لم تكن يارا تعلم أن كل خطوة خطتها منذ لحظة دخولها كانت مراقَبة بعناية أكبر بكثير مما تخيلت. فبينما كانت تتحرك بحذر بين الممرات الجانبية بحثًا عن آدم، ظهرت أمامها فجأة امرأتان من طاقم الأمن النسائي، ابتسامتان باردتان مصطنعتان على وجهيهما.
"سيدتي تطلب رؤيتك،" قالت إحداهما بأدب مصطنع لا يخفي التهديد الكامن خلفه، بينما أمسكت الأخرى بذراعها بقبضة لا تقبل الرفض.
حاولت يارا أن تقاوم، أن تصرخ، لكن يدًا أخرى أطبقت على فمها بسرعة، وسُحبت نحو ممر جانبي معزول، بعيدًا عن أعين الضيوف وضوضاء الموسيقى.
وفي غرفة أخرى من المنزل، كانت لمى بدورها تُقتاد بهدوء رهيب من قبل اثنين من حراسة أمها، وجهها شاحب تمامًا، تدرك أن أمها كانت تعرف كل شيء منذ البداية.
وقفت كريمة في وسط غرفة داخلية فارغة من الضيوف، هادئة تمامًا، تراقب دخول الفتاتين المذعورتين أمامها بعينين لا تحملان أي مفاجأة.
"كنت أعلم أنك ستأتين يا لمى، ابنتي الطيبة الحمقاء،" قالتها بصوت بارد، ثم استدارت نحو يارا. "وأنتِ... الفتاة التي ظنت نفسها بطلة في قصة ليست قصتها. لم يكن من الصعب توقع أن آدم سيحاول شيئًا في هذه الليلة تحديدًا، لذا جهّزت كل شيء منذ أيام، وانتظرت فقط أن تقعا في الفخ بأقدامكما."
نظرت إلى يارا بابتسامة قاسية.
"الآن، أصبح لديّ تأمين إضافي، ورقتان بدل ورقة واحدة. آدم لن يجرؤ على فعل أي شيء متهور بعد الليلة وأنتما بحوزتي."
أمرت رجالها بصوت هادئ، لا يشوبه أي انفعال:
"خذوهما إلى المكان المعتاد. بهدوء، ودون أن يلاحظ أحد من الضيوف شيئًا."
لم يكن آدم يعلم شيئًا مما يحدث، كان لا يزال يشق طريقه بين الحشود، قلبه يخفق بعنف، ينادي بصوت خافت مذعور في كل ممر يمر به:
"يارا؟ يارا، أين أنتِ؟"
وصل أخيرًا إلى الممر الجانبي حيث اختفت أخيرًا، ووجد على الأرض شيئًا صغيرًا لمع تحت الإضاءة الخافتة: دبوس شعرها، الدبوس الجديد الذي اشتراه لها بنفسه قبل أيام، ملقى وحيدًا على الأرض الرخامية.
التقطه بيد ترتجف، وشعر بالأرض تدور تحته. لم تكن هناك آثار قتال واضحة، لا شيء سوى هذا الدبوس الصامت الذي يحمل رعبًا أكبر من أي صراخ.
اقترب من أحد حراس الممر بخطى متسرعة، محاولًا أن يبدو طبيعيًا كأحد أفراد الطاقم رغم الذعر الذي يكاد يخنقه.
"هل مرت من هنا فتاة، ترتدي زي الطاقم، منذ قليل؟"
نظر إليه الحارس بريبة مفاجئة، وكأن سؤاله وحده كان كافيًا لإثارة الشكوك.
"من أنت أصلًا؟ لماذا تسأل عن هذا؟"
في تلك اللحظة، سمع آدم صوت زياد يهمس بفزع في سماعته:
"آدم، الحراسة بدأت تتحرك بشكل غريب في كل الجهات، أسمع أوامر متبادلة عبر اللاسلكي الخاص بهم، أظن أنهم اكتشفوا شيئًا. يجب أن تخرج الآن، فورًا، قبل أن يغلقوا كل المخارج!"
"لن أخرج بدونها يا زياد!" همس آدم بصوت مخنوق بالغضب واليأس معًا.
"آدم، إن قُبض عليك الآن، فلن تستطيع مساعدتها أو مساعدة لمى إطلاقًا! فكر بعقلك لا بقلبك، أرجوك!"
وقف آدم للحظة، صراع داخلي عنيف يمزقه، قبضته تضم دبوس الشعر بإحكام مؤلم، قبل أن يستسلم أخيرًا لصوت العقل المّر، ويبدأ التراجع نحو المخرج، كل خطوة يخطوها تشعره وكأنه يخون شيئًا لا يمكن تعويضه.
وصل آدم إلى السيارة لاهثًا، وجهه شاحب تمامًا، ودبوس الشعر لا يزال مقبوضًا في يده بإحكام كأنه آخر ما تبقى منها.
انطلق زياد بالسيارة فورًا بمجرد أن أغلق آدم الباب، مبتعدًا عن محيط المنزل بأقصى سرعة ممكنة دون أن يلفت الأنظار.
لم ينبس آدم بكلمة واحدة طوال الطريق، عيناه مثبتتان على الدبوس الصغير بين أصابعه، وكأن العالم كله انكمش في تلك القطعة المعدنية الصغيرة.
بمجرد وصولهما إلى شقة زياد، انفجر آدم أخيرًا. ضرب الحائط بقبضته بقوة جعلت زياد يتراجع خطوة للخلف مذعورًا.
"هذا كله بسببي!" صرخ آدم، صوته يحمل غضبًا وألمًا لا يوصفان. "لو لم أدخل حياتها من الأساس، لكانت الآن آمنة في بيتها، تعيش حياتها الطبيعية! ولمى، أختي، أنا من عرّضها لهذا مرارًا وتكرارًا!"
"آدم، توقف،" حاول زياد أن يقترب منه بحذر. "لست المسؤول عن قسوة أمك، هي المسؤولة، لا أنت."
"سأذهب إليها الآن، سأسلّم نفسي مقابل أن تطلق سراحهما!" قال آدم فجأة، متجهًا نحو الباب بعزم أعمى.
أمسك زياد بذراعه بقوة، محاولًا إيقافه.
"وماذا سيفيد ذلك؟! هل تظن حقًا أن كريمة ستفي بأي وعد تقطعه لك بمجرد أن تسلّم نفسك؟ ستخسرك أنت أيضًا، دون أي ضمان حقيقي لهما!"
"إذن ماذا أفعل؟! أجلس هنا بلا حراك بينما هما في خطر؟!" صرخ آدم، دموع غضب وعجز تملأ عينيه لأول مرة منذ بداية هذه الرحلة كلها.
"تتنفس أولًا،" قال زياد بهدوء مقصود، محاولًا أن يكون الصوت العاقل الوحيد في الغرفة. "يارا ليست ضعيفة يا آدم، رأيت بنفسك ما تفعله حين تُهدَّد. إنها قوية، وذكية، وستجد طريقة لتصمد حتى نصل إليها. وكريمة، مهما كانت قاسية، تحتاجهما حيّتين الآن، هما ورقتها الوحيدة ضدك، ولن تخاطر بخسارتهما بسهولة."
جلس آدم أخيرًا على الأرض، ظهره مستند إلى الحائط، وجهه بين يديه، صمت ثقيل يملأ الغرفة الصغيرة، لا يقطعه سوى أنفاسه المتقطعة وهو يحاول استعادة بعض التماسك المفقود.
مرّت دقائق طويلة ثقيلة قبل أن يُقرع جرس الباب فجأة، صوت حاد كسر الصمت المطبق في الشقة. تجمّد الاثنان في مكانيهما.
"هل تتوقع أحدًا؟" همس زياد بحذر شديد.
هزّ آدم رأسه نفيًا، ونهض ببطء، كل عضلة في جسده متوترة استعدادًا لأي شيء. اقترب من الباب بحذر، ونظر عبر عين الباب الصغيرة.
كان سامر.
فتح آدم الباب بعنف مفاجئ، وقبل أن ينطق سامر بكلمة واحدة، انهالت قبضة آدم على وجهه بكل الغضب المكبوت طوال الساعة الأخيرة، فسقط سامر إلى الخلف مرتطمًا بجدار الممر الخارجي.
"أنت! بسببك تحديدًا وصلنا إلى هذا!" صرخ آدم وهو يقترب منه من جديد، مستعدًا لضربة أخرى.
لم يحاول سامر أن يدافع عن نفسه، لم يرفع يده حتى ليتقي الضربة القادمة، فقط رفع عينيه نحو آدم، دم خفيف يسيل من شفته المشقوقة، ونظرة لم يرها آدم في عيني صديق طفولته منذ سنوات طويلة: ندم حقيقي.
"اضربني إن كان هذا سيريحك،" قال سامر بصوت هادئ متعب. "أستحق ذلك وأكثر. لكن اسمعني أولًا، جئت لأساعدكم، لا لأؤذيكم."
توقف آدم، قبضته لا تزال مرفوعة، لكن شيئًا في نبرة سامر جعله يتردد.
"لماذا عليّ أن أصدقك بعد كل شيء؟" سأله بصوت لا يزال يحمل حذرًا شديدًا.
"لأنني رأيت الليلة ما لم أستطع تحمّله بعد الآن،" أجاب سامر وهو ينهض ببطء، يمسح الدم عن شفته. "حين أُحضرت لمى ويارا أمام كريمة، هددت أمامكم بأنها إن لم تحصل عليك أنت، فلن تتردد في أن تجعل من الفتاتين مثالًا يُخيف أي شخص آخر قد يفكر يومًا في مساعدتك. وحين قالت ذلك، تذكرت فجأة أختي الصغيرة، وأدركت أنني كنت سأسمح لنفس هذه المرأة أن تفعل بأي إنسان بريء ما تفعله بك منذ سنوات، فقط لأنني كنت خائفًا جدًا من أن أخسر حمايتها لي."
نظر آدم إليه طويلًا، صراع بين الغضب والحاجة الملحة للمعلومات يتصارعان في داخله.
"أين هما الآن؟" سأله أخيرًا بصوت حاد.
"تحتجزهما في بيت الضيافة القديم، خارج المدينة، الملكية العائلية القديمة التي لا يعرف عنها أحد من خارج الدائرة المقربة منها، لا ترتبط رسميًا بالشركة، ولهذا لن يبحث عنها أحد هناك." أجاب سامر بسرعة، وكأنه يفرغ كل ما يعرفه دفعة واحدة قبل أن يغيّر رأيه. "لكن هناك ما هو أخطر من ذلك يا آدم."
"ماذا تقصد؟" سأل آدم بقلق متصاعد.
"سمعتها تتحدث في الهاتف الليلة، بعد أن أُحضرتا مباشرة،" تابع سامر بصوت أكثر توترًا. "إنها تخطط لمغادرة البلاد خلال يومين، بعد أن تنقل كل أصولها السائلة إلى حسابات خارجية أنشأتها منذ أشهر. هذا يعني أنها لن تحتفظ بهما كورقة ضغط إلى الأبد، آدم. بمجرد أن تحصل منك على ما تريد، أو حين تشعر أنك لم تعد تشكل خطرًا يستحق العناء، لن يكون لديها سبب يبقيهما على قيد الحياة."
شحب وجه آدم تمامًا، وشعر زياد بالغرفة تضيق حوله من هول ما سمعه للتو.
"إذن ليس أمامنا الكثير من الوقت،" قال آدم بصوت منخفض، عزم بارد يحل محل الغضب في عينيه الآن.
"لا، ليس أمامنا وقت طويل على الإطلاق،" أكّد سامر بجدية. "لكنني سأساعدكم هذه المرة، بكل ما أملك، حتى النهاية."
حنان