على تناول قطعة من الفطائر، لكن طعمها كان كالغبار في فمها. ارتدت ملابسها للمدرسة بشكل آلي، ووضعت الصورة والمفتاح في جيب سري داخل حقيبتها. لم تكن تستطيع تركهما. كانا الدليل الوحيد على أن ما حدث لم يكن مجرد كابوس.
في المدرسة، كان كل شيء يبدو سريالياً. كانت ترى الطلاب يضحكون، يتحدثون عن اختبار الرياضيات القادم أو عن خططهم لعطلة نهاية الأسبوع، وشعرت وكأنها تراقبهم من خلف جدار زجاجي سميك. كيف يمكن لحياتهم أن تكون بهذه البساطة والطبيعية، بينما حياتها قد انقلبت رأساً على عقب؟
"تبدين أسوأ من الأمس"، قالت "سارة" وهي تجلس بجانبها في حصة التاريخ، وصوتها مليء بالقلق. "هل تحدثتِ مع جدتكِ؟"
أومأت "ليان" برأسها، ولم تجرؤ على النظر في عيني صديقتها. "نعم. لقد... لقد أخبرتني".
"أخبرتكِ بماذا؟"
"سارة، لا أستطيع هنا"، همست "ليان"، وشعرت بالكلمات تعلق في حلقها. "إنه... إنه أسوأ بكثير مما تخيلنا".
نظرت "سارة" حولها، ورأت نظرات "ليان" المذعورة. "حسناً. بعد المدرسة، نذهب مباشرة إلى المقهى. ولن أقبل أي أعذار".
مرت بقية الحصص في ضباب من التوتر. كلما حاولت التركيز على ما يقوله المعلم، كان اسم "ليليث" يظهر في رأسها. ليليث. أختها. توأمها. هل كانت تشبهها؟ هل كانت تحب نفس الأشياء؟ هل كانت على قيد الحياة؟
بعد المدرسة، وكما وعدت، سحبت "سارة" "ليان" من يدها واتجهتا نحو مقهى "الزاوية الهادئة". لم يكن وقت نوبة عمل "ليان" بعد، لذلك اختارتا طاولة في أبعد زاوية، بعيداً عن الأنظار.
"والآن، تكلمي"، قالت "سارة" بنبرة لا تقبل الجدال.
أخذت "ليان" نفساً عميقاً، وبدأت في سرد ما حدث. أخبرتها عن مواجهتها للجدة، عن الدموع، عن الاعتراف الصادم.
"لدي... كان لدي أخت توأم. اسمها ليليث"، قالت "ليان" أخيراً، وشعرت وكأنها بنطقها للاسم، قد جعلته حقيقياً بشكل لا رجعة فيه.
اتسعت عينا "سارة" في صدمة تامة. فتحت فمها لتتكلم، ثم أغلقته مرة أخرى. لعدة ثوانٍ، لم تقل شيئاً، فقط كانت تحدق في صديقتها.
"توأم؟"، قالت أخيراً بصوت خافت. "ليان، هذا... هذا جنون. كيف يمكن...؟ لماذا لم يخبركِ أحد؟"
"هذا ما لا أفهمه. جدتي قالت إننا 'فقدناها' في نفس يوم الحادث. لكنها لم تشرح ماذا يعني ذلك. هل ماتت؟ هل ضاعت؟ هل... هل تم التخلي عنها؟"، قالت "ليان"، وصوتها بدأ يرتجف.
"والهمس الذي سمعتِه..."، قالت "سارة" بتردد. "هل أنتِ متأكدة أنه كان حقيقياً؟"
"أنا متأكدة يا سارة. لقد كان واضحاً كصوتكِ الآن. كان صوتي أنا، لكنه لم يكن صوتي. كان مليئاً بالألم".
جلست الصديقتان في صمت، كل منهما غارقة في أفكارها. الصدمة كانت كبيرة جداً، حتى على "سارة" التي كانت دائماً قوية وعقلانية.
"حسناً"، قالت "سارة" أخيراً، ونبرتها عادت إليها بعض من حزمها. "هناك الكثير من الأسرار هنا. والواضح أن جدتكِ لن تخبركِ بكل شيء بسهولة. علينا أن نبحث بأنفسنا".
"نبحث؟ نبحث عن ماذا؟ وأين؟"، سألت "ليان" بيأس.
"المنزل في الصورة. هذا هو المكان الذي بدأ فيه كل شيء، أليس كذلك؟ يجب أن يكون هناك أي دليل، أي سجل، أي شيء يقودنا إليه. ربما يمكننا البحث في السجلات العامة القديمة، أو خرائط المقاطعة".
فكرة أن تفعل شيئاً، أن تبحث بنشاط بدلاً من الجلوس وانتظار الحقيقة، أعطت "ليان" بصيصاً من الأمل.
"والمفتاح"، أضافت "ليان" وهي تخرجه من حقيبتها وتضعه على الطاولة. "هذا المفتاح يفتح باباً في ذلك المنزل. أنا متأكدة من ذلك".
نظرت "سارة" إلى المفتاح الأسود الثقيل. "هذا المفتاح يبدو وكأنه خرج من قصة رعب. لكنكِ على حق. إنه دليلنا الأهم".
في تلك اللحظة، رن هاتف "ليان". كان تذكيراً بأن نوبة عملها ستبدأ بعد عشر دقائق.
"عليّ أن أذهب"، قالت وهي تعيد المفتاح إلى حقيبتها.
"سأبقى هنا وأبدأ البحث على الإنترنت. سأنتظركِ حتى تنتهي"، قالت "سارة" بتصميم.
بدأت "ليان" عملها، لكن عقلها كان مع "سارة" ومع البحث. وبينما كانت تحضر طلبية قهوة، وقعت عيناها مرة أخرى على الزاوية المعتمة في المقهى.
كان فارغاً. لم يكن الرجل الغامض موجوداً اليوم. شعرت بارتياح غريب، لكن جزءاً منها كان يشعر بخيبة أمل. هل كان مجرد وهم؟ أم أنه كان شخصاً حقيقياً يعرف شيئاً ما؟
مرت الساعات ببطء شديد. وفي حوالي الساعة السادسة مساءً، دخلت مجموعة من المراهقين إلى المقهى، يضحكون بصوت عالٍ ويتصرفون بوقاحة. كانوا من النوع الذي يجد متعة في إزعاج العاملين والزبائن الآخرين.
"يا آنسة! قهوتي باردة!"، صرخ أحدهم، على الرغم من أن "ليان" كانت قد قدمتها له قبل دقيقة واحدة فقط.
"سأحضر لك واحدة أخرى حالاً"، قالت "ليان" بصبر، محاولة تجاهل سخريته.
وبينما كانت تستدير، تعثرت في قدم أحدهم التي مدها عمداً في طريقها. سقطت الصينية من يدها، وتناثرت أكواب القهوة على الأرض، محدثة ضجة كبيرة.
انفجر المراهقون في الضحك.
شعرت "ليان" بالدم يغلي في عروقها، وشعرت بالإهانة تملأ عينيها بالدموع. وقفت على قدميها، ويداها ترتجفان من الغضب.
"ما مشكلتكم؟"، قالت بصوت عالٍ.
"مشكلتنا هي أنكِ خرقاء"، قال الشاب الذي تعثرت بقدمه، وابتسامة متكبرة على وجهه.
في تلك اللحظة، حدث شيء غريب.
تغير الهواء في المقهى. أصبح بارداً فجأة، بارداً بشكل غير طبيعي. وميضت الأضواء فوق رؤوسهم مرة، ثم مرتين.
تجمدت الابتسامة على وجه الشاب. نظر حوله بارتباك.
ثم، سمع الجميع صوتاً. لم يكن صوتاً عالياً، بل كان صريراً خافتاً، قادماً من ناحية النافذة الكبيرة للمقهى.
نظر الجميع نحو النافذة. وعلى الزجاج، ظهر شرخ صغير. شرخ رفيع كخيط العنكبوت، بدأ يزحف ببطء إلى الأعلى.
"ما هذا بحق الجحيم؟"، همس أحد المراهقين، والضحك قد اختفى تماماً من وجوههم.
شعرت "ليان" بالصوت يهمس في رأسها مرة أخرى، لكن هذه المرة، كان الهمس مليئاً بالغضب البارد.
"لا أحد... يؤذيكِ بوجودي."
توقف الشرخ عن الزحف فجأة. وساد صمت مطبق في المقهى. نظر المراهقون إلى بعضهم البعض في خوف، ثم جمعوا أغراضهم وغادروا بسرعة دون أن ينطقوا بكلمة أخرى.
وقفت "ليان" متجمدة في مكانها، تحدق في الشرخ الصغير على النافذة. لقد حدث بسببها. أو بالأحرى، بسبب "ليليث". هل كانت "ليليث" تحميها؟ أم أن هذا كان استعراضاً للقوة؟ هل يجب أن تشعر بالأمان أم بالرعب؟
عندما انتهت نوبتها، وخرجت لتجد "سارة" لا تزال تنتظرها، كانت "ليان" شاحبة ومضطربة.
"لقد وجدت شيئاً"، قالت "سارة" بحماس، غير مدركة لما حدث للتو. "هناك سجلات قديمة لممتلكات تم بيعها في مزاد علني بعد حريق كبير في المنطقة الشمالية قبل حوالي عشرين عاماً. هناك منزل واحد فقط في القائمة يطابق الوصف القوطي، وكان مملوكاً لعائلة... عائلة "دي لاغرانج". هل هذا الاسم يعني لكِ شيئاً؟"
هزت "ليان" رأسها. "لا. لم أسمع به من قبل".
"حسناً، هذا ليس كل شيء. السجلات تقول إن المنزل كان يعتبر مسكوناً، وأن العائلة كانت معروفة بغرابة أطوارها وباهتمامها بالظواهر الخارقة. وبعد الحريق، اختفى آخر فرد من العائلة، ولم يره أحد بعد ذلك".
"ليان؟ هل تسمعينني؟"، سألت "سارة" وهي تلاحظ أن صديقتها تحدق في الفراغ.
"لقد حدث شيء ما في المقهى"، قالت "ليان" بصوت خافت، ثم أخبرت "سارة" عن المراهقين، وعن البرودة المفاجئة، وعن الشرخ الذي ظهر على الزجاج، وعن الهمس الذي سمعته.
استمعت "سارة" بصمت، وعيناها متسعتان في رعب. "يا إلهي، ليان. هذا... هذا حقيقي. هي ليست مجرد ذكرى. إنها هنا، بطريقة ما. وهي... قوية".
عادتا إلى المنزل في صمت، كل منهما تفكر في معنى هذا الاكتشاف. "ليليث" لم تكن مجرد أخت مفقودة. كانت كياناً يملك قوة غامضة، قوة قادرة على التأثير على العالم المادي.
عندما دخلتا المنزل، وجدتا الجدة قد عادت. كانت تجلس في غرفة المعيشة، لكنها لم تكن تشاهد التلفاز. كانت تحدق في الحائط الفارغ، ويداها متشابكتان في حجرها بقوة.
"جدتي؟"، قالت "ليان" بتردد.
رفعت الجدة رأسها، ونظرت إليهما. كان وجهها متعباً ومهزوماً.
"أين كنتِ؟"، سألت "ليان".
"ذهبت لأرى صديقة قديمة"، قالت الجدة، لكن عينيها كانتا تقولان إنها تكذب. "هل كان يومكِ جيداً في المدرسة؟"
نظرت "ليان" إلى "سارة"، ثم عادت ونظرت إلى جدتها. لم يعد هناك مجال للكذب أو التظاهر.
"وجدنا المنزل"، قالت "ليان" بهدوء. "منزل عائلة دي لاغرانج".
عند سماع الاسم، جفلت الجدة بشكل واضح، وظهر تعبير من الصدمة والخوف على وجهها.
"كيف...؟"
"لا يهم كيف"، قاطعتها "ليان"، وشعرت بجرأة لم تشعر بها من قبل. "أريد أن أعرف الحقيقة. كل الحقيقة. من هي هذه العائلة؟ وما علاقتنا بها؟ ولماذا كذبتِ بشأن كل شيء؟"
وقفت الجدة على قدميها، ويداها ترتجفان. "هناك أشياء لا يجب أن تعرفيها يا ليان. أشياء خطيرة. أنا أحاول حمايتكِ".
"حمايتي؟"، صرخت "ليان"، وفقدت السيطرة على أعصابها. "لقد كذبتِ عليّ طوال حياتي! لقد تركتني أعيش في الظلام بينما أختي... أختي... لا أعرف حتى ماذا حدث لها! هل هذه هي حمايتكِ؟"
في تلك اللحظة، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
اهتز المنزل بأكمله. ليس اهتزازاً قوياً، بل كان هزة خفيفة لكنها عميقة، كأن الأرض تحتهم قد تنهدت. سقط كتاب من على الرف. وتأرجحت الثريا في السقف.
نظرت النساء الثلاث إلى بعضهن البعض في رعب.
ثم، من الطابق العلوي، من اتجاه غرفة "ليان"، سمعن صوتاً.
صوت صرير باب يُفتح ببطء شديد.
لكن "ليان" كانت متأكدة بشكل مطلق، أنها أغلقت باب غرفتها بإحكام عندما غادرت في الصباح.
هل القوة التي حركت الأشياء كانت غضب "ليان" المكبوت، أم أنها كانت قوة "ليليث" تدافع عنها مرة أخرى؟
عائلة "دي لاغرانج"... ما هو سرها؟ وهل اسم عائلة "ليان" الحقيقي مختلف عما تعرفه؟
الجدة تدعي أنها تحميها، لكن هل هي تحميها من الحقيقة، أم أنها تحمي الحقيقة منها؟
والباب الذي فُتح في الطابق العلوي... هل هو مجرد باب غرفة، أم أنه باب آخر قد فُتح على عالم الظلال، دعوة لما هو قادم؟
مارأيكم
لا تنسوا المتابعة علي الانستجرام 👇
Elysi.a88
Elysia