ابحث عني في ذاكرتك

ابحث عني في ذاكرتك

23 0

كلّ ما حدث لم يكن سوى البداية…

غير أنّ الحقيقة القادمة قد تغيّر كلّ شيء، حتى ريلا نفسها.

عند الساعة الثالثة وثلاث وثلاثين دقيقة فجرًا، استفاقت ريلا وهي ممدّدة في حديقة مهجورة.

لم تشعر بالذعر في البداية؛ فقد اعتادت أن تستيقظ في أماكن لا تنتمي إليها، وظنّت أنّه حلم آخر من تلك الأحلام التي لا تنتهي.

نهضت ببطء، تتفقّد المكان.

كان الضباب كثيفًا، والهواء باردًا كأنّه يخرج من صدر ميت.

في منتصف الحديقة، وقفت شجرة ضخمة، جذعها نابض كقلب حيّ، وأوراقها… لم تكن أوراقًا.

كانت عيونًا.

عيون مفتوحة، تراقبها، تومض ببطء.

اقتربت ريلا خطوة… ثم خطوة أخرى.

وفجأة، انسلّ إلى أذنها همس خافت:

«انزعي ورقة… ودعي الذكرى تموت.»

تراجعت مذعورة، وقلبها يخفق بعنف.

لكن الصوت عاد، هذه المرّة صارخًا، حادًا، كأنّه يخرج من داخل رأسها:

«ألا تريدين الخروج من هذا الجحيم؟!»

أدركت أنّه فخ.

ومع ذلك… اقتربت.

مدّت يدها، نزعت ورقة واحدة.

في اللحظة ذاتها، شعرت بشيءٍ يُنتزع منها، كأنّ جزءًا من روحها قد تمزّق فجأة.

صرخت بكلّ ما تبقّى فيها من قوّة، وسقطت أرضًا، قابضة على رأسها، فيما صرخات غير بشريّة كانت تتفجّر من صدرها.

كانت تبكي، تتلوّى، تنظر حولها بلا وعي.

«ضِل… أين أنت؟»

كرّرت اسمه مرارًا، بصوتٍ مكسور، متوسّل.

أنزلت يدها عن رأسها، فرأت الدماء تغمر أصابعها.

بكت أكثر، تتمنّى ظهوره، تتشبّث بالأمل الأخير.

لكنّه لم يأتِ.

بصعوبة بالغة، وصلت إلى القصر.

وفي الصباح، وقفت أمام المرآة، فرأت ضمادة تلفّ رأسها.

استدارت… لتجد على جدار غرفتها رسالة مكتوبة بخطّ مألوف:

«ليس دائمًا أستطيع إنقاذك.

عليكِ أن تتعلّمي وحدك.»

انهارت.

للمرّة الأولى… شعرت بالوحدة الحقيقية.

خرجت من غرفتها، لتتفاجأ بفتاة كانت معها في الصفّ يومًا.

اتّسعت عيناها، وركضت نحوها.

«ميسا!»

حدّقت بها ميسا بذهول، ثمّ اندفعت تعانقها بقوّة.

«لم أتوقّع أن أجد شخصًا أعرفه هنا… أنا أصلًا لا أتذكّر الآخرين.»

تنفّست ريلا بعمق، وفكّت العناق قليلًا.

«يا للأسف… هل حُبستِ هنا؟»

ربّتت على كتفها بحزن؛ لم تتمنَّ يومًا أن ترى صديقة لها في هذا الخطر.

غمزت ميسا بخفّة وقالت: «رأيتك تخرجين من القصر… هل… هل لديكِ أحد تهتمّين لأجله؟»

رفعت ريلا حاجبيها وضحكت بخفوت. «لا أملك حتى وقتًا للخروج. أظنّ أنّ ضِلّ الآن… سيعيدني من شعري إلى الداخل.»

ضحكت ميسا بخجل.

فهمت ريلا ما تريد قوله. تنهدت، أمسكت وجهها بكلتا يديها. «أفهمكِ. هل تريدين المبيت عندي لأنّك خائفة؟»

هزّت ميسا رأسها موافقة.

ابتسمت ريلا وأمسكت يدها. «ضِلّ لن يرفض… وإن فعل، سألكمه.»

دخلتا القصر.

كان آيدن يراقبهما من بعيد، وحدّق طويلًا في ميسا.

كانت جميلة على نحو لافت، صاحبة المركز الثاني في مسابقة أجمل فتاة في المدرسة، بينما كانت ريلا الأولى… ومع ذلك، انجذب نظره إلى ميسا.

لاحظت ريلا تعبها، فأدخلتها غرفتها لتنام.

غفت ميسا سريعًا.

جلست ريلا تحدّق بها، تبتسم بحنين… إلى أن سمعتها تتمتم أثناء نومها:

«هي ترَاكِ… لكنها لا تستطيع لمسَكِ لأنّ ضِلّ يراقبك.»

حاولت ريلا إيقاظها، لكن ميسا صرخت فجأة: «أنتِ لستِ ريلا… أنتِ خطأ!»

تجمّدت ريلا رعبًا.

استيقظت ميسا ببطء، أخفت وجهها بيدها وقالت بصوت مرتجف: «آسفة… لم أقصد. أنا أتصرف بجنون منذ أن جئت إلى هنا.»

مسحت ريلا دمعتها، واحتضنتها. «لا تخافي… أنا أشعر بكِ.»

لكن آيدن دخل فجأة.

«ريلا!»

«ماذا؟»

«ذاكرة جديدة.»

«لكن ضِلّ لم—»

لم تُكمل.

سُحبت إلى الذاكرة.

1

استيقظت ريلا… بهيئة لين.

كانت مستلقية على سرير حديدي صدئ، فوقها سقف مائل تتدلّى منه مصباحة تتأرجح بلا ضوء، تصدر صريرًا مرعبًا.

الجدران مشقّقة، والطلاء يتقشّر على هيئة وجوه تصرخ.

نهضت.

لا نوافذ. لا أبواب.

همست: «أين أنا؟»

ظهر على الجدار خط دموي كُتب وحده: «أنتِ هنا… لأنّك نسيتِ من تكونين.»

بدأت الأصوات تنتشر.

خطوات فوق السقف.

صراخ بعيد.

بكاء طفل من تحت الأرض.

كلّما تحرّكت، ضاقت الجدران.

المرايا تُظهر صورًا مشوّهة لها، تبتسم وتهمس: «ارجعي للماضي.»

في غرفة، دمية قديمة تهمس: «منزل بلا أبواب… يعني أنّ الهروب مستحيل.»

حين حاولت كسر الجدار، نزف.

في غرفة الطعام، طاولة لا تنتهي.

حولها… نسخها القديمة.

الطفلة.

الطالبة.

المحترقة.

التي بلا وجه.

قالوا بصوت واحد: «من منّا الحقيقيّة؟»

سقطت، وسقطت معها الأرض.

مرآة ضخمة… تعكس أمّها.

قالت: «ليس كلّ باب يؤدّي للهروب… بعضُها يعيدكِ إلى نفسك.»

ثم الظلام.

عادت ريلا.

لا ضِلّ.

«المنزل ما زال هنا… داخلك.»

استيقظت باكية.

احتضنها آيدن… لا ضِلّ.

رأته خلف الباب.

قال ببرود: «يسعدني أنّك بخير.»

وفي المرآة الأخيرة…

كُتبت العبارة:

«أنتِ لستِ أنتِ… أنتِ أنا.»

وفي الليل، زحفت في ممرّ ضيّق كالقبر…

شيء يزحف خلفها، يهمس باسمها.

ثم… انطفأ كلّ شيء.

انتهى

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضوء من حيث لا يفترض ان يكون

المؤلف larse★
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة