لم يمّر وقت طويل قبل أن يصل الخبر إلى كريمة: الحارس الذي فقد وعيه استيقظ أخيرًا، مرتبكًا وخائفًا، ليخبرها أن الفتاتين اختفتا، وأن شخصًا تسلل إلى المكان بمساعدة من يعرفه جيدًا.
وقفت كريمة صامتة للحظة طويلة بعد سماع التقرير، لا أثر لغضب صاخب على وجهها كما توقع من حولها، بل هدوء بارد أكثر إثارة للقلق من أي انفعال.
"إذن نجح أخيرًا في شيء ما،" همست لنفسها بابتسامة رفيعة غامضة. "هذا يعني أنه لن يهرب بعد الآن. سيأتي إليّ بنفسه، عاجلًا لا آجلًا، لأن هذا ما يفعله دائمًا حين يظن أنه انتصر: يتهور."
استدارت نحو رجال أمنها المصطفين حولها بانتظار الأوامر.
"حين يصل إلى هنا، ومهما كان معه، لا يلمسه أحد، ولا يلمس أي شخص يرافقه،" أمرتهم بصوت حازم لا يقبل أي استفسار. "دعوه يدخل بكامل حريته. أريد أن أتحدث معه بنفسي، وجهًا لوجه، هذه المرة."
في شقة زياد، كان آدم يرتدي معطفه استعدادًا للخروج وحيدًا، وجهه هادئ بعزم من اتخذ قراره نهائيًا. لكن يارا وقفت أمام الباب قبل أن يصل إليه، تمنعه بجسدها الصغير من المرور.
"سآتي معك،" قالت بصوت لا يقبل النقاش.
"يارا، لا. هذه المرة سأذهب وحدي،" حاول آدم أن يقنعها، صوته مليء بقلق حقيقي عليها. "لا أعرف ماذا ستفعله حين تراني، ولن أسامح نفسي إن حدث لك أي مكروه آخر بسببي."
"ولن أسامح نفسي أنا إن تركتك تواجهها وحدك بعد كل ما مررنا به معًا،" أجابت بحزم أهدأ، واقتربت منه خطوة، وأمسكت بيده بقوة، أصابعها متشابكة مع أصابعه بإحكام. "لن أفلت يدك هذه المرة يا آدم، سواء أعجبك ذلك أم لا."
نظر إليها آدم طويلًا، شيء في عينيها الثابتتين جعله يدرك أن لا جدال سيغيّر قرارها، فأومأ برأسه أخيرًا، وأبقى يده متشابكة مع يدها، وخرجا معًا نحو مصير مجهول تمامًا.
وقفا أمام بوابة المنزل الكبير التي طالما مثّلت لآدم كابوسًا متكررًا طوال أشهر، ودفعاها بحذر، متوقعين مقاومة، صراخًا، أي شيء.
لكن لا شيء من ذلك حدث.
مرّا عبر الحديقة، ثم البهو الرئيسي، تحت أعين عشرات الحراس المنتشرين في كل زاوية، لكن لا يدًا واحدة امتدت لإيقافهما، لا صوت واحد ارتفع باعتراض. فقط صمت مطبق مخيف، وأعين تراقب دون أن تتحرك، وكأن المكان كله أُمر بألا يقف في طريقهما. كان يعرف بالفعل أنهما قادمان.
شعر آدم بيد يارا تشتد حول يده أكثر مع كل خطوة، وأدرك أنها تشعر بالشيء نفسه الذي يشعر به هو: هذا ليس تراجعًا من كريمة، بل فخ مفتوح على مصراعيه، تنتظرهما فيه هي بنفسها.
وصلا أخيرًا إلى الصالة الكبرى، حيث وقفت كريمة وحدها في المنتصف، أنيقة كعادتها، هادئة تمامًا، وكأنها تستقبل ضيوفًا في مناسبة عادية لا مواجهة تنتهي بها أشهر من الهروب والخوف.
نظرت كريمة إلى يارا أولًا، قبل أن تنظر حتى إلى آدم، بابتسامة باردة مدروسة بعناية.
"أنتِ الفتاة إذن،" قالتها بنبرة تحمل استخفافًا مغلفًا بلطف مصطنع. "الفتاة التي قررت أن تربط مصيرها بشاب هارب، متهم ضمنيًا، لا تملك عائلته سوى الفضائح. أخبريني بصدق، هل تعرفين حقًا من يكون آدم؟ هل تعرفين ما فعله، وما هو قادر على فعله حين يُدفَع إلى الزاوية؟"
شعرت يارا بيد آدم ترتجف قليلًا بجانبها، لكنها لم تتراجع، بل خطت خطوة إلى الأمام، صوتها ثابتًا تمامًا.
"أعرف أنه الشخص الذي واجه اكتشاف مقتل والده بشجاعة بدل أن يصمت مثل أي شخص آخر كان سيفعل خوفًا منكِ،" أجابت بحزم. "وأعرف أنه الشخص الذي، رغم كل الخطر المحدق به، لم يتوقف يومًا عن القلق عليّ أكثر من قلقه على نفسه. أظن أنني أعرفه أفضل بكثير مما تتخيلين، وأفضل بكثير مما تعرفينه أنتِ نفسك."
ارتسمت على وجه كريمة ابتسامة أعمق، أكثر برودة هذه المرة، وكأن إجابة يارا الجريئة أثارت إعجابها القسري رغمًا عنها قبل أن تعود إلى قناعها البارد المعتاد.
"كلام جميل ومثالي، تمامًا كما توقعت من فتاة في سنكِ،" قالت بسخرية خفية. "لنرَ إن كنتِ ستظلين واثقة بهذا الكلام الجميل، بعد أن تسمعي مني، أنا شخصيًا، ما فعلته حقًا. أظن أن الصدق المباشر أحيانًا أقسى بكثير من أي تخمين."
أشارت كريمة بيد هادئة نحو الأرائك الفاخرة المصطفة في الصالة.
"تفضلا بالجلوس، لا داعي لكل هذا التوتر الواقف بيننا."
لم يتحرك آدم ولا يارا من مكانهما، وقفا متجاورين بصمت رافض واضح.
ابتسمت كريمة ابتسامة رقيقة باردة أمام هذا العناد الصامت، ولم تجادل، بل تقدمت هي نفسها وجلست بأناقة على الأريكة الرئيسية، تعبر ساقًا فوق أخرى بهدوء من لا يخشى شيئًا في هذا العالم.
"لا بأس، ابقيا واقفين إذن، لكنني سأجلس أنا، فالكلام الذي أوشك أن أقوله يستحق بعض الراحة." قالتها بنبرة خفيفة تكاد تكون مرحة، مفزعة في برودها.
بينما كانت كريمة تستقر في جلستها، شعرت يارا بيدها تتحرك بهدوء شديد نحو دبوس شعرها الجديد، ذلك الذي اشتراه لها آدم قبل أيام، والذي أضاف إليه زياد، دون علم أحد سواهما، جهاز تسجيل صوتي دقيق للغاية، لا يبث أي إشارة يمكن رصدها، احتياطًا فكّر فيه زياد بذكاء قبل هذه المواجهة تحديدًا. ضغطت يارا بإصبعها بلطف على الزر الصغير المخفي في قاعدة الدبوس، بحركة تبدو وكأنها مجرد لمسة عابرة لتثبيت شعرها المتطاير.
لم تلحظ كريمة شيئًا، واسترسلت في الحديث بثقة من لا يتخيل أن كلماته قد تُحفَظ يومًا.
"نعم يا آدم، سأقولها بصراحة كاملة الآن، لأنني أعرف أنه لا يوجد شيء يمكنك فعله بها على أي حال،" بدأت كريمة، صوتها هادئ تمامًا وكأنها تروي حكاية عابرة. "قتلت والدك. بيدي أنا، ببطء، وبذكاء لم يشكّ فيه أحد لحظة واحدة. كان مزعجًا في النهاية، تمامًا مثلك أنت الآن، دائم الأسئلة، دائم الشك في كل قرار مالي أتخذه، وبدأ يتحدث عن تعديل وصيته، عن سحب الشركة من يدي شيئًا فشيئًا. لم أكن لأسمح بذلك بعد كل السنوات التي قضيتها بجانبه، أتحمّل كل شيء من أجل هذه الحياة التي بنيتها."
ارتجفت يد آدم بجانب يارا، غضب وألم يتصارعان في عينيه وهو يسمع الحقيقة أخيرًا بصوت مرتكبتها نفسها، بلا ندم واحد يشوب نبرتها الهادئة.
"ماذا تريدين مني إذن؟" سأل آدم أخيرًا بصوت متهدج، يحاول جاهدًا أن يبقيه ثابتًا رغم كل شيء. "لماذا استدعيتني إلى هنا حقًا، ولماذا تخبرينني بكل هذا بهذا الهدوء، إن كنتِ واثقة تمامًا أنه لن يصل إلى أي مكان؟"
نظرت إليه كريمة طويلًا، ثم ابتسمت ابتسامة أخيرة، أقرب إلى نهاية مسرحية طويلة أدّتها بإتقان.
"أريدك أن تختفي، بهدوء، ونهائيًا،" أجابت ببساطة مرعبة. "توقّع عن حقك في الشركة وفي إرث والدك بالكامل، وغادر البلاد إلى حيث تشاء، ولن أطاردك بعدها، ولن ألمس لمى بشيء طالما بقيت بعيدًا وصامتًا. هذا عرضي الوحيد، وهو سخي أكثر مما تستحقه في الحقيقة."
"وإن رفضت؟" سأل آدم بصوت أكثر حزمًا فجأة.
ارتفع حاجب كريمة قليلًا، مستمتعة بهذا التحدي الأخير الصغير.
"إذن ستكتشف أن كلمة ابن هارب، بلا دليل واحد، لن تساوي شيئًا أمام كلمتي أنا في أي مكان في هذه المدينة. فكّر جيدًا يا آدم، فالخيار الذكي واحد فقط."
لم تكن كريمة تعلم أن سامر، بعد نجاح عملية إنقاذ يارا ولمى مباشرة، لم يعد برفقة آدم وزياد إلى الشقة كما ظنّا. توقف فجأة عند باب السيارة، ووضع يده على كتف آدم للحظة قصيرة.
"اذهبا أنتما، عندي أمر يجب أن أنجزه بمفردي الآن،" قال بسرعة، دون أن يوضح شيئًا آخر، قبل أن يختفي في الظلام مبتعدًا سيرًا على الأقدام، تاركًا آدم مرهقًا وقلقًا للغاية على يارا ولمى لدرجة لم تسمح له حتى بالتساؤل طويلًا عن وجهة سامر الغامضة.
لم يكن آدم يعلم شيئًا عمّا كان سامر ينوي فعله في تلك اللحظة بالذات. فبينما كانت كل قوات أمن كريمة الرئيسية قد استُدعيت على عجل نحو بيت الضيافة القديم للتحقيق في حادثة الاقتحام والهروب، بقي المنزل الرئيسي شبه فارغ من الحراسة لأول مرة منذ أشهر طويلة، فرصة ذهبية أدركها سامر فورًا بحكم معرفته الدقيقة بجداول الحراسة وتحركاتها.
تسلل إلى الداخل من مدخل جانبي يعرفه جيدًا، صعد مباشرة إلى المكتبة في الطابق العلوي، ووجد اللوحة التي وصفتها لمى لآدم في ليلة الحفل، وخلفها الخزنة الصغيرة المخبأة بعناية. أدخل الرمز الذي همس به آدم في أذنه سريعًا أثناء تسللهما نحو بيت الضيافة قبل ساعات، تحسبًا لأي طارئ قد يحتاجه أحدهما لاحقًا دون أن يخبر الآخر بالضبط لماذا.
فتحت الخزنة بصوت طقطقة معدني خافت، ووجد بداخلها بالضبط ما وصفه له آدم: ملفات طبية، فواتير أدوية موقعة، ورسائل بريد إلكتروني مطبوعة تكشف تواصلًا مريبًا بين كريمة وصيدلي معين قبل وفاة والد آدم مباشرة. جمع كل شيء بسرعة داخل حقيبة صغيرة أحضرها معه لهذا الغرض تحديدًا، وخرج من المنزل بهدوء تام دون أن يلاحظه أحد، ثم انتظر بصبر في مكان قريب، يراقب من بعيد حتى رأى آدم ويارا يدخلان البوابة الرئيسية أخيرًا، فتبعهما بحذر شديد نحو الداخل.
وفي تلك اللحظة بالضبط، بينما كانت كريمة لا تزال تستمتع بلحظة انتصارها المفترض أمام آدم الصامت، انفتح باب الصالة الكبرى فجأة خلفهم.
دخل سامر بخطى واثقة هذه المرة، لا أثر للتردد الذي عرفه فيه آدم طوال الأسبوع الماضي، حاملًا الحقيبة الصغيرة أمامه بكلتا يديه.
"في الواقع،" قال سامر بصوت واضح يملأ الصالة الصامتة فجأة، "أظن أنه يملك أكثر مما تتخيلين بكثير يا سيدتي."
استدار آدم نحوه بذهول تام، لا يفهم من أين ظهر سامر فجأة، ولا ماذا يحمل بالضبط، بينما تجمّد وجه كريمة للمرة الأولى منذ بداية هذه المواجهة بأكملها، وللمرة الأولى منذ زمن طويل جدًا، ارتسمت عليه ملامح لم تعتد إظهارها لأحد: صدمة حقيقية، غير محسوبة، وغير مسيطر عليها إطلاقًا.
حنان