بعد المواجهة الخفيفة، تنفست ريلا بعمق وهي تبتعد عن المرآة. كانت يداها لا تزالان ترتجفان، ونبضها يتسارع.
اقترب ظل منها، صوته ناعم ومطمئن:
«أحسنتِ… كنتِ أقوى مما توقعت.»
نظرت إليه. في تلك اللحظة لم ترَ المكان ولا الخوف، رأت وجهه فقط.
«ظل… لماذا تساعدني؟»
ساد الصمت.
خفض نظره، كأنه يبحث عن كلمات لم يعتد قولها، ثم همس:
«ربما… لأنني الشخص الوحيد الذي يعرف شعوركِ تمامًا.»
«شعوري؟»
رفع عينيه، وكان فيهما شيء غريب، مزيج من الحنين والانكسار.
«أن تكوني محبوسة داخل عقلكِ، داخل نفسكِ… ولا أحد يسمع صراخكِ.»
ابتلعت ريلا ريقها، ولمعت عيناها بخفة. لأول مرة شعرت أنه يفهمها بصدق.
«ربما كنتُ دائمًا أبحث عن شخص… يسمعني.»
وقف قريبًا منها، والمسافة بينهما قصيرة جدًا، كأن المكان كله قد ضاق عليهما، وكأن الظلام أصبح حاميًا بدل أن يكون مخيفًا.
«وأنا كنت أبحث عن شخص… يجعلني أبقى.»
تلاقت نظراتهما.
مرت دقيقة من الصمت، لكن قلبيهما كانا يصرخان.
«ظل…»
كان همسها ضعيفًا، لكنه حمل كل المشاعر التي لم تفهمها بعد.
ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا وقال:
«لأول مرة… أندم أنني ظل. كان يمكن أن أكون شيئًا أكثر.»
ابتسمت ريلا، للمرة الأولى. ليس لأن كلماته غريبة، بل لأنها صادقة، دافئة، ومليئة بشيء لم تعرف اسمه.
ثم قالت بصوت منخفض:
«تستطيع أن تكون.»
نظر إليها ظل طويلًا، وكأن الكلمات علقت بين قلبه ولسانه.
«تستطيع أن تكون.»
ترددت الجملة في عقله، كأنها باب جديد يُفتح، باب لم يجرؤ أحد على فتحه من قبل.
لكن قبل أن يتكلم، اهتز المكان.
صار الهواء أثقل.
خفت الضوء الرمادي، وكأن أحدهم لاحظ أن مشاعر بدأت تنمو.
تراجع ظل خطوة، تغيّر وجهه، وانخفض صوته:
«لا… الوقت ما زال ضدي.»
تقدمت ريلا وأمسكت بذراعه:
«ما الأمر؟ ماذا يحدث؟»
أجاب وهو يلتفت نحو الظلام خلفه:
«هناك شيء يراقب. لم يكن من المفترض أن نقترب.»
وفجأة، من خلفه، انفتحت الأرض.
لم تكن حفرة، بل صدعًا أسود، وكأن ظلًا أضخم، أقدم، بدأ يستيقظ.
همس صوت من العمق:
«ظل… هل نسيت اتفاقنا؟»
شهقت ريلا وتمسكت بظل أكثر، لكن وجهه تجمد.
«من هذا؟» همست.
قال ظل بصوت منخفض:
«هو الأصل… أنا نسخة من جزء منكِ، أما هو… فهو ظل كل شيء.»
خرج من الصدع كيان طويل بلا ملامح، له عين واحدة في منتصف جبهته، تنزف دمعًا أسود.
مد يده نحو ظل:
«إما أن تعود… أو نمحوك.»
صرخت ريلا:
«لا! لن تأخذه!»
نظر إليها ظل، ولأول مرة، بعينين خائفتين.
«وعدتكِ أن أكون شيئًا أكثر… لكن ربما يجب أن أختار بينكِ وبيني.»
«أنا معك!»
صرخت ريلا، وصوتها يتشقق.
زمجر الكيان بصوت خافت، كأنه يهمس للجدران:
«كل عاطفة… لها ثمن.»
وفجأة، خرج خيط نور صغير من يد ريلا، وامتد إلى صدر ظل.
تراجع الكيان قليلًا، كأنه لم يتوقع ذلك.
لمس ظل الضوء وابتسم رغم الدم الذي سال من أنفه:
«هذا… هذا أقوى من الخوف.»
ثم صرخ، ووقف أمام الكيان، حاجبًا ريلا بجسده:
«إن لمستها… سأدمّر كل شيء بنفسي.»
انتشر الضوء.
ذاب الكيان ببطء، عاد إلى الهاوية، وانغلق الصدع.
انهارت ريلا على ركبتيها، ونظرت إليه.
سقط ظل بجانبها، يتنفس بصعوبة، وعيناه تلمعان بشيء جديد.
دمعة.
«ريلا… إن اختفيتُ، لا تتذكريني كشيء مظلم، بل كشيء اختار النور لأجلك.»
هزّت رأسها، وأمسكت وجهه بين يديها:
«لن تختفي. ليس بعد أن فهمت أنني كنت أعيش بنصف نفسي فقط. أنا وأنت… شيء واحد.»
أغمض عينيه.
وفجأة، انفجر المكان بضوء أبيض ناعم.
وعندما فتحتهما، وجدت نفسها على سريرها.
لكن هذه المرة… كان ظل بجانبها، نائمًا، كأن الواقع أعاد خلقه.
وتحت وسادتها…
رسالة مكتوبة بخط يدها:
«المرحلة الأولى انتهت… استعدي لما بعد النور.»
همست:
«اللعنة… لماذا يتكرر كل شيء؟ سأجن!»
التفتت إلى ظل، وقد بدا وجهه كاملًا أمامها. همست بصوت يكاد لا يُسمع:
«من بين آلاف الوجوه، وجهك لا يشبه إلا الحلم… والخيال لا يتقن رسمك كما يجب.»
مررت أناملها على وجهه. فتحت عيناه ببطء، كأنه شعر بها، وارتسمت ابتسامة على شفتيه. شعرت بالخجل وسحبت يدها فجأة.
قالت في داخلها:
«حين تنظر إليّ، لا يعود العالم كما هو… كأن عينيكِ تعيدان ترتيب الفوضى داخلي دون كلام.»
«لكنني أحيانًا أشعر أنك تخفي عني شيئًا.»
فجأة قال ظل:
«يجب أن أذهب الآن. انتبهي لنفسك.»
«ماذا؟»
وقبل أن تنطق بشيء، كان قد خرج.
«هل يمكن؟ يا إلهي، هل يخفي عني أمرًا مهمًا؟»
نظرت إلى الساعة، كانت الواحدة صباحًا.
«هل نام كل هذا الوقت؟ ولماذا يختفي ليلًا؟ كأن الليل يبتلعه… هل سيخون ثقتي؟»
نظرت حولها. الغرفة ليست لها. ليست في منزلها.
«أين أخذني؟»
بدأت تتفقد الغرفة بعينيها، ثم جلست على حافة السرير قليلًا، ونهضت، واتجهت نحو الباب. خرجت لتجد قصرًا كبيرًا.
التفتت حولها بخطوات سريعة مندهشة.
«إنه غني… هذا لم أتوقعه.»
بينما كانت تتعرف على المكان، اقتربت منها خادمة تبدو طبيعية.
«آنستي.»
استدارت الخادمة وانحنت أمامها:
«سعيدة بلقائكِ مجددًا، آنسة ريلا.»
«مجددًا؟»
«أنتِ لا تتذكرين كعادتكِ… هذا يحزنني.»
«هل أنتِ عالقة هنا أيضًا؟»
تنهدت:
«نعم.»
قالت ريلا بحماس:
«ما اسمكِ؟»
«اختاري لي اسمًا.»
نظرت إليها ريلا:
«لماذا تخافون من قول أسمائكم الحقيقية؟ حسنًا، لا بأس… سأسميكِ ريونا.»
ابتسمت الخادمة وأكملت طريقها.
تنهدت ريلا ونظرت إلى الساعة المعلقة على الجدار. كانت الخامسة، ولم يعد ظل بعد.
«لماذا أفكر به؟»
قررت أن تراقبه تلك الليلة. إلى أين يذهب؟ ولماذا؟
«ليست غيرة… بل شك.»
عاد ظل إلى القصر. وما إن دخل حتى ركضت ريلا نحوه:
«لماذا تأخرت؟»
اقترب من وجهها وهمس:
«لماذا تسألين؟ هل اشتقتِ إليّ؟»
رفعت حاجبها ببطء ونظرت إليه:
«في أحلامك.»
ضحك بخفة. لم ترَه يضحك من قبل. سعدت لذلك وابتسمت.
«هيا نأكل.»
«ألم تأكلي؟»
«كنتُ أنتظرك.»
توقفا لحظة يتبادلان النظر، ثم واصلا السير.
جلست على طاولة الطعام ونظرت إليه:
«ظل.»
التفت إليها.
قالت ريلا بصوت مرتجف:
«لماذا أشعر دائمًا أنك ستختفي وتتركني في هذا العالم اللعين؟ حتى وأنت بجانبي… أشعر أنك بعيد. بعيد جدًا.»
نظر في عينيها بعمق:
«وأنا أشعر أنك قريبة لدرجة تخنقني… ومع ذلك لا أستطيع الابتعاد.»
قالت ريلا:
«أنا أخاف. ليس خوفًا عاديًا. أخاف من كل شيء… من الوقت، من الناس، من ذكرياتك، حتى من السماء. أشعر أن الجميع قادرون على انتزاع روحي، ولا أملك ما يمنعهم سوى خوفي.»
اقترب منها ببطء:
«وإذا خفتِ… هل تهربين مني؟ أم تتملكينني أكثر؟»
همست:
«أتمنى أن أستطيع إخفاءك… وضعك في صندوق حتى لا تختفي. فكرة اختفائك وحدها تؤلمني.»
وضع يده على خدها:
«أنتِ الوحيدة التي تفكر بهذه الطريقة. لكن اسمعيني… أنا هنا، بروحي، بظلي، وحتى بألمي.»
دمعت عيناها:
«وإذا اختفيت يومًا من حياتي؟ هل ستنساني؟»
نظر إلى دمعتها وهمس بحزم:
«لن أنساكِ. إن نسيتكِ، أنسى نفسي.»
سكتت ثم قالت بثقل:
«ظل… هل تخفي عني شيئًا؟»
«إن كان لمصلحتكِ فلن أخفيه، وإن كان ضدكِ فسأخفيه.»
بدأت تأكل. ومع كل لقمة، شعرت أنها لا تأكل طعامًا عاديًا، بل ذكريات. لكنها لم تهتم، فقد كانت جائعة جدًا.
في الليل، خرج ظل كعادته، لكن ريلا كانت خلفه.
وصلا إلى مكان مهجور، فرأته مع نسختها السوداء، يناديها باسم «فيونا».
همست لنفسها:
«هل ظل معي أصلًا؟ أم مع فيونا؟»
عادت إلى القصر، ولو تنفست مرة أخرى لسقطت، لكنها قررت أن تثق به حتى آخر لحظة، ونامت… نومًا يشبه نوم من لم ينم منذ خمسين عامًا.
ــــــــــــــــــــــــــ
انتهى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقييمكم؟+ما رح احط
على كل شي شدات وفتحات
وذول عشان صعبه علي
وكمان ما عاد رح احط
نهايه كل كلمه نقطه
عشاني بنسى واتمنا
تدعموني وتشجعوني
عشان يكبر شغفي (ᗒᗩᗕ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
larse★