الوجه الآخر

الوجه الآخر

23 0

تتراجع ريلا زاحفة إلى الخلف، يرتطم ظهرها بالحائط، بينما تتقدّم النسخة السوداء منها، خطواتها باردة، وكأنها تعرف النهاية مسبقًا.

«مهمة؟ أيّ مهمة؟ أنا لا أفهم شيئًا…!»

تميل النسخة الأخرى برأسها، وتهمس بصوتٍ خالٍ من أيّ شعور:

«ما صنعتِه يجب أن ينتهي بيدكِ. أو بيدي، إن لم تستطيعي.»

تحاول ريلا الوقوف، تتشبّث بالحائط، ونظراتها مشتّتة.

«أنا لم أصنع شيئًا… أنا ضحية!»

تبتسم النسخة السوداء، ابتسامة أشبه بضحكة بلا صوت.

«ضحيتكِ الأولى كانت نفسكِ… والبقية تساقطوا بعدها.»

وفجأة…

يبرد الهواء من حول ريلا.

تشعر وكأن شيئًا يتحرّك تحت الأرض، نبضات…

كأن المدرسة نفسها بدأت تتنفّس.

ينفتح فجأة الحائط خلفها، بصوت يشبه فتح قبر.

يعود صوت الشاب، لكن من داخل الجدار:

«ريلا! تعالي قبل أن يأخذكِ!»

تركض دون تفكير، تدخل الظلام، يُغلق الجدار خلفها، تاركًا النسخة واقفة هناك، تهمس:

«حتى في الظلام… ستصلين إليّ.»

الداخل مظلم بالكامل.

لا ترى ريلا شيئًا، سوى صوت أنفاسها، وصوت الشاب يتردّد من بعيد.

«تابعي إلى الأمام، هذا المكان سيختبركِ… لكن يجب أن تصلي إلى ذاكرتكِ الحقيقية.»

تتقدّم، وكل خطوة تسحبها أعمق…

حتى ترى غرفة صغيرة مضاءة بشمعة واحدة.

تدخل.

كل شيء فيها مألوف.

الدّمية القديمة نفسها، دفاتر الطفولة ذاتها، وحتى تلك الصورة المقطوعة… نصف صورتها.

تمسكها، تتأمّلها…

وفجأة، تهمس صورة قديمة على الحائط:

«كنتِ تعرفين الحقيقة منذ البداية… لكنكِ اخترتِ محوها.»

تدور بحثًا عن مصدر الصوت، فلا تجد سوى مرآة.

وفي المرآة، ترى نفسها طفلة.

الطفلة تبكي… تصرخ…

لكن الصوت لا يصل.

تصرخ ريلا:

«ماذا فعلت؟ ماذا نسيت؟!»

ويأتيها الصوت من خلفها…

صوت أمها، لكنه غير طبيعي… مشوّه.

«نسيتِ من كنتِ… لتصبحي مقبولة.»

«نسيتِ الألم… لكن الألم لم ينساكِ.»

تلمس ريلا الصورة وتقول:

«إذا نسيتُ اسمي الحقيقي… كيف أعرف أنني أنا؟»

تلمع المرآة فجأة، وتظهر عليها جملة بخطّ أسود:

«اسمكِ الأوّل… محرّم النطق.»

تقف ريلا في الظلام، تحاول التقاط أنفاسها، وتشعر بثقلٍ في صدرها.

تقف النسخة السوداء أمامها بهدوء مرعب، بعينين سوداويين بلا حياة، وابتسامة تتحدّى.

«ماذا تريدين منّي؟»

«أنا التي يجب أن تُكمِل… المهمة التي بدأتِها.»

ترتجف ريلا، تهمس:

«لا أفهم… ما هي المهمة؟ ولماذا أنا؟»

تقترب النسخة خطوة:

«لأنكِ كنتِ المفتاح. البداية… والنهاية.»

تتراجع ريلا، تشعر بالبرودة تغزو جسدها.

«أنا مفتاح؟ بداية؟ نهاية؟»

تبتسم النسخة ببرود:

«كل من حولكِ… نُسخ. نسخ من الحقيقة التي نسيتِها.»

«نسخ؟»

تسمع خطوات بطيئة خلفها، تلتفت سريعًا لترى الشاب واقفًا عند باب الغرفة.

«ريلا! يجب أن نخرج! هذه المدرسة تنهار من الداخل!»

تنتفض ريلا وتمسك بيده، تصرخ:

«لكنها هناك! النسخة منّي! يجب أن أواجهها!»

ينظر إليها بحزن:

«هي ليست أنتِ… بل ذاكرتكِ التي رفضتِ استقبالها. إن لم تواجهيها، ستبقى تطاردكِ… وتسيطر عليكِ.»

ترفع النسخة السوداء يدها محاولة الإمساك بريلا، لكن ضوءًا أبيض قويًا يندفع من الباب.

«الآن! يجب أن نخرج!»

تمسك ريلا يد الشاب وتركض نحو الضوء.

تهتزّ الجدران، ترتفع الأصوات الغامضة.

تدرك ريلا أنها تهرب من جزءٍ مظلم من عقلها.

يصلان إلى الممر المضيء.

تلتفت ريلا خلفها، ترى النسخة تتلاشى في الظلام.

تتنفّس بعمق:

«هل انتهى كل شيء؟»

يجيب الشاب:

«ما بدأناه… والآتي أصعب.»

تلهث ريلا، لكن تشعر بشيء مختلف.

ينظر إليها الشاب بعينين متوهّجتين، يقترب ببطء، صوته هادئ:

«وسط هذا الجنون… وجودكِ أمامي هو الشيء الوحيد الذي لم يتغيّر.»

تشعر بدفءٍ غريب رغم برودة المكان.

«لماذا تهتم؟ لا تعرفني… ولا تعرف حقيقتي.»

يبتسم بحزن:

«لا أريد معرفة حقيقتكِ… أريد فقط أن أبقى إلى جانبكِ، حتى لو كان ذلك يعني أن أدخل معكِ هذا الظلام.»

ينبض قلبها أسرع.

«وأنت؟ لماذا أنت؟ هل أنت مجرّد ظل أو نسخة؟»

يرفع حاجبيه:

«أنا ظلكِ الذي لا يمكنكِ الهروب منه… وظلٌّ يحب صاحبه، مهما كان الثمن.»

تغمض عينيها ثم تفتحهما بثبات:

«دعني أصدّقك… لكن كيف سننتهي من كل هذا؟»

يمسك يدها وينظر في عينيها:

«معًا. حتى النهاية.»

يدخلان غرفة الأرشيف، رفوف مغطاة بالغبار، أوراق مهملة.

تفتح كتابًا قديمًا، صور لحياة تشبهها ولا تشبهها.

«هل هذه… أنا؟»

«ليست تمامًا… إنها نسخة من الذكريات التي اخترتِ نسيانها.»

تشعر بثقل الذكريات.

«لماذا كل شيء مظلم؟ لماذا لا يزول الألم؟»

«لأن الظلام جزء منكِ… لكننا نستطيع مواجهته.»

تسأله:

«وكيف علقتَ هنا؟»

«كنتُ حارسًا… ثم صرتُ جزءًا من قصتكِ.»

يهمس:

«وجودكِ هو ما يُبقيني.»

وفجأة…

طرقٌ عنيف على الباب.

«علينا التحرّك.»

يمسك يدها ويسحبها.

الأسرار تزداد عمقًا… وعقل ريلا أكثر ظلمة.

الممرّ يتنفّس.

همسات:

«كل نُسخكِ… لن تهدأ حتى تعودي.»

«الحقيقة أعمق… وأظلم.»

«هذا سجن الذكريات المنسيّة.»

تبكي ريلا:

«لماذا الذنب لا يزول؟»

«لأنكِ لم تسامحي نفسكِ.»

يظهر بابٌ معدني.

«هنا المواجهة.»

«وإن خسرت نفسي؟»

«ستبقين نسخة ضائعة.»

يمسك يديها:

«لكن معًا… قد نكسر الحلقة.»

يفتحان الباب.

مرآة لا تعكس وجهها… بل ظلّها.

«هل أنتِ مستعدة للاختيار؟»

تناديه:

«أيّها الظل.»

«هذا يكفي الآن.»

«هل جئتَ لتذكيري أم لإنقاذي؟»

«كلاهما.»

«أنا خائفة.»

«وأنا معكِ.»

«سأقاتل.»

«ولن أترككِ.»

تقف أمام المرآة.

«لماذا عدتِ؟»

«لم أرحل.»

«لن أختفي.»

«إذًا… لنعرف من الأقوى.»

شرارة تشتعل.

ويهمس الظل:

«كوني قوية… وأنا معكِ.»

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

ايش رأيكم بالشخصيات؟

1

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الرابع 8:30

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضوء من حيث لا يفترض ان يكون

المؤلف larse★
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة