استيقظ من غيبوبته ليجد نفسه في غرفة غارقة في عتمة خانقة، لا يضيئها سوى شمعة سوداء يتمايل لهبها كأنه يراقص كيانات غير مرئية. تسمرت عيناه بذعر على الخنجر المنقوش برموز غريبة في يدي، وصرخ بصوت مبحوح: "من.. من أنتِ؟ ماذا تريدين؟"
لم أجبه، بل اقتربت ببطء والقبو يضيق بجدرانه علينا. قلت بنبرة جليدية: "لماذا يا نذل؟ لماذا تركتها؟ لقد كانت روحها معلقة بك."
حاول التراجع، لكن أطرافه كانت مقيدة بظلال سوداء تشبه الحبال، تخرج من زوايا الغرفة وتلتف حوله بقسوة. قال متلعثماً: "لأنها مملة! كانت تبكي دائماً.. كانت تخنقني بضعفها!"
"بل كانت تحميك بصلواتها يا أحمق، والآن حمايتك انتهت،" صرختُ فيه، وهويت بالنصل، ليس لأقطع لحمه، بل لأمزق هالة الضوء المتبقية حوله. لم يخرج منه دم أحمر قانٍ، بل بدأ يتسرب منه سواد غامق كالدخان في المناطق التي طعنته فيها في قدمه وكتفه.
قلت له وأنا أرى ملامحه تتلاشى وتتحول لرماد ببطء: "الموت الجسدي رحمة لا تستحقها. ستموت من استنزاف روحك، قطعة قطعة."
التفتُّ إلى "ملك الشياطين" الذي كان يتجسد خلفي، كياناً طويلاً بلا ملامح واضحة، وعيناه تشعان بنور أحمر خافت. سألته بهمس: "ما رأيك بهذا العذاب؟"
أجاب بصوت بدا وكأنه يخرج من باطن الأرض: "مروع.. وفتان."
نظرت في عمق فراغ عينيه وقلت بجراءة لم أعهدها: "أتعلم؟ أنت هو الجميل حقاً في هذا العالم المظلم."
ساد صمت مطبق، وكأن الزمن توقف. رأيت شرارة غريبة في عينيه، وقال بصوت تهزه المشاعر لأول مرة: "شكراً لكِ. لم يشكرني بشر من قبل، ولم يجرؤ أحد على رؤية الجمال في لعنتي."
أجبته بهمس: "وهذه هي المرة الأولى التي يسكن فيها الحب قلبي الميت."
أدار وجهه، وكأن عواطفي أربكت جبروته الشيطاني. في تلك اللحظة، بدأ "النذل" يطلق صرخات لا تشبه أصوات البشر، صرخات مشروخة تردد صداها الجدران. ركلته بقدمي وقلت: "اصمت! صرختك لن تصل لأحد، فقد بعتُ روحك للظلام قبل أن تأتي إلى هنا!"
توسل إليّ وهو يرى جسده يذوب كالشمع: "أرجوكِ.. سأعود إليها، سأعوضها عن كل دمعة!"
قاطع توسلاته ملك الشياطين وهو يتلاشى في العدم: "هناك روح أخرى تناديني في الجانب الآخر.. يجب أن أرحل."
أرسل لي قُبلة باردة كالثلج عبر الهواء، شعرت بها تلسع وجنتي كتيار كهربائي، وأدركت في تلك اللحظة أن ميثاقاً سرياً قد عُقد بيننا.
بدأت أجمع ما تبقى من "جوهر" الضحية المنزوف في وعاء فخاري. لم يعد بشراً، صار مجرد بقايا طاقة سوداء. غسلت وجهي بتلك المادة، ووضعتها على فمي وأسفل عينيّ، شعرت ببرودة تسري في عروقي وبصري يزداد حدة في الظلام. وقفت أمام المرآة، فظهر لي ملك الشياطين خلف انعكاسي مباشرة.
قال بإعجاب مرعب: "أصبحتِ تشبهيننا.. جميلة كالكوابيس. هل استدعيتني لتريني كيف صار وجهك؟"
قلت له: "لا.. بل لتأخذ ما تبقى منه إلى جحيمك. لا أريد لأثره أن يبقى في عالمي."
ضحك ضحكة هزت أركان الغرفة وقال: "سأفعل، فجمالك اليوم يستحق أي خدمة. وداعاً يا عروس الظلام."
اختفى واختفت معه بقايا الضحية، تاركاً خلفه رائحة كبريت وشعوراً طاغياً بأنني لم أعد أنتمي لعالم الأحياء بعد الآن
Retal Ahmed