كل شيء غامض

كل شيء غامض

20 0

كنت أمشي في ممر طويل مرصوف بالمرايا، لا أعلم كيف وصلتُ إليه. قدماي تتحركان دون وعي، والهواء باردٌ يلسع وجهي. المرايا على الجدران لا تعكسني فقط، بل تعكسني بطرق مختلفة… في واحدة كنت أبكي، في أخرى أضحك بجنون، وفي ثالثة لا وجه لي أصلًا.

شعرت بوجود خلفي. التفتُّ، فوجدت فتاةً تشبهني تمامًا… شعرها أبيض، وملامحها خالية من أي دفء. قالت بهدوء مخيف

"الوقت انتهى، ريلا."

صوتها اخترق صدري كأنه مألوف… بل هو صوتي، لكنه ميت. ابتسمت دون أن تبتسم عينيها

"أنا ريلا الحقيقية. أنتِ مجرد شظايا وُلدت من كابوس طويل."

شعرت أن الأرض تميد بي، وقبل أن أفتح فمي لأرد، اهتزّ الممر بعنف. انفجار صامت مزّق الجدران، وفتحت بوابة سوداء خلف إحدى المرايا، كأن الظلام ذاته انحنى ودعاني للدخول. حاولت التراجع، لكن قوة لا تُرى سحبتني بقسوة إلى الداخل.

سقطت على أرض رمادية متشققة. السماء فوقي كانت تمطر شررًا، ظلال مشوّهة تتحرك على البعد، تركض نحوي، تصرخ بصوتٍ مجروح

"أعيدي الذاكرة للماضي… أعيديها!"

ركضت، دون أن أعرف إلى أين، إلى أن توقفت أمام باب معدني نُقش عليه وجهي… لكن بعينين مقلوبتين. دخلت.

كانت الغرفة مظلمة، تضيئها شموع زرقاء غريبة، وفي منتصفها مرآة دائرية محاطة بالسلاسل. اقتربت، لأجد نفسي… مجددًا. لكن هذه لم تكن أنا. هذه كانت نسخة سوداء مني، شعرها متفحم، وعيناها لا تشبهان البشر. قالت بسخرية

"هل تظنين أنك الضحية؟ أنا من دفنتُ والدتك. أنا من همست في أذن الطفلة أن تفتح الباب. أنا من منح الكيانات مفاتيحك. أنا أنتِ."

شعرت بأنفاسي تختنق، ركضت نحوها لأكسر المرآة، لكنها ضحكت واختفت… والمرآة بدأت تمتصني. صرخت باسم رايين. دائمًا يظهر حين أكون على شفا الانهيار

وظهر. يده سحبتني من الظلام، حضنني بقوة، وهمس لي

"أنتِ لستِ وحدك… حتى وإن كان كل شيء حولك كذبة، فوجودي معك حقيقة."

هل انت صادق يا رايين؟ ارجوك لا تكذب علي... ارجوك لا تصدقها، انا هيه الحقيقيه... وإلا لما عشت طوال هذه الفتره...

فتحت عينيّ ووجدت نفسي عائدة إلى غرفتي، أنفاسي متقطعة، وقلبي ينبض بقوة. لكني الآن لا أعلم… ربما هذا القصر لا يخيفني لأنه غريب… بل لأنه يُشبهني، دائما اشعر به يتنفس... ولاكن انسا الأمر سريعا... لا اريد ان اجن.

حين ظننت أنني وصلت إلى ذروة الفوضى… فتح لي القصر بابًا جديدًا. لا، لم يكن بابًا حقيقيًا. لم يكن مصنوعًا من خشب أو حديد، بل من ضوءٍ أصفر باهت، كأن الشمس نفسها وُضعت في قلب هذا الظلام، وقررت أن تفتح لي جرحًا لا يُغلق

دخلت.، كان المكان بلا جدران. مجرّد فراغ، يمتد بلا نهاية، تتطاير فيه قطع من ذكريات لا تخصّني، لكنها تؤلمني. فتاة تُصفع، صبي يختبئ خلف كنبة ممزقة، يد ترتجف وهي تمسح دمًا عن وجه أم تبكي

كنت أريد أن أصرخ

"هذه ليست لي! لستُ أنا!"

لكن صوتًا داخليًا قال

"بل أنتِ، أكثر مما تعلمين."

تقدمت. في وسط الفراغ، وقف رايين. لم ينظر لي. كان ينظر لطفل صغير يجلس أمامه. الطفل كان يبكي، ورايين يهمس له

"أنا آسف. لم أستطع حمايتك."

تقدمت أكثر… ورأيت وجه الطفل. كان رايين.

تجمدت. كأنني اقتحمت شيئًا لم يُخلق ليُرى. كأنني دخلت حكاية ليست من حقي. لكنه نظر لي فجأة، وقال

"اقتربي، أنتِ هنا الآن."

اقتربت، وجلست بجانبه. نظر للطفل، وقال لي

"هذا أنا. وهذا… هو ما حاولت نسيانه طوال حياتي."

قالها بصوتٍ مكسور، ثم اختفى الطفل.

بقينا وحدنا.

قال لي

"القصر لا يظهر لكِ إلا ما يحتفظ به داخلك. حتى لو لم تعرفيه." سألته

"وهذا المكان؟"

قال: "هذا أنتِ، أيضًا."

كنت سأرد، لكن فجأة… كل شيء انقلب.

الأرض أصبحت مرآة.

رأيت نفسي. لا كما أنا الآن، بل كما كنت.

في الرابعه من عمري، أجري بين الأشجار، أضحك… قبل أن تتغير حياتي. ثم تتبدل الصورة، وأراني في السادسه، أصرخ، أحاول تكسير باب غرفة مغلقة. ثم في السابعه، أحدهم يضع يده على فمي، وأنا أحاول الهرب

صرخت:

"توقف! لا أريد هذا!" لكن المرايا كانت تكرر المشاهد، وتزيدها وضوحًا.

كان رايين ينظر إليّ… لا يقول شيئًا. أردت أن أكرهه. أردت أن أركض. لكني بقيت

قال لي: "إن لم تواجهي ماضيك، لن تخرجي من هذا المكان أبدًا."

لم أجب. كل شيء بدا لي كحلمٍ مكسور.

وفجأة، ظهر بابٌ من دخان. على بابه، ورقة: "ادخلي إن كنتِ تملكين الشجاعة."

دخلت.، فوجدت نفسي… في مدرسة. نعم، نفس المدرسة التي طُردتُ منها. كانوا جميعًا هناك. الطالبات اللواتي سخرن مني. المعلمة التي قالت إنني "علة في النظام". والمدير، الذي قال إنني لا أستحق فرصة ثانية

لكن الجميع كانوا صامتين. مجمدين.

سرت بينهم، كأنني وحدي التي تتحرك في صورة متجمدة. ثم نظرت خلفي… وكان هناك ضوء أحمر. خرجت منه فتاة. تشبهني. لكنها… ليست أنا. كانت تبتسم بطريقة مخيفة.

قالت: "أنا أنتِ… لو اخترتِ الانتقام."

اقتربت، وهمست لي: "دعيهم يدفعون ثمن كل شيء."

ثم اختفى الجميع، إلا هي. أمسكت بيدي، وقالت:

"قوليها… أنك تكرهينهم."

لكنني قلت: "أنا لا أكرههم. أنا فقط… لم أعد أريد أن أعيش في ذاكرتهم."

عندها احترقت. نعم… احترقت أمامي، كأن النار كانت تنتظر اعترافي لأُطلقها.

ثم وجدت نفسي خارج الباب.

ورأيت رايين واقفًا هناك، يمد يده لي.

أمسكت بها.

ولأول مرة، شعرت أنّني أنا..عندها ادركت ان، حتى وإن كان كل شيء هنا كذبًا، حتى وإن كان الحب لعنة، فأنا... اخترت لعنتي بإرادتي، مشيت معه، نحو غرفة جديدة. لم تكن مثل سابقاتها. كانت بيضاء تمامًا.

بياض يؤذي العين، ويجعل القلب يتساءل ما الذي يُخفى خلف هذا الصفاء؟ في وسط الغرفة، كرسي. جلست.

أُضيئت الشاشة أمامي، وظهر رجل. يرتدي قناعًا. قال

"ريلا، مرحبًا بك في المرحلة التالية."

صمتّ

قال: "لقد وصلتِ إلى الاختيار النهائي."

قلت: "اختيار ماذا؟"

قال: "بين أن تعرفي الحقيقة… أو تخرجي للأبد."

نظرت لرايين، لكنه لم يكن هناك.

قال الرجل: "إن اخترتِ الحقيقة، ربما لن تري العالم كما رأيته من قبل. وإن خرجتِ… فلن تعودي أبدًا."

سألته: "وما هي الحقيقة؟"

قال: "اختاري أولًا."

صمتُّ، ثم قلت: "أريد الحقيقة."

فقال: "إذن… استعدي."

الجدران اختفت.

وأصبحتُ في مدينة.

الناس يركضون. النار تملأ السماء. أطفال يصرخون.

ورأيت نفسي، أقف في وسط شارعٍ محطم. أحمل شيئًا… طفلًا؟ لا… كان دمية.

ثم سمعت صوتًا خلفي:

"أنتِ سبب هذا كله."

استدرت. وكان رايين

لكنه لم يكن هو. كانت عيناه سوداوين بالكامل

قال: "لقد استدعاكِ القصر… لأنه يراكِ كأداة."

صرخت: "كفى!"

فقال: "كل ما مررتِ به… كان اختبارًا."

"وهذا هو الجزء الأخير."

ثم رفع يده، وأشار إلى قلبي

شعرت بألمٍ غريب، كأن شيئًا يُنتزع من داخلي.

ثم…

كل شيء اختفى

وأنا، أتنفس بصعوبة، أعود لغرفتي، وأجد رايين الحقيقي واقفًا هناك... يركض نحوي، يمسك بي. يقول:

"ريلا، ماذا حدث؟"

أردت أن أجيبه… لكنني بكيت فقط، بكيت لأنني علمت. أنني لستُ مجرد فتاة ضائعة، أنا… التجربة، أنا… بداية شيء جديد.

لكن رغم كل شيء، هو… بقي... رايين، بقي... وفي عالمٍ يحاول طمس وجهي، يكفيني أن يكون هناك من يقول لي:

"وجودك يخلّي المكان أقل وحشة… حتى لو ما تغيّر شيء."

انتهى...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما نشرت امبارح عشان

حسيتها صارت ممله وبقيت

وقت افكر بفكره تزيل الملل

يعني الحين في خطرين

الي جت عند ريلا وقالت انها هيه

الحقيقيه والثانيه هو رايين الأسود

1

اشوفكم بكرا...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضوء من حيث لا يفترض ان يكون

المؤلف larse★
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة