لا تدخلي ذاكرتي

لا تدخلي ذاكرتي

26 0

كانت ريلا تركض بلا اتجاه. الهواء كثيف، والضباب يلتهم الرؤية. خطواتها تتخبط فوق الأرض المبللة، حتى توقفت فجأة أمام مرآة مشروخة منصوبة وسط العدم.

فتحت عينيها بصعوبة. كان حلمًا… لكن المفاجأة كانت أكبر.

صوت ظل يهمس خلفها:

«هل أنتِ مستعدة لدخول الذاكرة الأولى؟»

«ذاكرة من؟»

«فيونا… هي البداية.»

وقبل أن ترد، شُدّت بقوة نحو الزجاج، وكأن المرآة ابتلعتها.

داخل ذاكرة فيونا

فتحت ريلا عينيها، لكنها لم تكن ريلا.

كانت ترتدي معطفًا ورديًا طويلًا وقبعة سوداء. انعكاسها في زجاج أحد أكشاك الملاهي لم يكن انعكاسها… بل كان وجه فيونا.

صوت من خلفها:

«فيونا! فيونا! هيا تعالي، سنفوت بيت الرعب!»

استدارت.

كانت جيني، دانتي، توري، ويليام، وسيبي يقفون عند مدخل مدينة ملاهٍ ضخمة، مزينة بالأضواء، في ليلة هالووين خريفية باردة.

ضحكت فيونا وركضت نحوهم، وكأنها تعيش حياة طبيعية تمامًا… لكن شيئًا غريبًا تحرك في قلبها. شعور بأن الذكرى ليست لها، وأنها مجرد مراقِبة لا أكثر.

دخلت المجموعة الملاهي. كانت فيونا تعمل هناك بدوام جزئي، فاستقبلتهم وأخذتهم في جولة سريعة.

«سنقيم حفلة داخلية… لا أحد غيرنا هنا. استعدوا للرعب الحقيقي.»

ضحك الجميع. بدا كل شيء مرحًا، لكن ريلا، داخل جسد فيونا، شعرت بأن شيئًا غير مريح يلوح في الأفق.

اللعبة الأولى: النفق الملتوي

دخلوا نفقًا مظلمًا، بدا كأن الزمن توقف داخله. الأرض تهتز بخفة، وأصوات ضحكات أطفال تتردد من الجدران.

وفجأة…

صرخة.

أضاءت الأنوار، واختفى سيبي.

«هل هذا مزاح؟ فيونا، قولي إنه مزاح!»

لكنها لم تعرف كيف تجيب. أمسكت جيني يدها بقوة.

«أنا لا أمزح! أين ذهب؟»

حاول دانتي الاتصال بسيبي، لكن الهاتف رن من بعيد داخل ظلمة الممر.

تبعوا الصوت، ليجدوا قبعة سيبي… مبللة بسائل أحمر.

اللعبة الثانية: بيت المرايا

داخل بيت المرايا، تشوهت انعكاساتهم. كل واحد رأى نفسه مشوهًا، دامعًا، مبتسمًا بطريقة مرعبة.

«فيونا… وجهي… لماذا أبدو هكذا؟»

ركضت توري وهي تصرخ، واصطدمت بإحدى المرايا.

تحطم الزجاج، وكانت المرآة خلفها فارغة. بلا أي انعكاس.

«هذا غير طبيعي… غير طبيعي…» كانت جيني تبكي.

وفجأة، اختفى ويليام.

«لاااا!»

سقطت جيني على ركبتيها وهي تصرخ، وعيناها تدوران بجنون.

الموت البطيء

لم يبقَ سوى دانتي، فيونا، وجيني.

الدموع، الصراخ، وموسيقى الملاهي مستمرة، كأن المكان لا يسمعهم.

حاولت فيونا الهرب، لكن البوابات كانت مغلقة. حاولت الاتصال بالشرطة، بلا إشارة.

ثم… ظهر القاتل.

قناع بلا ملامح، شعر أشقر مستعار، وخطوات بطيئة.

طعن دانتي أمام أعينهم.

وقال بصوت هادئ:

«نحن من قتلنا بترا… واللعنة عادت لتأخذنا.»

كان الصوت أنثويًا.

كان صوت بترا.

النهاية

هربت جيني وفيونا نحو البوابة الخلفية.

نظرت فيونا خلفها، فرأت انعكاس نفسها في الزجاج.

لكن الانعكاس… كان يبتسم.

وقال:

«دوركِ انتهى… ريلا.»

لحظة انهيار.

ثم ظهر ظل من داخل الظلام، أمسك يدها وجرّها بقوة.

«عودي. يكفي لليوم.»

صرخت:

«لا أريد تركهم! جيني ما زالت هنا!»

«هذه ليست ذكرياتكِ. أنتِ زائرة فقط. يجب أن ترحلي قبل أن تنسي من أنتِ.»

اختفت الملاهي. عاد الصمت.

وانهارت ريلا باكية.

لكنها الآن تعلم:

«أنا أرى الذكريات… وأعيشها… لكن لماذا؟ ولماذا الآن؟»

همس ظل:

«هناك شخص قادم… وأنتِ الوحيدة القادرة على رؤية الحقيقة.»

«الحقيقة؟»

«بالضبط.»

تنهدت.

«وماذا حدث لجيني بعد ذلك؟»

«ماتت جيني. وفيونا هربت… وهي أنتِ الثالثة.»

«ماذا؟»

ظهرت علامات الاستغراب على وجهها.

«لن تفهمي الآن.»

سكتت، ونظرت إلى الفراغ.

بدأت ريلا تنسى تفاصيل أكثر. لكن الغريب أن كل ما نسيته… كان ظل يتذكره.

خرج ظل، وبقيت ريلا وحدها تدور في الغرفة، حتى لمحت شيئًا مضيئًا. اقتربت.

كان دفترًا قديمًا، مذكراتها، بخط يدها، لكنها لا تتذكر أنها كتبته.

«هل كتبتُ هذا؟»

قلّبت الصفحات، حتى وقعت عيناها على جملة:

«ظل أخبرني أنه سينقذني… لكنه لم يقل ممن.»

هنا، شكّت في نوايا ظل للمرة الأولى.

أخفت الدفتر بسرعة.

«ظل…»

همست بنبرة خيانة واضحة. استغرب من أسلوبها.

«هل أنتِ بخير؟»

«نعم… أنا بخير.»

حاولت تجاهل الأمر، لكنها لاحظت أن أعراضًا غريبة بدأت تظهر عليه.

جلده يزداد قتامة… عيناه تحمران.

اقتربت منه، حاولت لمسه، فهم ما يحدث.

رفض الحديث.

«ما بك؟ لماذا لا تقول شيئًا؟»

سمعت صوتًا بعيدًا، لا يسمعه سواها:

«إنه بسببكِ. كلما اقترب منكِ، يموت ببطء. لأنكِ المفتاح. طاقتكِ تقضي عليه تدريجيًا… لكنها السبب الوحيد لبقائه بشريًا.»

نظرت إلى ظل، تحاول إخفاء انكسارها.

«أنا آسفة.»

«على ماذا؟»

«على كل شيء.»

فهم. وضع يده فوق يدها ونظر إليها.

«ليس بسببكِ.»

سقطت دمعة من عينها، واحتضنته فجأة. بادلها العناق.

كانت وحدها في الغرفة، تنظر إلى لا شيء.

همست بصوت مسموع:

«لم أعد أملك موهبة الحديث. أصمت حتى وإن كان الأمر يهمني. ليس ضعفًا ولا تكبرًا… بل مللت.»

خرجت ببطء، بحثت في المطبخ عن طعام، ثم شعرت بيد خلفها.

التفتت بسرعة.

كان شابًا طويل القامة، وسيمًا، همس:

«ماذا تفعلين هنا؟»

ابتعدت قليلًا، وقالت بتوتر:

«ومن أنت؟ كيف دخلت القصر؟»

اقترب ببطء وهمس قرب أذنها:

«اسمي آيدن. وأنتِ؟»

ابتعدت وهي تضم يديها.

«اسمي ريلا.»

مد يده نحوها. نظرت إلى يده ثم إلى وجهه وصافحته.

دخل ظل فجأة إلى المطبخ، نصف عينيه مفتوحتين.

«ريلا؟ ماذا تفعلين هنا؟»

«كنت أبحث عن طعام. ظننتك تريد ماءً.»

أحضرت له الماء. كان آيدن يراقب بابتسامة.

«ألن ترحب بصديقك؟»

ابتسم ظل:

«متى وصلت؟ لم تتغير عادتك، تدخل كأنك خاطف.»

اقترب آيدن ووضع يده على كتفه وهمس:

«أظن أنك وقعت… ولا أحد سما عليك.»

1

ضحك ظل بخفة، ثم همس:

«لا سلطة لنا على قلوبنا… فهي تنبض لمن تشاء.»

أمسك يد ريلا.

«عليكِ النوم. غدًا هناك ذاكرة جديدة يريدونكِ أن تدخليها.»

«حسنًا.»

ذهبت إلى غرفتها. نظر آيدن إليها ثم اقترب من ظل.

«هل هي الفتاة؟»

أومأ ظل.

«إذًا هناك قصة طويلة يجب أن تحكيها.»

غادرا.

أما ريلا، فكانت تنظر إليهما من بعيد.

«ماذا تفعل بي يا ظل؟»

استدارت ونامت نومًا عميقًا.

في اليوم التالي، استيقظت لتجد ظل أمامها، ينتظرها بقلق.

همس:

«هل أنتِ مستعدة للذاكرة الثانية؟»

«نعم.»

ظهر ضوء ساطع… ودخلت ذاكرة فتاة تُدعى ميسا.

فتحت ميسا عينيها على صوت نبضات قلب… ليست من داخلها، بل من السقف.

الغرفة مظلمة، رمادية، والجدران تتحرك ببطء كأنها جلد حي.

على الحائط رقم محفور: 12

وتحته عبارة مشوهة:

«عودي… أو ادفني نفسك.»

خرجت إلى ممر لا نهاية له. ضحكات أطفال تتحول إلى صراخ.

صرخت:

«لم أكن أنا… والله لم أكن أنا!»

وردت الجدران:

«كنتِ… ورأينا كل شيء.»

دخلت غرفة مليئة بالصور.

صورها… منذ الطفولة.

لكن بعيون مشطوبة.

في آخر صورة، كانت تخنق شخصًا مغطى بالدم.

«لاااا! لم أفعل شيئًا!»

سقطت الصورة، وظهر خلفها صوت أمها:

«لماذا قتلته؟ كنتِ تحبينه.»

دخلت غرفة من لحم نابض، جثث معلقة، هواء خانق.

رأسها معلق من السقف، يبتسم:

«أنا النسخة التي تركتِها تنكسر. أنتِ السبب.»

غرفة أخيرة.

مرآة.

وجهها مختلف. عيناها مقلوبتان.

تحطمت المرآة، وخرجت يد:

«لم تكوني مريضة… أنتِ الخلل.»

وسُحبت داخل الزجاج.

صرخت ريلا واستيقظت.

كان ظل متوترًا.

«لم أتوقع أن يدخلوكِ ذاكرة ميسا بهذه السرعة.»

«كانت مجنونة؟»

«لا… كانت واعية. ولهذا كانت مرعبة.»

«هذا جنون… لماذا أنا؟»

وضع أنامله على جبينها:

«سينتهي هذا قريبًا. لا تخافي.»

انتهى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ايش رأيكم بالشخصيات؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ضوء من حيث لا يفترض ان يكون

المؤلف larse★
2025/07/24 مكتملة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة