استسلامي. وقفتُ في وجه ذلك المسخ، واستجمعتُ بقايا شجاعتي المحطمة، وصرختُ بصوتٍ جاهدتُ ليخرج كزئيرٍ رغم غصة الرعب في حلقي: "لا أخافك أيها الوغد النذل!"
كان لتلك الكلمات مفعول السحر؛ تجمد الكيان في مكانه، وكأنه أدرك في تلك اللحظة أنني لم أعد فريسة، بل صرتُ كابوساً يفوقه سطوة. تبخر في الهواء مخلفاً رائحة كبريت خانقة.
في تلك اللحظة، لم أشعر بالراحة، بل شعرتُ بالجوع.. الجوع للعدالة الملطخة بالدماء.
حشدُ الأموات
جمعتُ سكان المملكة؛ كائنات مشوهة، أرواح تائهة، وظلال لا تعرف الندم. وقفتُ وسطهم أخطب في جمعهم الموحش:
"يا قومي الأعزاء، اليوم قررتُ اجتثاث نذلٍ جديد. نحن لا نظلم أحداً، نحن فقط نطهر الوجود من الأوغاد."
ضجت القاعة بهتافاتٍ تقشعر لها الأبدان، تتردد أصداؤها بين الجدران الباردة. تابعتُ والشرر يتطاير من عيني: "أريد متطوعاً يعود إلى عالم الأحياء ليحضر لي وغداً يستحق الفناء. مَن منكم يقرأ الأفكار؟"
ارتفعت يدٌ من بين الزحام. كان كائناً شفافاً، ينساب الدم في عروقه الظاهرة كأنهارٍ من جحيم، وعيناه... آه من عيناه! فجوتان من السواد المطلق، تنهمر منهما مادة لزجة سوداء تشق طريقها من محجريه إلى فمه المفتوح. أشرتُ إليه ليتحدث، فقال بصوتٍ يشبه احتكاك العظام:
"تحياتي لسيادتكِ.. قبل موتي، كنتُ قاتلاً متسلسلاً، ولدي القدرة على اختراق الأغوار وقراءة الأفكار و..."
قاطعته بحزم، فماضيه هو مؤهله الوحيد: "يكفي! أنت من سيمضي في هذه المهمة. ابحث عن النذالة في قلوب البشر، ومن تجده جديراً بموتنا، اختطفه وأحضره هنا. أمامك يومان."
أجاب بخضوع مرعب: "سيكون بين يديكِ قبل ذلك."
أمرته أن يستعيد هيئته البشرية، فتبدلت ملامحه المشوهة ليصبح رجلاً ضخم البنية، شعره فاحم كليلٍ بلا نجوم، وعيناه خضراوان تشعان بقوة غامضة. انطلق لتنفيذ المهمة، بينما ذهبتُ أنا لأستعد للمراسم.
طقوس الانتقام
استحممتُ بماءٍ بارد، وارتديتُ أفخر أزيائي، ووضعتُ قناعاً يثير الريبة في نفوس الشياطين أنفسهم. لم يمر وقت طويل حتى عاد "الوزير الجديد" وبصحبته امرأة ترتجف من الهلع.
قال بصوتٍ بارد: "هذه النذلة، خانت صديقة عمرها التي رافقتها سبع سنوات.. قتلتها بدم بارد لتسرق ذهبها."
شبت النيران في صدري. اقتربتُ منها، وبدأتُ أنتزع خصلات شعرها بيدي العارية، متجاهلة صرخاتها التي كانت تطرب مسامعي. ثم أمسكتُ بنصلٍ حاد، وبدأتُ أفصل أصابعها واحداً تلو الآخر، ثم أجزاءً من جسدها وهي لا تزال تتنفس.
بكت بحرقة وهي تتوسل: "أرجوكِ.. اقتليني بسرعة! لقد قتلتها هي بسرعة، أريحينا!"
انحنيتُ نحو أذنها وهمستُ بصوتٍ وحشي: "لقد قتلتِها غدراً يا حقيرة.. والغدر يؤلم أكثر من الموت بآلاف المرات!"
استمررتُ في تمزيق جسدها، متلذذةً بأنينها الذي بدأ يخبو شيئاً فشيئاً. وعندما انتهيتُ، تركتُ البقايا المحطمة على الأرض، وناديتُ حارسي الشخصي ببرود: "نظف بركة الدماء هذه، وضع لحمها في أكياس، وأخبر الطاهي الخاص أن يطبخ لي جزءاً منه الليلة."
التفتُ إلى القاتل المتسلسل، وقلتُ له: "منذ هذه اللحظة، أنت وزيري."
ركع أمامي، وقبل طرف ثوبي في خشوع، ثم انصرف.
العشاء الأخير
في تلك الليلة، قدم لي الطاهي طبقاً من لحم تلك الغادرة. كان مطهواً بعناية، يتصاعد منه بخارٌ يداعب حواسي. تناولتُ وجبتي ببطء، مستمتعة بكل قمة، وكأنني أمتص منها شرها الذي انقلب عليها.
مسحتُ فمي، وشعرتُ برضا غريب يسري في جسدي.. ثم ذهبتُ لأنام نوماً عميقاً هادئاً، فوق وسادة من رفات الخائنين
Retal Ahmed