متمرد

متمرد

43 3

قصر عائلة ڤليون الفرعي في العاصمة سيلاريك في شراع الأسد الذهبي، كان القصر من الخارج يمتلك إطلالة أنيقة و راقية مع حديقة كبيرة بها العديد من النباتات و الزهور المختلفة. لم تكن أراضيهم الأصلية في العاصمة، بل في مدينة هيل الجنوبية الشرقية، حيث تتراقص الأشجار مع نسمات البحر العليل. لم تكن ڤاليون من العوائل العظيمة القديمة، لكنها نمت وتفوقت بقوة تضاهي الأساطير. وقفت بشموخ أمام عائلتي ريوس وفيندال، اللتين كانتا تحت لواء طاغوت النار، وكل منهما يحتضن ملاكًا في حماه. كانت العلاقات السياسية بين الأسر تُشبه الشطرنج؛ كل حركة محسوبة، كل تحالف موزون بدقة. وفي هذا الصراع الدائم، كانت ڤاليون تمتلك ميزة فريدة: ثلاثة أنصاف ملائكة يمنحونها قوة تُوازي عائلتي ريوس و فيندال مجتمعين. لم يكن هذا فقط ما يُعزز مكانتها، بل كانت حكمتها ودهاؤها في الحفاظ على علاقات متينة مع الأسر الأخرى هو السر الحقيقي وراء قوتها. كانت الأسر الأخرى تُدرك جيدًا أن ڤاليون، برغم عدم انتمائها للعوائل القديمة العظيمة، تمتلك القدرة على التأثير في موازين القوى. لذا، كانت الأسر تتعامل معها بحذر شديد، فالتحالف مع ڤاليون يعني الحصول على حماية أنصاف الملائكة، والعداء معها يعني مواجهة قوة لا يُستهان بها. وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والمكائد، كانت ڤاليون تُبحر بسفينة الدبلوماسية بمهارة فائقة، مُتنقلة بين الأسر، مُنسجة شبكة من التحالفات القوية التي تُشكل درعًا حصينًا حولها. وبهذه الطريقة، استطاعت أن تُحافظ على استقلالها وتُعلن عن نفسها كقوة مُهابة، تُشع بنور الحكمة والقوة في عالم مليء بالظلال والأسرار. في أعماق القصر العتيق لعائلة ڤليون، حيث الجدران تحكي قصص العظمة والسلطة، كان داون يجلس في غرفته الواسعة، محاطًا بالأقمشة الحريرية والتحف النادرة التي تليق بمقام عائلته النبيلة. على كرسي راقي مطرز بالحرير كان يتأمل فنجان الشاي المتصاعد منه البخار بتثاقل. بشرته الشاحبة كانت تنم عن ليالٍ من القلق والتفكير العميق. "مستحيل، مهما حاولت استحضار ذلك الاسم من أعماق ذاكرتي، لا أجد سوى الفراغ الذي يلتهم كل شيء! ما هذا اللغز المحير؟"، تمتم داون بصوت مخنوق بالإحباط. كانت أعصابه مشدودة كوتر القوس، فالاسم الذي حاول استرجاعه من المذكرة كان يتلاشى كالسراب كلما اقترب منه. كانت الصفحات البيضاء في ذهنه تسخر من يقينه بأنه رأى الاسم مكتوبًا هناك، لكنه الآن محوٌ كأنه لم يكن. فجأة، خطر له المثل القديم الذي يتردد في أروقة المدينة، "لا تنظر إلى الطاغوت، لا تتطفل على أمور الطاغوت، ولا تتعمق في شؤون الطاغوت". كانت هذه الكلمات محفورة في ذاكرة الجميع، ولكن الآن فقط أدرك داون مغزاها الحقيقي. أخذ رشفة أخرى من الشاي، وهو يتنهد بعمق، "آه، كان يجدر بي ألا أستسلم لفضولي. لكن، لحسن الحظ، الأمر الغريب الوحيد هو فقداني لذلك الاسم". عادةً ما كان يستمتع بالشاي مع قراءة كتاب، لكن الآن لم يعد لديه الرغبة في ذلك، وربما بدأ يشعر بنوع من الخوف من الكتب نفسها. "على أي حال، دعتني ابنة عائلة كارون لرحلة ما، ويبدو أن ذلك العامي ليون سيرافقنا"، تمتم داون، مدركًا أن مارتا لم تخبره صراحةً بأن ليون سيكون معهم، لكنه استنتج ذلك بسهولة عندما أشارت إلى وجود شخص ثالث. لم يكن داون بالغافل. "الموعد هو الغد.." دق دق دق... صدى ثلاث طرقات متتابعة على الباب قطع تأملاته، عرف داون أنها الخادمة. "ماذا؟"، استفسر داون بنبرة عرضية وهو يأخذ رشفة أخرى من الشاي. "سيدي الشاب، السيد الشاب الأول يرغب في مقابلتك"، جاء صوت الخادمة المهذب من وراء الباب. "أخي؟" "نعم سيدي، يريد مقابلتك الآن"، أكدت الخادمة بصوتها الرقيق. نهض داون دون تردد، مستعدًا لمواجهة أخيه. فتح الباب ليجد الخادمة تنحني بكل احترام. "ارشدني"، أمر داون بصوت حازم. "تحت أمرك سيدي الشاب"، ردت الخادمة بانحناءة أخرى، ثم تحركت في الرواق بخطى واثقة، وتبعها داون بصمت. كان يعلم في قرارة نفسه أين سيجد أخاه، لكنه اختار اتباع الخادمة، محافظًا على الأعراف والتقاليد. كان والده هو رئيس العائلة الحالي، نصف ملاك، ولم يكن داون الابن الوحيد؛ فلديه أخ أكبر يدعى ألتيمس، متقدم رفيع المستوى في التفرع الخامس، ولكنه يواجه صعوبات في التقدم إلى التفرع السادس "نصف ملاك". وعلى الرغم من نسبة تحكمه العالية على نواته الروحية، إلا أن الفشل يتربص به كظله. أمام الأبواب المزدوجة للغرفة السرية، حيث يقبع مكتب الأب العظيم، وقف داون، قلبه ينبض بتوتر مكتوم. كانت الغرفة تلك مسرحًا لذكريات داون العديدة، بعضها مشحون بالرهبة التي خلفها ذلك الكتاب الغامض. 'هل اكتشف أخي شيئًا؟' تساءل داون في سره، مدركًا أن احتمال ذلك كبير، فأخوه كان على بُعد خطوة واحدة من أن يصبح نصف ملاك، وليس من الغريب أن يكون قد علم. كانت العلاقة بين داون وأخيه معقدة نوعاً ما، لا هي سيئة ولا مثالية، تنافسهما على منصب رئيس العائلة كان كما هو الحال في جميع الأسر النبيلة، لكن بالنسبة لداون وأخيه، كان المنصب قد حُسم لصالح ألتميس منذ زمن. لم يكن داون بلا طموح، لكنه لم يسعَ لمنصب رئيس العائلة، بل كان يحلم بتحقيق المستحيل، بأن يصبح ملاكًا حقيقيًا. تُروى الأساطير أنه في الحقبة الرمادية، كانت عائلة ڤيلون تمتلك ملاكًا وكانت من بين العوائل القديمة العظيمة. دق دق دق... دقت الخادمة على الباب المزدوج. "أدخل"، صدح صوت جليل من الداخل. فتحت الخادمة الباب لداون ليدخل. على المكتب، جلس شاب في منتصف العشرينات، ذو شعر أشقر ممشوط بأناقة، وجه وسيم ونظرات حادة تنم عن جدية عميقة، كان جسده مثاليا بدا اطول من داون، يرتدي ملابس تليق بنبل عائلته. "تعال إجلس"، قال ألتميس بنبرة جدية لم تتغير. "حسنًا"، جلس داون أم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الناظر الأبدي

المؤلف Oussama
2024/05/22 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة