بعد أن نزع آدم القناع عن وجهه، وبعد أن غمرها الغضب والصدمة، شعرت يارا فجأة بثقل كل ما حدث يهبط عليها دفعة واحدة. خطوة إلى الوراء، ثم أخرى، ثم استدارت فجأة.
"سأذهب. هذا لا يخصني، ولم يكن يجب أن يخصني من الأصل." قالتها بصوت متهدج وهي تبدأ بالمشي مبتعدة عنه بخطى سريعة تكاد تكون هروبًا.
"يارا، انتظري!" ركض آدم خلفها، وأمسك بذراعها بلطف لكن بإصرار. "لا يمكنك الذهاب الآن. إن غادرتِ في هذه الحالة، وحدك، في هذا الوقت، فأنتِ في خطر أكبر مما تتخيلين. أمي تعرف وجهكِ الآن، وسامر أيضًا."
انتزعت يارا ذراعها من يده بحركة عصبية، لكنها لم تكمل السير. وقفت في مكانها، أنفاسها متسارعة، ودموع غاضبة بدأت تتجمع في عينيها دون أن تسمح لها بالسقوط.
ابتعدت خطوات قليلة إضافية، وجلست على حافة رصيف بارد في زاوية مظلمة من الشارع، احتضنت ركبتيها بذراعيها، وتركت نفسها أخيرًا تنهار. بكت بصمت في البداية، ثم بصوت مسموع، كل التوتر والخوف الذي كتمته طوال اليوم انفجر دفعة واحدة.
اقترب منها آدم بحذر شديد، وجلس على مسافة قصيرة منها، لا يعرف إن كان يجب أن يقترب أكثر أو يترك لها مساحتها.
"هل أنتِ بخير؟" سألها بصوت خفيض، مليء بالقلق الحقيقي.
رفعت رأسها إليه، وعيناها الحمراوان تحملان غضبًا خالصًا هذه المرة.
"هل أنا بخير؟! كل هذا بسببك! أنت من جعلني عالقة في هذا الكابوس، وأنت الآن من يخبرني أنني لا أستطيع حتى العودة إلى بيتي! كيف يُفترض بي أن أثق بك أصلًا؟!"
لم يجد آدم كلمة يقولها. نظر إليها فقط، عاجزًا، وشعوره بالذنب يزداد ثقلًا مع كل دمعة تسقط من عينيها بسببه.
مسحت يارا وجهها بكفّيها بحركة عنيفة، وأخذت نفسًا عميقًا، كأنها قررت أن تواجه الأمر بدل أن تهرب منه.
"حسنًا،" قالت أخيرًا بصوت أكثر هدوءًا، وإن كان لا يزال مرتجفًا. "أخبرني بكل شيء. أريد أن أفهم. من أنت؟ ولماذا تريد أمك قتلك حقًا؟"
نظر إليها آدم طويلًا، وكأنه يزن في داخله إن كان الوقت قد حان أخيرًا ليقول الحقيقة كاملة لشخص غريب عنه تمامًا حتى هذا الصباح. ثم بدأ يتكلم، بصوت هادئ لكنه مثقل بسنوات من الألم المكتوم.
"كريمة ليست أمي الحقيقية. أمي توفيت وأنا صغير جدًا، بالكاد أتذكر ملامحها. بعدها بسنوات قليلة، تزوج أبي منها. في البداية ظننت أنها تحبنا، تحب أبي على الأقل. لكن مع الوقت، أدركت أنها لم تكن تريد سوى شيء واحد: المال."
توقف للحظة، وكأنه يجمع قوته لمتابعة ما هو أصعب.
"منذ حوالي سنتين، مرض أبي فجأة، بشكل غريب لم يسبقه أي تاريخ مرضي حقيقي. تدهورت حالته بسرعة كبيرة جدًا، حتى توفي. قالوا إنه المرض. صدّقت ذلك في البداية، مثل الجميع."
ابتلعت يارا ريقها، تشعر أن ما سيقوله بعد ذلك سيكون أثقل بكثير.
"لكنني لم أستطع أن أتقبل الأمر بسهولة كما فعل الآخرون. بدأت أبحث، أسأل، حتى وجدت ما لم يكن يجب أن أجده: أدوية كانت تُعطى لأبي، بجرعات وتركيبات لا علاقة لها بعلاجه الحقيقي. كريمة هي من كانت تشرف على كل شيء بنفسها، ترفض أن يقترب أحد سواها من غرفته."
نظر إلى يارا مباشرة، عيناه تحملان ألمًا عميقًا رآه فيهما لأول مرة بهذا الوضوح.
"قتلته يارا. بيدها. ببطء، وبهدوء، حتى لا يشك أحد."
اتسعت عينا يارا صدمة، ويدها ارتفعت تلقائيًا لتغطي فمها.
"واجهتها بما اكتشفته. أخبرتها أنني سأذهب إلى الشرطة، أنني سأكشف كل شيء مهما كلّفني الأمر. لكنها لم ترتبك، لم تخف، فقط ابتسمت تلك الابتسامة الباردة التي تعرفها أختي جيدًا، وقالت لي بهدوء إنها إن لم تستطع فعل شيء بي مباشرة، فلن يصعب عليها أن تفعل شيئًا بلمى."
"استخدمت أختك كوسيلة ضغط ضدك..." همست يارا مصدومة.
"بالضبط. أبقتني في المنزل بعدها تحت حجج كثيرة، مراقبة دائمة، لا أستطيع الخروج وحدي، ولا التحدث لأحد بحرية. عشت أشهرًا كسجين في بيتي. حتى قررت أن الهروب هو الخيار الوحيد المتبقي لي، ولو كان الأخطر. منذ تلك اللحظة، وأنا هارب، وهي تبحث عني لتتخلص مني نهائيًا قبل أن أجد طريقة لإثبات ما فعلته أمام القانون."
ساد صمت ثقيل بينهما بعد أن أنهى كلامه، لا شيء سوى صوت الريح الباردة تمر بينهما. نظرت يارا إليه طويلًا، وشعرت بالخجل يجتاحها من كل الكلمات القاسية التي وجهتها له قبل قليل.
"أنا آسفة،" قالت أخيرًا بصوت هادئ. "آسفة لأنني غضبت عليك. لم أكن أعرف أن الأمر بهذا الحجم."
"لم يكن يجب أن تعرفي أصلًا،" أجاب آدم بمرارة خفيفة. "لم يكن يجب أن تتورطي في أي شيء من هذا."
"لكنني تورطت،" قالت يارا بحزم مفاجئ، وكأنها اتخذت قرارها للتو. "وبما أنني هنا الآن، فلن أهرب. سأبقى، على الأقل حتى أفهم كيف أخرج من هذا بأمان، وربما... أساعدك أنت أيضًا."
نظر إليها آدم بامتنان صامت، لم يجد كلمات كافية ليعبر بها عن ثقل ما قالته للتو.
"وأختك؟" سألته يارا بعد لحظة، القلق يعود إلى صوتها. "هل ستكون بخير بعد كل هذا؟"
"كريمة لن تؤذيها الآن على الأقل،" أجاب آدم بثقة حزينة. "لمى بالنسبة لها مثل الطُعم، الوسيلة الوحيدة التي تضمن بها أنني قد أعود يومًا ما من تلقاء نفسي. لن تخسر ورقتها الوحيدة بهذه السهولة."
نهض آدم بعد صمت قصير، ونفض الغبار عن ملابسه.
"سأذهب لأحضر لنا شيئًا نأكله. لا بد أنكِ جائعة."
"انتظر،" أوقفته يارا وهي تفتح حقيبتها الصغيرة. "عندي خبز وقليل من الحليب، اشتريتهما من المتجر قبل كل هذا. يكفينا لهذه الليلة، ولا داعي لأن تخرج الآن وتخاطر بأن يراك أحد."
نظر إليها آدم للحظة، يقرأ في عينيها أنها لا تزال حذرة، لا تثق به تمامًا بعد، فضّل أن يبقى قريبًا منها حيث تراه بدل أن يغيب عنها في الظلام. لم يعلّق على ذلك، فقط أومأ برأسه موافقًا، وجلس من جديد.
تقاسما الخبز والحليب في صمت هادئ هذه المرة، صمت مختلف تمامًا عن التوتر الذي ساد بينهما طوال اليوم.
"هل كنت تتبعني طوال اليوم؟" سألته يارا فجأة، سؤال كان يشغل بالها منذ ساعات. "منذ متى بالضبط؟"
رفع آدم حاجبيه مندهشًا، لم يتوقع منها هذا السؤال بهذه المباشرة.
"كيف عرفتِ ذلك أصلًا؟"
"شعرت بذلك،" أجابت يارا بهدوء، وكأنها تشرح إحساسًا يصعب وصفه بالكلمات. "حتى وأنا مع سامر، كان هناك شيء في داخلي يقول لي إن هناك من يراقبني أيضًا، شخصًا آخر غيره. لم أكن متأكدة، لكن الإحساس لم يفارقني، وأردت فقط أن أتأكد أنه لم يكن مجرد خيال مني."
تنهد آدم، لا مفر من الصدق الآن.
"منذ المتجر. رأيتكِ هناك، عرفت من ملامحك أنكِ الفتاة التي اصطدمت بي في الصباح. تبعتكِ من بعيد، حتى وصلتِ إلى بيت سامر."
"ولماذا لم تأتِ إليّ مباشرة؟ لماذا لم تأخذ محفظتك ببساطة وتنتهي الأمر؟" سألته بحيرة حقيقية هذه المرة، لا غضب.
"لأنني كنت خائفًا أن يجرّك الاقتراب مني إلى مشاكل لا ناقة لكِ فيها ولا جمل. ظننت أن أبعدكِ عن الأمر كله أفضل حل، حتى لو كلّفني ذلك أن أراقبكِ من بعيد فقط."
ابتسمت يارا ابتسامة خفيفة، فيها سخرية لطيفة رغم كل شيء.
"حسنًا، أظن أن خطتك فشلت تمامًا، لأنني الآن في مشكلة أكبر بكثير مما كنت سأكون لو أعطيتني المحفظة ببساطة في الصباح." ضحكت ضحكة قصيرة تعجبت هي نفسها من قدرتها على الضحك بعد كل هذا اليوم.
ضحك آدم معها، وللحظة بدا الجو أخف بكثير مما كان.
"بالمناسبة،" قالت يارا فجأة وكأنها تتذكر شيئًا، "لم أخبرك باسمي الكامل حتى، ولا أنت أخبرتني بشيء عن نفسك حقًا."
"صحيح تمامًا،" ابتسم آدم. "لنبدأ من جديد إذن. أنا آدم، طالب في السنة الثالثة بكلية إدارة الأعمال."
"يارا،" قالت بدورها بابتسامة أهدأ، "طالبة في السنة الأولى بكلية علوم الحاسوب."
"السنة الأولى؟" رفع حاجبه مندهشًا قليلًا. "إذن أنا أكبر منكِ بسنتين على الأقل."
"يبدو ذلك،" ضحكت يارا. "أخيرًا شيء عادي نتحدث عنه اليوم."
مع تقدم الليل، بدأ التعب يثقل جفني يارا شيئًا فشيئًا، حتى استسلمت أخيرًا للنوم وهي جالسة مستندة إلى الجدار البارد. لاحظ آدم ذلك، فنزع سترته بهدوء شديد حتى لا يوقظها، وغطّاها بها بلطف، ثم جلس بجانبها، يراقب الشارع الهادئ في الخارج، عازمًا على ألا يغمض له جفن طوال الليل، حارسًا وحيدًا لنومها.
في تلك الأثناء، في منزل كريمة الفخم، كان سامر يقف أمامها، وجهه لا يزال يحمل آثار الضربات التي تلقاها، بينما هي تحدّق فيه بعينين لا ترحمان.
"تقصد أنك فقدت أثرهما؟! ببساطة هكذا؟!" صوتها ارتفع بحدة نادرًا ما سُمعت بها.
"قاومني آدم بشراسة لم أتوقعها،" حاول سامر أن يبرر فشله.
ضربت كريمة يدها على المكتب بقوة، فارتجف كل شيء فوقه.
"لا أريد أعذارًا. أريد نتائج. جد كل وسيلة ممكنة، استخدم كل معارفك، وكل من يدين لي بمعروف في هذه المدينة. لا يهمني الثمن، لكن يجب أن أعرف أين هما بحلول الغد."
"سأفعل ذلك،" قال سامر منحنيًا برأسه قليلًا، قبل أن يغادر المكتب بخطى سريعة، عازمًا هذه المرة على ألا يفشل مجددًا.
أشرقت الشمس ببطء على الشارع الهادئ، وفتحت يارا عينيها ببطء أيضًا، لتشعر بدفء غريب يلفّ جسدها: سترة آدم لا تزال فوق كتفيها. ابتسمت لثانية دون وعي منها، قبل أن تدرك فجأة أن المكان بجانبها فارغ.
"آدم؟" نادت بصوت قلق، وجلست منتصبة بسرعة، عيناها تفحصان المكان الصغير بحثًا عنه. "آدم!"
خوف مفاجئ اجتاحها: هل تركها وحدها؟ هل حدث له شيء؟ هل كان كل ما قاله البارحة مجرد وسيلة لكسب ثقتها ثم يختفي؟
لكن قبل أن يتضخم قلقها أكثر، سمعت صوت خطوات تقترب، ثم ظهر آدم من زاوية الشارع، يحمل كيسًا صغيرًا فيه بعض الخبز الطازج وعصير برتقال.
"أحضرت لنا فطورًا بسيطًا،" قال وهو يجلس أمامها، ثم لاحظ أثر الخوف الذي لم يغادر عينيها بعد. "ما الأمر؟ لا تزالين لا تثقين بي حتى بعد كل ما أخبرتك به البارحة؟"
"خفت فقط... ظننت أنك غادرت." اعترفت يارا بصدق مباغت فاجأها هي نفسها.
ابتسم آدم ابتسامة دافئة، أكثر صدقًا من أي ابتسامة أخرى ظهرت على وجهه منذ بدء هذه الرحلة.
"لن أتركك بهذه السهولة يا يارا. أعدك."
تناولا الفطور معًا بهدوء، والشمس الصباحية تخفف قليلًا من ثقل اليوم السابق. وبينما كانا يأكلان، تذكّر آدم شيئًا فجأة، وضرب جبهته بكفّه بخفة.
"نسيت أمرًا مهمًا. الهاتف الذي أرسلته لي لمى في الحقيبة، لا فائدة منه بلا شاحن، وأنا لم أحضر شاحنًا معي حين هربت. يجب أن أذهب لأشتري واحدًا، هذا الهاتف قد يكون وسيلتنا الوحيدة للتواصل مع لمى بأمان دون أن تراقبنا كريمة."
بدأ ينهض متجهًا نحو الخروج، فوقفت يارا معه فورًا.
"سآتي معك."
"يارا، الأفضل أن تبقي هنا، الشوارع قد لا تكون آمنة تمامًا بعد."
"لن أبقى وحدي هنا من جديد،" قالت بحزم لا يقبل النقاش. "سآتي معك، وسنكون حذرين فقط."
استسلم آدم لإصرارها بعد لحظة تردد قصيرة، ثم أخرج من كيس بجانبه قناعًا خفيفًا وقبعة، ومدّهما إليها.
"ارتدي هذا إذن، ولا تخلعي سترتي، ابقي متغطية بها قدر الإمكان. لا نريد أن يتعرف عليكِ أحد في الشارع."
ارتدت يارا القبعة والقناع، وسحبت سترته أكثر حول كتفيها، وخرجا معًا إلى الشارع المزدحم قليلًا في ذلك الصباح، يظنان أن أسوأ ما مرّا به قد انتهى.
لم يكونا يعلمان أن عينين كانتا تراقبانهما بالفعل من بعيد، منذ اللحظة الأولى التي خطوا فيها خارج المخبأ.
حنان