خاتمة: بعد أشهر

خاتمة: بعد أشهر

13 1

مرَّت ثمانية أشهر منذ تلك الليلة التي انتهى فيها كل شيء، وبدأ فيها كل شيء آخر في الوقت نفسه.

أكتب هذه السطور الآن من مطبخ شقتنا الصغيرة، أنا وآدم، بعد أن تزوَّجنا منذ ثلاثة أشهر فقط، في حفل بسيط حضره من تبقَّى لنا من عائلة وأصدقاء حقيقيين، أهمهم بالطبع لمى، التي وقفت بجانب أخيها ذلك اليوم بابتسامة لم أرها عليها من قبل، ابتسامة خاليةٌ تمامًا من أي خوف يتربص خلفها.

انتهت محاكمة كريمة قبل أسابيع قليلة، وحُكم عليها بالسجن لمدة خمسة وعشرين عامًا بتهم القتل العمد والاختطاف والتهديد، حكمٌ وصفته الصحف بأنه من أكثر القضايا إثارةً التي شهدتها المدينة منذ سنوات طويلة. لم يذهب آدم لحضور جلسة الحكم، قال إنه لا يحتاج أن يرى وجهها مرةً أخرى ليشعر بأن العدالة تحقَّقت أخيرًا، فقد شعر بذلك من اللحظة التي انفتح فيها باب تلك الصالة الكبرى وسامر يحمل الحقيبة بين يديه.

أما سامر، فقد صدر بحقه حكم أخف بكثير، سنتان فقط، بعد أن أخذت المحكمة تعاونه الكامل والمعلومات التي قدَّمها بعين الاعتبار. يزوره آدم أحيانًا، مرةً كل شهر تقريبًا، لا يتحدثان كثيرًا في هذه الزيارات، لكن آدم يقول دائمًا إنه يشعر أنه مدين له بهذا القدر من الوفاء على الأقل، بعد كل سنوات الصداقة القديمة التي جمعتهما قبل أن يُفسدها الخوف والمال. يقول سامر في كل زيارة إنه سيبدأ حياةً مختلفةً تمامًا حين يخرج، بعيدًا عن كل هذا العالم الذي حطَّمه ببطء لسنوات، ونحن نصدِّقه، أو ربما نريد فقط أن نصدِّقه.

آدم يعمل الآن على إعادة بناء شركة والده من جديد، بمساعدة لمى التي أثبتت أنها أذكى بكثير مما كانت تسمح لنفسها بإظهاره طوال سنوات عاشتها تحت ظل خوف دائم. يقضيان ساعات طويلة معًا في المكتب، يخطِّطان لمستقبل مختلف تمامًا عن الماضي الذي حاولت كريمة بناءه على أنقاض شخص أحبَّته يومًا ثم قتلته ببرود. لمى تدرس الآن إدارة الأعمال في الجامعة، بحماس لم أرَه فيها من قبل، وتقول دائمًا إنها تريد أن تجعل من اسم عائلتها شيئًا يستحق الفخر من جديد، لا مجرد ذكرى مؤلمة.

زياد، صديقنا العزيز الذي غامر بكل شيء من أجلنا، أصبح الآن جزءًا لا يتجزأ من حياتنا، يأتي لتناول العشاء معنا كل أسبوع تقريبًا، ويتحدث بفخر خفيٍّ كلما ذُكرت قصتنا دون أن يذكر اسمه فيها علنًا كما اتفقنا منذ البداية، سرٌّ صغير نتشاركه نحن الأربعة فقط، ونحن نكتفي بذلك تمامًا.

أما أنا، فأُكمل دراستي في كلية علوم الحاسوب كما خطَّطت دائمًا، ولا أزال أحيانًا أضحك حين أتذكر كيف بدأت كل هذه القصة: مجرد محفظة سقطت من شاب كان يركض خائفًا في شارع لم أكن لأمرَّ به لولا الصدفة، فتاةٌ قرَّرت أن تُعيدها لصاحبها ببساطة، دون أن تعرف أن هذا القرار الصغير سيغيِّر مسار حياتها بالكامل.

في الليل، حين ننهي يومنا الطويل ونجلس معًا على الشرفة الصغيرة لشقتنا، كوبان من الشاي بيننا كما اعتدنا دائمًا منذ تلك الليلة الأولى على شرفة زياد، ينظر إليَّ آدم أحيانًا نظرةً صامتة طويلة، وأعرف بالضبط ما يفكر فيه دون أن يقولها بصوت مرتفع: أننا نجونا، أننا وصلنا إلى هنا معًا، وأن كل الخوف الذي عشناه كان يستحق العناء في النهاية، لأنه قادنا، رغم كل شيء، إلى هذه اللحظة الهادئة بالذات.

وأنا، حين أنظر إليه في تلك اللحظات، أفكر في الشيء نفسه بالضبط.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف حنان
2026/08/29 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة