لـِ عــيّــنــيـهَـا حِــكَــايــة . قراءة مُمتعة يا حلوين. ♡•••••••••••••••••••••••••••••♡ «لا يوجد شعور أقسى من مرارة الفقد، و وَحشة الذكريات.» - جالسة فوق فراشها، ذاهبة في رحلة مع ذكرياتها الأليمة، تمسك في يديها ألبوم مغلف يشهد على ورقاته قساوة الأيام، وخذلان أصحابه، ألبوم يحتوى على العديد من الصور الفوتوغرافية في حياتها منذ 15 عام وأكثر، فتحت صفحته الأولى، وكان مضمونها صورة لها في شبابها، ورأت كم إبنتها تشبهها الآن، تلك الملامح الجميلة المأخوذة من أصلها البعيد للغاية التابع لأحد الدول الأوروبية كما أخبرتها والدتها في الماضي، صورة وبجانبها من كان شخصها المُفضل، ذلك الشخص الذي تحدَّت أهلها لأجله، ورأت فيه بذرة خير وحاربت؛ ليتزوجوا، كان شخص جيد للغاية في نظرها كان حنون، وسيم، ذا شخصية جميلة، يهتم بعمله، وآسرته، والأهم من ذلك، يهتم بها ويحبها هي، كانت سيدة حياته مثلما كان يخبرها في كل وقت يمر عليهما . Flash Back .. - منذ اكثر من سبعة عشر عام، كانت واقفة في شرفة بيتها الذي شهد حبهما لسنوات، وشَهد ولادة صغيريها "سـلـيم" قرة عينيها الأول، و"صُدفـة" ذات الوجه الجميل التي آتت؛ لتقرب أكثر وأكثر بينها وبين زوجها، آتى من خلفها خلسة قائلاً : ـًـ مساء الفُل ياجميل. إنتفض جسدها لوهلة، وهي تشهق بمفاجأة تردف : ــ حرام عليك خضتني والله، حد يعمل كده !. ضحك بمرح، وهو يضع يده ويحاوط كتفيها : ــ سلامتك من الخضة ياجميل، ايه الأخبار، سبتينا جوا ليه، وجيتي تقفي لوحدك هنا؟ . ـًـ عادي، جيت أشم شوية هوا، ولقيتك مشغول في مكالمة، فقومت، ولقيت الجو حلو بصراحة. ـًـ معاكي حق، فعلاً الجو تُحفة إنهاردة، قوليلي بقى ياديدا، تحبي كمان سنة تكوني ساكنة في أنهي منطقة؟ عايزة نفضل هنا ولا ننقل في مكان احسن؟. ــ هتصدقني لو قولتلك إني مش عايزة امشي من هنا، الشقة دي أكتر مكان انا بحبه في حياتي، احنا حبينا بعض أكتر هنا، وخلفت "سـليـم"و "صُدفـة" هنا، البيت بكل تفاصيله غالي عليا، وليا ذكريات في كل رُكن فيه، سواء ذكريات معاك في أول جوازنا، أو ذكريات مع عيالنا فيه . نظر لها بمحبة، وعشق يتربع داخله تجاهها هي فقط : ــ أقولك على حاجة، هتصدقيني لو قولتلك إن مش فارق معايا حاجة في الدُنيا دي كلها طول ما انتِ جمبي ومعايا، ومنورة البيت، أنا كان زماني ضايع من غيرك لو مكناش إتجوزنا، مليتي عليا حياتي بطيبتك، وجمال قلبك، جبتيلي احلى بنت، وولد في الدُنيا، أنا أصلاً مكنتش عايش قبل ما أقابلك . ترقرقت العبرات في عينيها تهدد بالهبوط فَرحة بحديثه الصادق، النابع من داخله كما ترى، ترسل نظرات حُب خاص بينهم، و الإبتسامة تشق وجهها، لم ترد عليه إلا بجملة واحدة، و إكتفت بأن تتدثر في احضانه قائلة: ــ ربنا يخليك ليا ياحبيبي، انا ماليش غيرك، ويارب تفضل طول العمر جمبي، ومعايا . Back ... كانت الشقهات تملئ صدرها، والذكريات تتدفق في عقلها غير قادرة على التخطى، ما زالت هناك لحظة فراقهما، هل مؤذي ذلك الحُب الذي يجعل امرأة تخطت الخمسين من عمرها غير قادرة على نسيان حُبها الأول؟ رغم خيانته و زعزعة حياتها هي وأطفالها، رغم الكثير مما تحملته من قساوة، هجر، وعنف، لا تستطع النسيان، كانت تعيش حياتها في هدوء بجانب زوجها وطفليها، لم تتوقع، ولم يأتي بذهنها في لحظة واحدة، بإنها عندما تتعرض للغدر في حياتها للمرة الأولى سيكون على يده هو، هو الذي أحبته بكل جوارحها . ماذا تفعل بنا أيها الحُب ؟ أقاسِ أنت، أم إنها قسوة البُعد ؟ ♡•••••••••••••••••••••••••••••♡ وقفت كل من "صُـدفـة" و "رُقـيـة" المحتضنة طفلها، و "سـلمـى" و معهم والدة الأخيرة التي وصلت متأخرة أمام مركز الشرطة، هتفت "رُقـيـة" قائلة في إمتناء حقيقي : ــ انا بجد مش عارفة أشكرك ازاي يا "سـلمـى" بجد، انا إديتك رقمي كلميني في أي وقت لما تحتاجي أي حاجة . ردت والدتها تقول ببساطة، ترفع عنها الحرج : ــ متقوليش كده يابنتي هي معملتش حاجة، أي واحدة في مكانها كانت هتعمل كده، حمدالله على سلامته وربنا يباركلك فيه، هنستأذن احنا عشان متأخرين اوي. هتفت "صُـدفـة" ترد عليها سريعًا : ــ لا ياطنط مش هينفع تروحوا لوحدكم دلوقتي، أنا و "سـليـم" اخويا هنوصلكم المكان الي تحبوه . إمتنعت "سـلمـي" بأسلوب مهذب : ــ لا ملوش لزوم مش عايزين نتعبكم، أحنا هنروح لوحدنا عادي . ــ مفيش تعب ولا حاجة ياحبيبتي، الوقت اتأخر، يلا ياطنط اتفضلي العربية موجودة هنا . ودعت الفتيات بعضهم، ركبت "صُـدفـة" بجانب أخيها بينما ركبت "سـلمـى" ووالدتها في الخلف، وصفت "سـلمـى" عنوان منزلها، وتحرك بهم "سـلـيم"، جلسوا صامتين إلا أن بادرت الحديث "زهرة" والدة "سـلـمى" بقولها موجهة الحديث لـ "سـليم" : ــ تسلم يابني تعبناك معانا، مكنش ليه لزوم والله . رد عليها الأخر بإحترام مردفًا : ــ متقوليش كده يامي، مفيش تعب ولا حاجة، ده احنا الي مفروض نشكرك، ونشكر أستاذة "سـلمـى" على اللي عملته إنهارده والله . ــ على ايه بس هي معملتش حاجة، ربنا يباركلكم فيه ويحفظه لمامته يارب . آمنوا على حديثها جميعهم، ثم همست "زهرة" لإبنتها التي تجلس بهدوء بجانبها قائلة : ــ عملتي ايه، الدكتور قالك ايه ؟. ردت بنفس الهمس عليها : ــ ده وقته الكلام ده يعني ياماما، عمومًا قالي متجيش تاني عشان فيه بنت جت إشتغلت مكاني، قولتله ليه يادكتور ما أنا شغالة معاك من بدري بقالي اكتر من سنتين قالي اهو ده الي حصل بقى، وإداني إسم دكتور تاني روحت سألته على شغل قالي سيبي رقمك، ولو محتاجين حد هنكلمك . - ربنا يوفقك ياضنايا، ويسرلك أمورك . وصلوا إلى وجهتهم وترجلت كلاً من "زهرة" و "سـلمى" إسفل منزلهم، ثم غير " سـليم" وجهته، وتوجه إلى منزله، بعد مدة من القيادة نظر إلى "صُـدفة" القابعة بجانبه قائلاً : ــ بقولك ايه، ماتيجي نلفلف بالعربية شوية، نروح نأكل حاجة، نجيب أيس كريم، ويكون بالتوت زي ما بتحبيه إيه رايك؟ إبتسمت وهي تنظر له، وقد تملكها الحماس : ــ سولي ياسولي، ياحلى سولي يلا بينا بسرعة بس أنا عايزة ايس كريم بسكوتة مش علبة . نظر لها بطرف عيناه، قائلاً بمرح : ــ وبتجيبي سيرة البسكوتة ليه دلوقتي، هي جابت سيرتك يابنتي . نظرت له بعدم فهم لدقيقة، إلا أن فهمت إنه يشير بكلمة "بسكوتة" على "نـدى" كما يلقبها بها، اطلقت ضحكات بصوت عالي، وضحك هو على آثرها، إلا أن قالت : ــ ياعم الحبيب اسكت بقى، هو مفيش بسكوتة غير "نـدى" يعني، عامل ايه معاها صحيح؟ البت كل ما اجيب سيرتك قدامها تقعد تقول كلام حلو عليك لدرجة إني بشك أنها بتتكلم عنك بصراحة . رمقها بغيظ، يردف وهو يعدل ياقة قميصه رماديّ اللون: ــ بتقوليلي أنا الكلام ده ! ده انا مدلعك أخر دلع يابت، بذمتك حد دلعك في حياتك كلها قد ما أنا دلعتك . ردت بتهكم، تخبره بما عايشته حقًا : ــ والله ! على أساس إني متجوزة أربع مرات قبل كده، هو انا أعرف حد غيرك في حياتي، أنت وماما و"نـدى"، لا خال ولا عم في حياتنا . صمتت، ثُم تنهدت قائلة بحزن : ــ ولا حتى أب معانا . نظر لها بحزن، يعلم هو كم عانت بعدما فارقهما أبيهم، كم كانت متعلقة به، وكيف خذلها ذاهبًا دون وداع تاركًا خلفه أسرته الصغيرة، أم كانت تسعى؛ لتجعل بيتهم الدافئ عامر بالحنان. ولده الكبير الذي كان متعلق بأبيه ويراه مثله الأعلى، وقد تركه وهو في مرحلته المراهقة، كان طفل يريد اللعب واللهو فقط، وأفاق على واقع أليم، وطفل كَبَر في يوم وليلة للبحث عن عمل ليأتي بقوت يومه؛ ليستطيعوا الحياة هو ووالدته الحزينة الوحيدة، وشقيقته الصغيرة . طفلة كانت اكثر ما تحبه في الحياة هو والدها، ترآه فتى أحلامها، ذو قدرات خاصة بالنسبة لها، قادرًا على إسعادها بأقل مجهود، كان فارسها، حتى إستيقظت على قسوة الأيام من دونه، وتحوله المفاجئ معها، ومع شقيقها ووالدتها، أصبح شخص غريبًا عنها حتى باتت لا تعرفه، كانت فتاة ذا عشر سنوات عندما فقدت الثقة في بني أدم، وكبرت أعوام وأعوام في سِنها الصغير هذا. ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ لاحظ أخوها شرودها المُحزن حيثما كانوا في السيارة، حتى بعدما جلب لها المثلجات التي تفضلها، وظل يشاكسها طوال الطريق، ظلت هكذا على حالتها الواجمة، وكأنها عادت تلك الطفلة الحزينة التي كانت لا تفارقها العبرات كل لحظة، دلفوا إلى منزلهم، وذهبوا مباشرًا إلى غرفة والدتهم فوجدوها نائمة في سلام، دلفت "صُـدفـة" وأحكمت الغطاء حولها جيدًا، وقبلت جبينها، وخرجت متجهة إلى غرفتها عندما أحكم "سـليـم" قبضته على يديها جعلها تنظر له مستفسرة : ــ ايه ياحبيبي عايز حاجة ؟. غمز كلها بعيناه بمشاكسة قائلاً : ــ تيجي تركبي القطر لو حابة يعني ؟. ضحكت بهستيرية وهي تومئ سريعًا قائلة : ــ بتهزر؟ بجد، يلا بينا بسرعة . هرولت "صُـدفـة" إلى أقرب مقعد؛ لتقف عليه وآتى "سـليم" أمامها وثنى جسده؛ لتصعد على ضهره، وتثني قدميها حول خصره، وهي تضحك سعيدة، لينطلق الأخر يهرول في صالة المنزل ويقوم بعمل صوت القطار من داخل فمه، و"صُدفة" أكثر من فَرحة وهي أعلى ظهره هكذا، ويتجول بها في أنحاء المنزل، وهو يجري، عادة عندهم كان يقوم بها "سـليـم" سابقًا منذما كانوا صغارًا، وعندما تحزن شقيقته كان يفعلها؛ لكي يرى ضحكتها اللذيذة فقط، عادة جميلة يقوموا بها، وخاصة بهم هما فقط . *« وما أجمل من وقتٍ أقضيه وسط أشقائي، لتمليء البهجة روحي .»* ♡••••••••••••••••••••••••••••♡ أغلقت حقيبة الأشياء الخاصة بها، وجلست تنهدت بسبب ثقل الحقيبة، خرجت من غرفتها متجهة إلى المطبخ حيث توجد والدتها التي تقوم بعمل وجبة الغذاء، هتفت "هـالـة" وهي تستند على الحائط : ــ ماما، أنا لميت حاجتي خلاص، ها قوليلي هنروح لخالتو انهاردة ولا بكرة ؟ ــ بكرة إن شاء الله، بصراحة كده بفكر منروحش اساسًا، هنعمل ايه هناك وبعدين ايه فايدة إننا نروح يعني، هنزحم الدنيا وخلاص . إنتفضت الأخرى وهي تشهق في وجه والدتها دون أدنى إحترام لها : ــ نــعــم، لا طبعا متهزريش هنروح ونقعد، وكمان اهو نشوف البت اللي خطبها سي "سـليـم"، متغيريش رأيك ياماما، وهنروح ونبات كام يوم كمان، بعدين مش هنعمل زحمة ولا حاجة، انتِ مشوفتيش شقتهم ولا ايه، دي شقة يرمح فيها الخيل، قال زحمة قال . تنهدت "رحـاب" بثقل، وهي ترى إبنتها التي تكره الخير لغيرها، وترى نعم الآخرين ليست من حقهم، وإنما من حقها هي فقط، قائلة بعدما إستدرت لها : ــ يابنتي قولي ماشاء الله ربنا يباركلهم ايه حاجة، متقوليش كده، إحنا هنروح نقعد يومين اتنين بس، مش عايزاكي تقعدي ترمي كلامك الدبش ده، وتتلمي يا "هـالـة" عشان مزعقلكيش قدامهم هناك، وهخدك ونمشي والله اديتي قولتلك اهو . تأففت "هـالـة" وهي تلوح بيدها خارجة من المطبخ قائلة : ــ يــوه بقى ياماما، دي مبقتش عيشة . ♡•••••••••••••••••••••••••••••♡ تظن إن الحياة غير عادلة معها، تمشي في طريق ليس بأخلاقي، تفعل أشياء كثيرة ليست من شيم المهذبين، تتحدث مع هذا، وتترافق مع هذا، تخرج مع الشباب، بالرغم من كل ذلك لا ترى نفسها خاطئة، بسبب حياة جافة عاشتها مع أهلها، بسبب وفاة والدتها، وقسوة والدها معها منذ سنوات، وضعت الكثير من زينة الوجه، إرتدت ثياب أقل ما يقال عنها إنها فاضحة، خرجت من غرفتها بإتجاه باب الشقة، إلا وترى والدها جالس على الاريكة ينظر لها بنظرات نارية، تأففت وهي تستدير قائلة له بوقاحة : ــ يا نعم، بتبص كده ليه ؟ ــ كمان مش عاجبك ياست "لـيلـىٰ"، ايه القرف الي انتِ لبساه ده، وخارجة على فين من غير ما تقولي كأن لا ليكي ظابط ولا رابط، هاا ما تنطقي ؟ تخصرت أمامه وهي ترد بإستهزاء، ثم تكونت غصة في حلقها، وهي تخبره بحقيقة ما حدث : ــ ايه ماله لبسي، ما أنت شوفتي بالي زيه قبل كده، انا ماليش حد فعلاً، انت مش موجود، كل الي همك بنتك التانية، كنت عامل نفسك الملاك أيام ما كانت ماما عايشة، وبتمثل إنك بتحبنا والاب الحنين لكن كل حاجة اتغيرت من ساعتها، حنيت لعيلتك القديمة، وسبتني أنا لوحدي ولا كأني بنتك، عيشت لوحدي وكبرت لوحدي، كنت فين وأنا بدور على الحُب والأهتمام من أي واحد معدي في الشوارع، أنت السبب، مش هسامحك عمري ما هسامحك، روح لعيلتك التانية خليها هي الي تسامحك عشان سبتهم زمان، مش عايزة اتكلم تاني معـاك، انا بكره حياتي وبكره البيت ده، وبكره بنتك التـانــية فوق ما تتخيل. بكت، بكت بشدة وهي تتجه لغرفتها في أنهيار تام، تتذكر تفاصيل حياتها السابقة، وكم كان يغدقها والدها بالحنان، لقد تغير وكأنه تبدل، وأضحى شخص آخر، صامت، قاسي، لا يعلم ما تمر إبنته بها، تتذكر موقف حزين لا ينفك عن عقلها، عندما كانت وافقة في غرفتها تُرتبها، عندما صاح عليها بإسم إبنته الآخرى، تتذكر كيف تجمدت حينها، وذهبت قائلة له : ــ بس انا "لـيلى" يابابا مش "صُـدفـة . حينها أدرك خطأه، وقال يتدارك الأمر : ــ عادي، أنتم الإتنين واحد عندي، خدي اكويلي القميص ده . ترك أمامها السترة، وذهب يجلس أمام التلفاز بلامبالاه، وهي كتمت يأسها داخلها، وتجمعت العبرات في عينيها وأخذت تتساقط على وجنتها وكأنهم في سباق ترى من سيفوز، موقف لا تنساه، موقف يؤلم قلبها، أيام مؤلمة تعيشها بمفردها، وقد أصبحت روحها خالية من مظاهر الحياة . ♡•••••••••••••••••••••••••••••♡ # ورأيكم في الكومنتات ياسكاكر . # يُتبع # دُمتم سالمين 🦋 | لـِ رِوان عَـلِـي عـطـا |💞
Rewan Ali Atta