منزل يارا

منزل يارا

13 1

اقترحت يارا أن يذهبوا إلى شقتها بدلًا من العودة إلى شقة زياد الصغيرة الضيقة، فهي تعيش وحدها منذ بدء دراستها الجامعية، وشقتها هادئة وواسعة بما يكفي ليستريح فيها الجميع أخيرًا بعد ليلة استنزفت كل ما تبقى من طاقتهم.

بمجرد دخولهم، أعدَّت يارا غرفة الضيوف بسرعة للمى، التي كانت بالكاد تقف على قدميها من شدة الإرهاق النفسي والجسدي الذي عاشته طوال تلك الليلة الطويلة. غطَّتها يارا ببطانية دافئة، وأطفأت الأنوار برفق، ولم تمرَّ سوى دقائق قليلة حتى غرقت لمى في نوم عميق، أول نوم هادئ حقيقي لها منذ أسابيع طويلة من الخوف المستمر.

جلس آدم وحده على أريكة الصالة الهادئة، ينظر إلى يديه بصمت ثقيل، بينما أعدَّت يارا كوبَين من الشاي الساخن في المطبخ المجاور. حين عادت وجلست بجانبه، ومدَّت إليه كوبه، لاحظت أن شيئًا يُثقل صدره، أعمق من مجرد إرهاق ليلة طويلة.

"آدم؟ ما الأمر؟" سألته بلطف، تضع يدها على ذراعه بلمسة مطمئنة.

أخذ نَفَسًا عميقًا مضطربًا قبل أن يتكلم أخيرًا، صوته مثقل بشيء أشبه بالانهيار المكتوم.

"أنا آسف،" قالها ببساطة أولًا، ثم أضاف بصوت أكثر انكسارًا. "آسف جدًا يا يارا، على كل شيء. من اللحظة التي اصطدمتُ بكِ فيها في ذلك الشارع، لم أفعل شيئًا سوى جرِّكِ إلى كابوس لم يكن يخصكِ إطلاقًا. تعرَّضتِ للخطف، للتهديد، للخوف كل يوم لأسابيع كاملة، وكل هذا بسببي أنا فقط. أنا سبب كل الألم الذي مررتِ به، وأحيانًا أفكر أنني كنت لعنةً حقيقية دخلت حياتكِ في ذلك اليوم، بدلًا من أن أكون مجرد اصطدام عابر تنسَينه بسرعة."

نظرت إليه يارا طويلًا، ثم وضعت كوبها جانبًا، واستدارت لتواجهه بالكامل.

"لا،" قالتها بحزم هادئ لا يقبل الجدال. "لن أسمح لك أن تقول هذا الكلام، ولا حتى أن تفكر فيه مرة أخرى."

أمسكت بيده بين يديها بلطف.

"نعم، خفت. نعم، تعرَّضت لأشياء لم أتخيل يومًا أنني سأمر بها. لكنك لست لعنةً يا آدم، أنت أشجع شخص عرفته في حياتي كلها. وأنا لم أندم للحظة واحدة على البقاء بجانبك، ولن أندم أبدًا، لأنني في هذه الرحلة كلها، رغم كل الخوف، وجدتُ شيئًا لم أكن أعرف حتى أنني أبحث عنه."

نظر إليها آدم بعينين مليئتين بشيء بين الدهشة والأمل الحذر.

"ماذا تقصدين؟"

ابتسمت يارا ابتسامةً صغيرة مرتبكة، لكنها صادقة تمامًا هذه المرة، بلا أي محاولة للتخفي خلف المزاح كما اعتادت في لحظات كهذه.

"أقصد أنني، منذ تلك الليلة الأولى التي غطَّيتَني فيها بسترتك وأنا نائمة، لم أعد أتخيل أيامي دون أن تكون أنت جزءًا منها يا آدم. لا أعرف كيف أُسمِّي هذا الشعور بالضبط، لكنني أعرف أنني لا أريده أن ينتهي أبدًا."

شعر آدم وكأن كل الثقل الذي حمله طوال أشهر انزاح فجأةً بكلماتها. نظر إليها طويلًا، صمتٌ مليء بكل ما لم يُقَل بينهما بعد.

"وأنا أيضًا يا يارا،" قالها بصوت خفيض مرتجف قليلًا. "لم أعد أتذكر كيف كانت حياتي تبدو قبل أن تدخليها فجأةً في ذلك الشارع. وأظن أنني لا أريد أن أتذكر ذلك أصلًا."

مدَّ ذراعيه نحوها بحركة بطيئة مترددة، فاحتضنته يارا فورًا، وأحاطته بذراعيها بإحكام، ووضعت رأسها على كتفه. بقيا هكذا طويلًا، عناقًا صامتًا خاليًا أخيرًا من أي خوف أو ترقب لخطر قادم، أول لحظة سلام حقيقية يعيشانها معًا منذ ذلك اليوم الذي اصطدما فيه للمرة الأولى في شارع لم يكن يعرف أيٌّ منهما أنه سيغيِّر حياتيهما إلى الأبد.

في صباح اليوم التالي، بينما كانت لمى لا تزال نائمة، جلس آدم ويارا أمام التلفاز بصوت منخفض، يتابعان نشرة الأخبار المحلية التي بدأت للتو تتحدث عن "قضية رجل الأعمال الراحل وزوجته"، متناولةً باقتضاب اعتقالَ كريمة رسميًا بتهم القتل والاختطاف، وتوقعاتٍ بمحاكمة طويلة قد تنتهي بحكم لا يقل عن السجن المؤبد.

ذُكر اسم سامر أيضًا بإيجاز، كشاهد رئيسي ومتهم سابق في قضايا التجسس والمراقبة غير القانونية، مع إشارة إلى تعاونه الكامل مع التحقيق مما قد يُخفِّف الحكمَ عليه، لكنه لن يفلت تمامًا من المحاسبة على سنوات طويلة من التواطؤ، حتى لو كانت نهايته مختلفة عن بدايته.

نظر آدم إلى الشاشة بصمت طويل، مشاعر متضاربة تتصارع في داخله: ارتياح لانتهاء الكابوس أخيرًا، وحزن خافت على صديق طفولته الذي خسر سنوات من حياته في اختيارات لم يكن يملك الشجاعة لتغييرها إلا في اللحظة الأخيرة.

"سيدفع ثمن ما فعله،" قال أخيرًا بصوت هادئ، "لكنه أيضًا من أنقذنا جميعًا في النهاية. أتمنى أن يحصل على فرصة ثانية حقيقية بعد كل هذا."

أمسكت يارا بيده بصمت داعم، وجلسا معًا، يراقبان بدايةً جديدة تتشكَّل ببطء أمامهما، بعد نهاية طويلة ومؤلمة استحقَّاها كلاهما أخيرًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ظل الحقيقة

المؤلف حنان
2026/08/29 مكتملة
قائمة الفصول (13)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة