في قلب العاصمة العريقة سيلاريك، حيث تتراقص الأبراج الشامخة مع السماء الزرقاء، قرر ليون، أن يتجول قليلاً في أزقتها العتيقة، مستنشقًا عبق التاريخ من حوله. كانت العاصمة بمثابة لوحة فنية تتجلى فيها الجمال والنظافة، لكن هذا الوصف ينطبق على الجهة الغربية فقط، حيث تتلألأ الحدائق وتتراص القصور كجواهر متناثرة. وجد ليون نفسه في المنطقة ذاتها التي زارها ذات مرة مع أمه والآنسة ميلڤيا، حيث الذكريات تتردد كأصداء خفية بين الجدران العتيقة. كانت رغبته في احتساء كوب من الشاي في أحد المقاهي الراقية تغلي في صدره كما يغلي الماء في الإبريق. كان شرب الشاي الفاخر في مقهى تيموس تجربة تعانق الروح، وكان شاي وردة جواي، الذي يستورد من مملكة ڤاليلم العظيمة، هو المفضل لديه. شعب ڤاليلم، كانو معروفين بكبرايهم العالي و حبهم للفن و الرقي سواء كان عاميا فقيرا أو غنيا أو نبيلا سوف تجد انهنم يزخرون بالاناقة كما عرفت مدن ڤاليلم بأنها قبلة للسياح بسبب جمالها و نظافتها. بفخر ڤاليلم، لم يكن ليسمحوا بتوريد منتج معيب قد يشوه صورتهم النقية كمرآة البحيرة. جلس ليون على كرسي خارج المقهى، حيث الهواء العليل يداعب خصلات شعره. وبعد دقيقتين فقط، اقتربت نادلة لأخذ طلبه، وفي تلك اللحظة، لاحظ ليون كتابًا مهجورًا على طاولته. "همم، لمن يا ترى هذا الكتاب؟" تساءل ليون بفضول. "آه، هذا الكتاب تُرك هنا قبل يومين من قِبل رجل غريب الأطوار، كان يرتدي قبعة طويلة وبذلة سوداء ويحمل عصا. هل تعرفه؟" ردت النادلة بنبرة تحمل لمسة من الغموض. "قال إن الكتاب يلائم هذا المقعد، وفي النهاية نسيناه تمامًا... لحظة، هذا غريب، كيف لم ألاحظ هذا الكتاب طوال هذا الوقت؟" تأمل ليون الكتاب بعينين تشعان بالفضول، كان الكتاب بغلاف جلدي بني اللون، بسيط ولكنه يحمل هالة من الأسرار، لم يمتلك أي عنوان يدل على محتواه. "هل لا مشكلة إذا ألقيت نظرة عليه؟" استأذن ليون النادلة بأدب. ابتسمت النادلة وقالت، "طبعاً لا مشكلة، يمكنك أخذه إذا أردت، أظن أن الرجل قد تخلى عنه." "شكرًا لك، وأيضًا، أريد شاي وردة جواي من فضلك"، قال ليون بامتنان، ثم أضاف طلبه. "حسنًا"، أخذت النادلة الطلب وانصرفت، لكن ليس قبل أن تلقي نظرة خاطفة على ليون، فلا شك أن جاذبيته لم تمر مرور الكرام. أمسك ليون بالكتاب، وبدا عاديًا من الخارج، لكن عندما فتحه، سرعان ما أصيب بخيبة أمل، كان الكتاب فارغًا. "هاه... فارغ؟" تمتم ليون بدهشة، وهو يقلب الصفحات أملاً في أن يجد صفحة مكتوبة، لكن لا شيء سوى الفراغ يستقبله. كانت ظلال الصيف الذهبية، حيث تتراقص أشعة الشمس على الأرض كأنها موسيقى خفية، جلس لوين تحت مظلة تحجب عنه لهيب الشمس الحارق. كانت السماء صافية والنسيم يحمل عبق الزهور المتفتحة في الشوارع، حيث تمشي النساء بأناقة، مظلاتهن الشمسية ترفرف كأجنحة الفراشات. "غدًا هو اليوم الموعود الذي حددته مارتا للبحث عن ينبوع الأحلام،" تمتم لوين بصوت خافت كأنه يخاطب الشاي الذي يحتسيه، "لست متأكدًا من وجود هذا الينبوع، قالت مارتا أنه يوجد في الغابة الموجوده على الحدود الشرقية لسلاريك." تسلل القلق إلى قلبه وهو يفكر في الضفة الشرقية، ملاذ اللصوص والمجرمين كان هذا أكثر ما يقلقه في النهاية كانت الغابة الشرقة قد تمت تصفته. "أكثر ما يثير قلقي هي الضفة الشرقية، يجب أن نعبر من هناك لنصل إلى الغابة." الضفة الشرقية، حيث حتى الأمن الملكي يتردد في دخولها. "هل ستكون مارتا برفقة أحد من عائلة كارون؟" تساءل في سره. بينما كان يغرق في بحر أفكاره، أدرك أن كوب الشاي قد فرغ. "يجب أن أعود إلى المنزل،" قال لنفسه، والسماء تتلون بألوان الغسق، "فأمي لن تسر بتأخري." لم يكن لوين يرى نفسه مجرد مراهق، فذكريات حياة سابقة تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا تعيش في ذاكرته. وعلى الرغم من صعوبة التأقلم مع الحماية الزائدة من والديه، إلا أنه بدأ يقدر الحب الذي يحيط به، حتى أصبح شيئاً ثمينا يعتز به. وقف لوين مستعدًا للرحيل، لكن عينيه اصطدمتا بالكتاب مرة أخرى. "آه، كدت أنسى..." تمتم، والفضول يتملكه حيال الرجل الغامض الذي ترك الكتاب وراءه. بعد تردد قصير، أمسك بالكتاب ودفع ثمن الشاي، ثم انطلق نحو المنزل. بعد رحلة قصيرة في العربة، وصل إلى شارع الوردة البيضاء، حيث الزهور تزين الطريق كأنها نجوم تتلألأ على الأرض. وأمام باب قصر دينير، دفع لوين للسائق مبلغ 1 داي ونزل. عندما فتح الحارس ماكس البوابة العتيقة، تردد صدى الأقفال الحديدية في الهواء المسائي الدافئ. وجهه، المنحوت كما لو كان من الحجر، تفتح بابتسامة دافئة عند رؤية القادم. بدا ماكس في الاربعينيات من عمره لديه شارب رمادي كثف و شعر قصير و قليل، بدا سمين قليلاً، لديه جو ودي يحط به. "تحية طيبة لك، أيها العم ماكس،" قال لوين، صوته ينساب كنسيم الربيع العليل. "مرحبًا بك، سيد لوين،" رد ماكس، صوته يعكس بحرًا من الاهتمام، "كيف وجدت رحلتك إلى العاصمة، ملاذ الأنوار؟" "كانت رحلة مفعمة بالحياة،" أجاب لوين بنبرة مرتاحة، "في كل زاوية من زواياها تلمع قصة، ولا يوجد متسع للملل في شوارعها المتلألئة." "أجل، لكن حتى النور له ظلاله،" تمتم ماكس بنبرة محملة بالأسرار، عيناه تتجهان نحو الضفة الشرقية. كان ماكس يعرف الضفة الشرقية أكثر من أي شخص آخر، فقد كانت موطنه ذات يوم، حيث عانى من قسوة الحياة وظلامها، وفقد كل شعلة أمل كانت تضيء دربه، حتى بات قلبه خاليًا من الدفء كما لو أن النور قد انطفأ منه إلى الأبد. لم يبق منه سوى وجهه الودود، كقناع يخفي وراءه قصة لم تروى. وبفضل لقاء مصادفة، جرفته أمواج القدر إلى هذا المكان، ليقف حارسًا على أبواب مملكة السيد دينير. ابتسم لوين وهو يقول، "لكل ضوء ظله، صدقت يا عم ماكس." ثم اقترب م
Oussama