طائر كسر جناحه

طائر كسر جناحه

21 0

يا رب إن ضاقت بنا السبل فالرجاء فيك لا يضيق وإن خذلتنا الدنيا فأنت وحدك النصير والرفيق.

اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين

...........................................

منذ فجر الخليقة ونحن نعلم قانون الغاب حيث

الرحمة ورقة ذابلة تُسحق تحت خطى القوة

والضعف جريمة لا تُغتفر فكل موضع يخفي ظله دمًا مسفوكًا

وكل مكان يدثر فوقه قبر لم يغلق

قانون يقيم موازينه بميزان القوة

وحين تُخلَّد الشراسة كأنّها طريق النجاة تكون الحياة معركة مفتوحة لا يُسمع فيها سوى لحنٍ واحد زئير المفترسين يدوّي كنشيد الخلود وصرخات الضحايا التى تتبدّد في الصمت

ومع ذلك لانراه أسير البراري فقط

فقد امتدّت جذوره في قلب البشر

فصار العالم غابة أخرى بأقنعةٍ متمدّنة

كلماتٌ تُستخدم كمخالب وابتساماتٌ تُخفي أنيابًا

ومناصبٌ تُمارس سطوتها كقانونٍ أزليّ لا يُردّ

وما أشدّ قسوة أن يكتشف المرء أنّ النجاة في هذه الغابة ليست انتصارًا للحياة بقدر ما هي خسارة لشيء من إنسانيته

فالبقاء للأقسى والخلود للأدهى أما الضعفاء فتمحوهم الأرض كما لو لم يمرّوا بها قط وفي النهاية قد ينجو الإنسان من الغاب… لكنّه لا ينجو من أن يتحوّل إلى ذئب

...........................................

فلاش باك

كانت الشمس قد ارتفعت في كبد السماء ترسل أشعتها الحارّة فتلمع فوق حبيبات الرمل وتذيبها في بريق ذهبيّ بينما يتداخل الضوء مع الغبارٍ المتصاعد من أكوام المؤن فيصنع غلالةً كثيفةً تلف المكان ارتطام المعاول بالحديد وصوت احتكاك الزلط بالأرض كان يتردّد كسمفونية متواصله تفرض إيقاعها على موقع البناء

في المقدمة وقف المحامي علي عثمان الشامي يتحدث بجدية مع المهندس خالد التفهني يتبادلان أوراقًا تخص مشروعًا معماريًا ضخمًا يشرفان عليه مع عمران الدالي حولهما كان العمال يتحركون جيئةً وذهابًا أجسادهم مغطاة بالعرق والغبار وأصوات الأدوات تملأ الأجواء كأوركسترا فوضوية لا تهدأ

فيما وقف الصبيان الثلاثة على بُعد يراقبون المشهد بعفوية المراهقين

علي بعد بسيط منهم في ركن هادئ نسبيا عن صخب العمل جلست هي ..... فتاة صغيرة لم تتجاوز الخامسة عشرة تربط شعرها بخيطٍ رفيع بإهمال طفولي فانسدل على كتفيها خفيفًا مع نسمة هواء عابرة وعيناها يملؤهما الصفاء كانت منكبة على الأرض

أصابعها الغضّة تلتقط قطع الزلط الصغيرة بعناية ثم ترتبها واحدةً تلو الأخرى بتأنٍ لتشكّل رسمة غامضة اتضح تدريجيًا أنها طائر… طائر لم يكتمل جناحه وكانت هذه لغة لا يقرأها أحد سواها

على مقربة منها كانت عيونهما تملؤها الدهشة أمام كل جديد كان طارق يتحدث بحماس لا ينقطع يلوّح بيديه ويضحك على نكاته الخاصة بينما أمير بدا غائبًا عنه تمامًا

عيناه ظلّتا مسمّرتين على الفتاة يتأملها بعمق مأخوذًا بهدوئها الغريب وسط هذا الضجيج وبراءة نظراتها التي لم تكن تدري أنها أسرت قلبه من اللحظة الأولى وكأن العالم حوله قد ذاب ولم يبقَ سوى هي… وهي فقط

أما هو فقد غاب عن العالم من حوله حين لاحظ طارق صمته المفاجئ التفت إليه مستغربًا وضربه بكوعه بخفة قائلاً

"يا ابني ....إنت سامعني ؟ سرحت في إيه؟"

ارتبك أمير فجأة والتفت نحوها كمن ضُبط متلبسًا اولا ثم أعاد عينيه إلى طارق محاولًا أن يبدو طبيعيًا

"لا… ولا حاجة أنا سامعك سامعك"

ضحك طارق بخبث و لم ينخدع تتبع بعينيه اتجاه نظرات أمير وما إن وقعت عيناه على الفتاة حتى لمعت عيناه بمكر وقال بنبرة ساخرة

"هااا… كده بقى؟ طب قول من الأول إنك مشغول ... لا دي مش ولا حاجة يا مرمر شكلنا دخلنا في سكة تانية"

احمر وجه أمير بسرعة وأسرع يهمس بارتباك نافياً

"قلتلك بلاش مرمر دي وبطل هبل بقى …دي بنت محترمة وبعدين أنا… أنا بتفرج على اللي هي عملاه بس"

قهقه طارق عاليا حتى لفت أنظار بعض العمال القريبين وهو يتابع من بين ضحكاته

"آه طبعًا بتتفرج على الزلط ماشي يا عم الفنان… ماشي "

في تلك اللحظة وقبل أن ينطق أمير بكلمة كان عادل قد بدأ يزحف بخطواتٍ واثقة نحو الفتاة كان أصغرهم سنًّا لكنّه اعتاد أن يفرض نفسه دائمًا صائبًا كان أم مخطئًا عيناه لا تحيدان عنها وابتسامة متعالية ترتسم على وجهه كأنّه يملك الحق في كل ما تقع عليه عيناه اقترب ببطء يستمتع بكل خطوة تفصله عنها

بينما همس طارق بضيق وهو يزفر بنفاد صبر

"يا ساتر بجد .... عادل دخل على الخط"

أما أمير فقد انحبست أنفاسه فجأة واشتد خفقان قلبه حتى صار كمن يسابق الزمن بينما داخله كان يدفعه للأمام لكن جسده ظل مشدودًا في مكانه كأن الأرض قد قيدت قدميه وأبت أن تسمح له بالتحرك.

وقف عادل بجانب الفتاة يعلوها بظلّه وألقى نظرة سريعة على الرسم المرتب من الزلط ثم ابتسم بسخرية وهو يميل برأسه قليلًا نحوها

"إيه ده؟ إنتي بترسمي طيور من زلط؟وكمان من غير جناح؟ ده كده ناقص نصه"

رفعت رأسها إليه عيناها صافيتان كصفاء السماء بعد المطر وردّت ببساطة تحمل براءة وصدقًا

"آه هو كده… عاجبني ناقص"

قهقه ساخرًا بصوت عالٍ

"وده طير مكسّح ولا إيه؟"

لكنها لم تتراجع ولم تفقد هدوءها فقط ابتسمت ابتسامة خجولة وقالت برقة

"أنا سايباه كده… مش لازم يكون كامل عشان يبقى حلو."

ركل عادل قطعة زلط صغيرة بقدمه ناحية الرسم وقال بخبث

"طب أنا أكملهولك وأعمله جناح زي الناس."

مدّت يدها بسرعة وأبعدت الحجر من مكانه ثم أعادته إلى موضعه الأول بحزم وهدوء

"سيبه… قلتلك مش لازم يكون كامل عشان يبقى جميل."

ثم توقفت لحظة ورفعت عينيها إليه بثبات غريب على ملامح طفلة وأضافت بابتسامة

"ومش كل حاجة محتاجة حد يكملها"

كتم طارق ضحكته بصعوبة بينما تجمد أمير للحظة كلماتها اخترقت قلبه وكأنها خُصّت به وحده بينما رمقها عادل بازدراء وهو يركل حجرًا آخر بحذائه بتحدٍ

"بس أنا عايز أكملهولك؟"

شدّت أصابعها على أطراف ثوبها للحظة لكنها تماسكت وردّت بصلابة طفولية مدهشة

"لا.... سيبه هو ناقص عشان يفضل مختلف."

شعر أمير بارتباك غريب مزيج من الغيرة والانبهار والخوف لم يرها فتاة تدافع عن رسمٍ من الزلط فقط بل كانت روحًا ترفض أن يُملى عليها شكلها أو يكتمل نقصها بأيدي الآخرين

وبينما كان عادل يتأفف وطارق يخفي ابتسامته كان أمير مأخوذًا بها بالكامل… بصلابتها الناعمة بابتسامتها التي سلبت لبه وبذلك الطائر الناقص الذي بدا له أجمل من أي اكتمال

في تلك اللحظة علم أن هذه الفتاة ستظل محفورة في ذاكرته…

ظل يتأملها وهو يدرك لأول مرة أن شيئًا ما داخله تغير وأن هذه اللحظة ستلازمه إلى الأبد ستصبح جزءًا من ذاكرته وجزءًا من قلبه ....ناقصة كالجناح المفقود ...... كاملة في عينيه

عوده للحاضر 🤚

يده ما زالت ترتجف وصدره يعلو ويهبط وهو يختنق عيناه تلمعان بالدموع والهواء من حوله أصبح ثقيلاً خانقًا وقد جلس امير أرضا بعد أن أنهى المكالمة مع إياس وجهه متجمد وعيونه شاخصة في الفراغ الكلمات التي سمعها تقطر في رأسه كسمٍّ يمزّق ذاكرته وينهش قلبه الذي كان كعاصفة لا تهدأ

وفجأة انتفض من مكانه واندفع نحو أخيه قبض على تلابيبه بقوه يهزّه بعنف كأن يديه وحدهما تستطيعان اقتلاع الحقيقة من صدره والشرر يتطاير من عينيه

صرخ بصوت يملؤه القهر مبحوحًا من شدته

"لييييه؟ قولي ليه؟ كان ناقصك إيه يا مصعب؟ مفكرتش في أختك؟ مفكرتش في أمك؟ لييييه؟ "

وانهال عليه بصفعة قاسية تبعتها أخرى ثم أخرى يده ترتجف لكنها لا تتوقف كل ضربة كأنها قذيفة من قلب أمير كل ضربة تمثل صرخة ألم صرخة رجل يحترق من الداخل

اما الاخر لم يدفعه ولم يدافع لم يحاول حتى أن يصدّ الصفعات كان كالجدار العاري أمام العاصفة والدموع تتساقط من عينيه في صمت تختلط مع صوت أنفاسه المتقطعة كأنها اعترافٌ بالعجز أو شهادة براءته التي لا يملك وسيلة لإثباتها تمتم بين كل ضربة وأخرى بإختناق

"أنا… معملتش… معملتش يا أمير… أنا ضايع… مش فاهم حاجة"

وأمير لم يسمع أو ربما لم يُرِد أن يسمع دموعه لم تُطفئ النار في قلب أخيه ظل يضربه ويصرخ بينما داخله يتمزق أكثر مما يُمزّق جسد مصعب يضربه بيديه… وفي الحقيقة كان يجلد نفسه

وفي تلك اللحظة على باب الغرفة تجمّدت ضي من الرعب اتسعت عيناها من هول ما ترى جسدها كله يرتجف بعنف وكأن البرودة تسري في عروقها وقد وضعت يديها المرتعشتين على فمها تكتم صرخة كانت على وشك أن تنفلت فيما انهمرت دموعها بغزارة تتساقط واحدة تلو الأخرى بلا توقف على وجنتيها

كانت تحدق فيما يحدث وهى تراه لأول مرة انهيار أمير وقسوته الجامحة الوجه المظلم الذي لم تتخيله يومًا في أخيها الأكبر قلبها ينقبض بعنف وعقلها يصرخ بالرفض مما تري لكن قدميها ظلتا مغروستين بالأرض عاجزتين عن حملها خطوة واحدة

بينما تحولت الغرفة إلى دوامة خانقة وامتلأت بأصوات مختلطة صرخات أمير الغاضبة بكاء مصعب المتهدج شهقات ضي المكبوتة

أصوات متداخلة أثقلها الصمت الذي يخيّم بين كل ضربة واخري لحظة بدت وكأن الزمن توقّف عندها لحظة سوداء ستبقى محفورة في قلوبهم جميعًا لن يمحوها العمر مهما طال

وفجأة اخترق الجو المشحون صوت رجولي جَهوري

"إيه اللي بيحصل هنا؟"

ارتجف المكان كله مع السؤال الغاضب الذي أطلقه خالد التفهني

وقد ظهر على كرسيه المتحرك يداه تمسكان بعجلاته بقوة وقد دفعه مسرعًا وعيناه تقدحان شررًا بينما إلى جواره شهقه انفلتت من الحاجة نادية حادة كسكين وقد وضعت يدها على صدرها من الذهول بعدما كادت تسقط من هول المنظر وهى تصرخ

"أمير … إنت اتجننت؟"

تجمّدت يد أمير في الهواء وارتعش جسده للحظة كأن صوتهما أعاد إليه وعيه بالقوة عيناه كانتا مشتعلة بالدموع والغضب وصدره يعلو ويهبط كوحش محاصر نظراته ممتزجة بالوجع

بينما بين قبضتيه ظل مصعب يئنّ ويبكي محاولًا أن يتشبث بأنفاسه

أما في ركن عند الباب لم تحتمل ضي أكثر انهارت على ركبتيها تخبئ وجهها بين كفيها المرتجفتين تبكي بحرقة كأن دموعها وحدها تحاول أن تطفئ الحريق الذي اشتعل في البيت تخاف حتى من النظر وارتجافتها تفضح خوفها من أخيها ومن تلك اللحظة التي كسرت شيئًا في داخلهم جميعًا

بينما امتلأت الغرفه بثقل الخوف والخذلان وقد انقلب الأمر فجاه إلى صدمة صامتة أثقل من أي صرخة ستظل كالنار تحت الرماد تنتظر أن تشتعل من جديد لحظة ستظل تطاردهم كاللعنة محفورة في ذاكرتهم إلى الأبد

...........................................

كان يدور في صالة بيته كالمسعور أنفاسه متلاحقة عيناه تقدحان شررًا لا يفهم ما يحدث ولا يدرك كيف انقلب المكان إلى ساحة صراع الصمت المطبق من حوله كان يزيد من وطأة الأمر

تملكه الغضب حتى أوشك أن يحرقه من الداخل ورغم ذلك حاول جاهدًا كبح جماح الكلمات التي تتدافع على لسانه والتى يريد أن يقذفها في وجه من أمامه كالخناجر

ولأننا نتحدث عمن امامه دعوني اسرد لكم الوضع وما آل إليه الآن

كان زين واقفًا بجسد مرتجف يملؤه الغضب خوفه اختلط بغضبه حتى دفعه لأن ينهال باللكمات على الرجل الملقى أمامه في عقر داره

فيما وقف عمرو بلال مبهوتا عاجزًا عن الحراك للحظة يتأمل ما يجري بعينين تحاولان استيعاب الأمر وقد تكوم شريف أرضا أمامه وجهه مشوه بالدماء يتلفت كالفأر المحاصر لا يعلم كيف يفر من هذا الوحش الثائر ولا كيف يلتقط أنفاسه وسط المطرقة التي تهوي على رأسه وجسده

وفجاه ارتفع صراخ زوجته رانسي يمزّق السكون ويلقى الرعب في القلوب اندفعت نحو زوجها تمسك ذراعه بقوه تصرخ من بين دموعها

"كفاية يا زين هيموت في إيدك… حرام عليك"

كانت تحاول بكل قوتها أن تنتزعه من فوق الرجل الملقى وهي تدفعه تاره وتجذبه اخري لعلها توقف نزيف الغضب من بين قبضتيه وفي ذات اللحظة أمسكت هاتفها بيد مرتجفة اتصلت برفيقه تستغيث به أن يدركه قبل أن يحدث ما لا يُحمد عقباه

لم تكن تعلم ما الذي يحدث ولا من هؤلاء الذين اقتحموا ليلهم لكنها رأت في زوجها الآن وحشًا يوشك أن يبتلع كل ما أمامه ظلت تحاول أن تنقذه من شر نفسه قبل أن ينقلب الأمر إلى مالا يستوعبه عقل

لم يكد صراخ رانسي يخفت حتى دوّى صوت الأقدام فوق الدرج خطوات مسرعة تشقّ صمت العمارة وفي لحظة اندفع سليم إلى الداخل متقطع الأنفاس عيناه تجولان في المكان تبحثان عن مصدر الفوضى

تجمّد مكانه للحظة أمام مايري

زين منكبا على شريف قبضتاه تهويان بلا رحمة كمن يريد سحقه حتى آخر نفس ورانسي متشبثة بذراعه تستجديه أن يتوقف وعمرو بلال واقفا في المنتصف وكأن صاعقة ألقت به هناك لا يحرّك ساكنًا وعيناه مسمّرتان على زين تترنحان بين الغضب والذهول يتأمله كمن يرى شبحًا روحه تنزف فتضرب في أعماقه وجعًا قديمًا لم يُشفَ

اندفع سليم يجذبه بكل قوته من كتفيه وهو يهتف

"انت بتعمل إيه يا زين؟ فوق بقى الراجل هيخلص في إيدك"

لكن زين قاوم بعناد جسده متصلب وعينيه تقدحان شررا صرخ وهو يحاول الإفلات

"سيبني يا سليم مش هسيبه قبل ما أعرف أختي فين"

ثم انحنى نحو شريف الممزق تحت قبضته صوته خرج كالرعد

"فين مُزن يا وسخ؟ قولّي فينها ولا أدفنك هنا دلوقتي"

ارتجّ المكان بأصداء صرخاته وجسد الآخر يرتعش تحته ينتظر ضربة النهاية جذبه سليم بعنف أكبر ثم هزه وهو يصرخ

"فوق يا زين هتخرب الدنيا وتضيع نفسك"

بينما والده ظل جامدًا يده ترتجف على جانبه يريد التدخل لكنه مقيد بصدمة أكبر من أن يتجاوزها فقد كان ينظر إلى زين نظرة غريبة كأن الزمن انشق فجأة وأعاد إليه ملامح ظلت غائبة عنه سنوات

صرخت رانسي من جديد دموعها تسبق كلماتها

"كفاية يا زين حرام عليك "

وبقوة جمعها من خوفه دفع سليم صديقه للخلف انتزع قبضته من فوق شريف ليرتد زين مترنحًا وهو يلهث عينيه مازالتا مشتعلة لكن جسده خارت قواه للحظة أمسك سليم بكتفيه بعنف وهو يصرخ في وجهه

"فوق إنت مش شايف نفسك؟ عايز تبقي قاتل"

وفي تلك اللحظه ارتفعت عينا زين إلى والده توقف الزمن لثوانٍ وقد تجمدت أنفاسه وارتجفت أطرافه وهو يرى ماضيًا كاملاً ينهض أمامه ماضيًا حاول دفنه فعاد واقفًا بكل ثقله انكمش قلبه كأنه يواجه الحقيقة التي هرب منها طوال حياته

أما الحاج عمرو فقد غاص في عينيه هو الآخر يحدق فيه بذات الصدمة وهو يري نزيف روح بكره الذي عاد فجأة كعاصفة تهز الأرض من تحت قدميه

...........................................

يقولون إن الأرواح قد تتلاقى في دروب الحياة

ربما نصادف من يحنو علينا وينتشلنا من بئر الخطيئة

من يوقن أننا لسنا كما نظن ولسنا مدنَّسين

فرغم خطايانا لم نتردَّد في التوبة

نوقن أن رغم كل شئ ورغم ذنوبنا ...لم يغلق باب الرحمة يومًا

وها نحن الآن نقف علي الحافه ما بين الصلاح والطلاح والفرق بينهما ...... قلم

في شقه داخل احدي احياء كرموز بالإسكندرية كانت العتمه تفرض سطوتها على المكان ولهيب الحقد يتلألأ في عينيه حيث جلس أرضًا يطوّق سيجارته بين أصابعه والدخان يتصاعد حوله كسحابةٍ سوداء تخنق الهواء من حوله بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يتفحّص الصور على هاتفه مستمتعا بما يراه متمتمًا بصوتٍ متقطّع

" قربت اوووي .. كل اللي فات يهون قصاد اللحظه دي "

رفع بصره نحو العتمة عينيه تلمعان بالدموع التي أبى أن يتركها تسيل ثم أردف بصوتٍ متهدّج وقد خفتت متعته

" تقدر ترتاح فقبرك يا حبيبي دلوقتي بس ارتاح حقك بدأ يرجع"

لطالما تردّد في أوطاننا مثلٌ شائع

(يكذب الكذبه ويصدقها) هو لم يكترث يومًا للبحث عن الحق

فقد صدّق الأوهام التي زُرعت في قلبه وتعامي عنها العقل وأغلق عقله عنها ولأنه في غفله من الحق ولأنه تناسي الصواب آتته النتائج كالسياط لا ترحم روحه

حيث قطع شروده صوت طرقاتٍ متتابعة على الباب فالتفت برأسه بعدما أطفأ سيجارته وقد انتشر الدخان من فمه بهالةٍ خبيثة تشبه قسماته

نهض متثاقلًا نحو الباب وقد لاحظ أنّ الطرقات ازدادت حدّة

فتقدّم وهو يتمتم

"ايوه... جايي يا اخي في اي مستعجِل ليه؟"

وما إن فتح الباب حتي تفاجئ عادل بمن يقف أمامه فانعقدت الدهشة في عينيه وقبض على الباب بشدة وتحول الخبث لجديه على وجهه وقال بحدة

" انت ؟"

ابتسم القادم ابتسامه قاسيه ثم بهدوء اجابه

" مفاجأة مش كده ؟ موحشتكش يا دوله والا إيه ؟"

في تلك اللحظة تجمّد جسد عادل وقد جفّ الدم في عروقه

وارتعشت أصابعه وهو لا يزال ممسكًا بالباب بينما حاول أن يخفي الارتباك خلف قناعٍ متماسك

وقد شعر بخليط من الغضب والشكّ وربما الخوف فابتلع لعابه بصعوبة وأجبر صوته على الثبات وهو يقول

"إيه اللي رماك عندي وعايز ايه؟"

انحنى القادم قليلًا للأمام واقترب حتى بات وجهه في مرمى أنفاسه الثقيلة وردّد بصوتٍ خافت حاد كالسيف

"انت نسيت والا ايه؟ دانت بتلقطها حتي ....بس عشان اطمنك هو حساب قديم ولازم نصفيه."

انهي عبارته وهو يدفع عادل إلى الداخل وقد امتدت يده تنزع ساعة معصمه ثم وضعها برفقٍ على المنضدة بجوار الباب وبقدمه دفعه ليغلقه خلفه وبهدوءٍ متعمد أخذ يثني أكمام قميصه ببطء وابتسامة بسيطة ترتسم على وجهه ثم تابع بنبرةٍ رخيمة

"في حوار صغير كده كان لازم يحصل من زمن وانا اتاخرت عليه "

ارتدَّ عادل خطوة للخلف حتى التصق ظهره بالجدار وعيناه تراقبان كل حركةٍ كأنها خنجرٌ يقترب من صدره حاول أن يتماسك فابتسم ابتسامةً باهتة وهو يقول

"حوار إيه اللي جاي تتكلم فيه دلوقتي؟ خلاص قفلنا كله ومفيش حاجه جمعاني بيك"

اقترب منه الآخر بخطواتٍ ثابته كأن الأرض تحت قدميه تُساق له سوقًا ثم توقّف عند مسافة قصيرة منه قد ارتفع حاجبيه وببرود تساءل

"قفلنا؟ لا يا دوله كده ازعل منك كل حاجه لسه مفتوحة ياحبيبي ومش هتقفل غير لما أخلص كل كلمة وكل فعل وكل حد ضاع بسببك"

بينما شحب وجه عادل وارتجف صوته وهو يحاول أن يجد ثغرة للهروب يعلم أن من أمامه ليس بهين وان أظهر عكس ذلك

"إنت... إنت مصدّق نفسك؟"

قهقه القادم ضحكةً قصيرة خرجت بلا روح تحمل بين طياتها سخرية مريرة ثم اقترب أكثر حتى كاد يلامس كتفه وتمتم بهمسٍ بارد

"اه مصدقني بس انت يا ما كدبت يا دوله ويا ما لبست غيرك فالقرف بس المرة دي اللي لبس حد مني ويخصني والحقيقة هعرفها هعرفها"

توقّف لثوانٍ عيناه تُثبّتانه كالوتد ثم أمال رأسه قليلًا وقال بهدوء

"فاختار عايز انهي طريقه نمشيها بالسهل....والا نمشيها بالصعب"

انهي كلماته بجديه وقد كانت أشبه بحكمٍ مُعلَّق كأنّه يخيره بين الحياة والموت ..... بين الاعتراف والانهيار... فأيّهما يختار؟

ابتلع لعابه بصعوبة وحاول أن يُرسم على وجهه ابتسامة باهتة لكن ارتجافة يديه فضحت ارتباكه ورفع ذقنه في محاولةٍ يائسة ليتماسك وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها واثقة فخرجت مهزوزة

"طريق سهل ولا صعب؟ إنتَ فاكر نفسك مين عشان تسايرني زي ما إنت عايز؟ أنا... مبخافش واعلي ما في خيلك اركبه"

ورغم قوه كلماته التي ربما يلاحظها الجميع لكن عينيه كانتا تقولان العكس تتأرجحان بين التحدي المزيّف والفزع الكامن كأن الجدار خلفه صار قبرًا ضيّقًا يُطبق عليه والغرفة المظلمة تحولت إلى ساحة محاكمة لا مهرب منها فابتسم القادم ببرودٍ وهو يراقب ارتباكه ثم تمتم بثقة وقد خرج صوته عميقاً كنذير عاصفة

"اعلي ما فخيلي لو ركبته هيفعصك انت واللي زيك يا دوله."

ارتبك عادل للحظة وحاول يخفي توتره بابتسامة باهتة لكن إياس لم يمهله انحنى قليلًا للأمام عينيه مثبتة في عينيه بلا رمشة ونبرته أصبحت أشد قسوة

"إيه؟ إنت مش عارفني ولا إيه؟ دانا إياس جاد برده… ولا نسيت؟"

انهي كلماته بغمزه أقرب لطعنة او ربما تهديد صريح

جعل قلب عادل يقفز في صدره وقد شعر أن الدم جف في عروقه و أن القادم لن يسره فابتلع لعابه بصعوبة وارتدّ للخلف محاولًا استجماع رباطة جأشه فشعر أن الأرض تهتز تحته وهو يراقب إياس يتقدّم منه خطوة بخطوة كما يتقدم الصقر نحو فريسته والجو من حوله يزداد خنقًا وقد علم ان القادم لن يحمل له سوى الخوف وربما المهانة

...........................................

وعلي الجهه الاخري من الابتلاءات

كان يقف في عمله داخل الصيدليه يتابع الحسابات ويتاكد أن كل شي كما يجب أن يكون وبينما هو جالس ليتفاجئ بالباب الزجاجي يفتح ويغلق ولم يدخل منه احد

تيبس للحظه وقد استعاذ الله من الشيطان الرجيم ووقف ليسير خلف الكاونتر يتأكد من دلوف اي احد

وبمجرد أن تحرك قليلا تفاجئ بطفل يقترب عمره العاشره قصير القامه يقف أمامه لم يتجاوز طوله نصف طول الكاونتر

نظر له لؤي بغيظ شديد وهو يتمتم

"بقا حته الزبله دا يرعبني انا الرعب دا كله "

ثم اقترب منه يمسكه من ثيابه يرفعه بيد واحده وهو يرفع حاجبه له ويتابع

" انت ياض ترعبني دانت متجيش لركبتي يالا"

نظر له الطفل رعد ببراءه

"اي يا عمو ماسكني كده ليه انا عايز المسكن دا نزلني بقا "

قالها وهو يناوله قصاصه من الورق زفر لؤي بقوه وهو يستغفر الله في سريرته وقد امسك قصاصه الورق وهو يقول

"بعد كده ابقي ابعت حد كبير او طويل مش ناقصين رعب "

تشنجت ملامح الصغير وهو لم يفهم شي وصدم لؤي عندما قال

"وانا كنت عملتلك حاجه يا عم انت هترمي بلاك عليا هاتلي الدوا وانا امشي "

اتسعت عينا لؤي بغضب وهو يزفر ويتمتم مع نفسه ببعض الكلمات الغير مفهومه وقد وقف رعد يطوي زراعيه أمام صدره منتظرا العلاج

استدار لؤي عائدا خلف الكاونتر وهو يقرا الورقه فتفاجي بما هو مكتوب وقد قرءه بصوت عال

"عايز الدوا اللى مرسوم عليه واحد عايز حضن ؟ دا دوا اي دا الي عايز حضن ده ؟ مااتجوزه احسن "

اجابه رعد بثبات

"هاتلي منه الاول وبعدين انت حر هو انا هقف فطريقك يعني ؟"

اتسعت عينا لؤي وهو يحاول أن يفهم ما يدور حوله ونظر في كل اتجاه فالصيدليه ثم وجه نظره تجاه رعد يقول وعلامات البلاهه ارتسمت علي وجهه

"طب اسمه اي طيب وانا اجيبه "

نظر له رعد بتأفف وهو يقول بثبات وقد انتفخت اوداجه

"انا مش عارف انت ازاى دكطور ..... عشان تعرف اني بفهم عنك اسمه اتطافست "

نظر لؤي له ومازال لم يفهم ما يقوله ثم وجه نظره تجاه ارفف الادويه خلفه واعادها مجددا يتابع

" وانا مالى ومال انت اتطافست والا لا روح يلا وابعتلي حد كبير أفهمه باسم العلاج "

نظر له رعد بشر وهو يقول

"ولو رحت جبتلك امي يا دكطور ؟"

اتسعت عينا لؤي قليلا ثم صاح هائجا

" انت ليه محسسني انك بتهددنى هو انت هتجيبلي هيئه الادويه امشي ياض من وشي "

ضرب رعد الأرض بقدمه وهو يقول

"خلى بالك انت اللى هتخسر وانا هروح اجيبلك امي عشان انت دكطور مبتفهمش". ثم ركض من أمامه

كاد لؤي أن يلحقه و يضربه وهو يصيح

"طور لما يلهفك يلا يالا من هنا قال مبفهمش قال .... هاتلى امك كتك نيله"

وعاد ادراجه خلف الكاونتر وما كاد يجلس حتى سمع صوت فتح الباب فظنه ذاك الطفل مجددا فالتفت ينوي ضربه وعيناه تلتمع بالشر وهو يقول

"جيت لقضاك بقا "

توقف فجاه وهو يري آسر يدلف الصيدليه مستغربا حالته القي السلام ثم اقترب منه يتساءل

" اي يا عم مالك كده؟ مين مجننك عالصبح؟"

تنهد لؤي وهو يشير له بالجلوس جانبه ويقول

" عيل اوزعه يا آسر هبلني جنن عقلي عالصبح قال ايه عايز...."

لم يكمل كلامه حيث اقتحمت سيده الصيدليه تصيح بصوت عال

" هو فين الدكطور اللى هنا .... مجبتش الدوا للواد ليه ؟"

نظر كلا من لؤي وآسر لها ثم جاوبها لؤي بهدوء كونها امراه وهو ينظر لرعد جانبها وهو يبتسم له بشر

" يافندم حضرتك انا عايز اسم العلاج أو حتي علبته او شريط قديم عشان اقدر اجيبه إنما دا جايبلي ورا بيقولي راجل عايز حضن ..... حضن اي يا فندم هي شقه مفروشه "

تعالت ضحكات آسر فجاه وقد ضرب قدم صديقه ينبهه لكلماته

تفاجئ بكلام السيده ام رعد تتابع

" ماهو مش فاكرين اسمه وعليه واحد واقف عامل كده ولونه ازرق "

انهت كلامها تفرد زراعيها أمامه كمن سيضمه لها تراجع لؤي للخلف غير منتبه أن بينهما الكاونتر وهو في حاله صدمه وقد احمر وجه أسر بشده وهو يكتم ضحكاته فتابع لؤي كلماته بعدما علا صوته

" المفروض انى كده اعرفه ؟ وبعدين هو انتى هتحضنيني يا ست هو في اى مين داعي عليا عالصبح ؟"

تمالك آسر ضحكاته واستقام ينظر إليها ويسالها بكل هدوء وبابتسامه هادئه

" طب لو سمحتي حضرتك بتستخدميه لايه ؟"

التفتت تنظر له من أعلي لاسفل في موقع بصرها فارتفع حاجبي لؤي وهتفت بنفاذ صبر

" دا مسكن باخده انا وأبو العيال "

ابتسم لها أسر وهو يتحرك حتي الادويه يسحب منها علبه بين اللونين الاصفر والابيض واقترب منها يتساءل

" هي دي طيب ؟"

ابتهج وجه ام رعد وقال رعد بسرعه وقوه

" ايوه هو الراجل اللى عايز حضن دا "

ابتسم له آسر بينما مازال لؤي يشعر بالبلاهه وقد افترقت شفتاه عن بعضها وانتبه لاسر وهو يسأل

"حاجه تاني يا فندم ؟"

ضحكت ام رعد وهي تنظر للؤي بجانب عينها وتتابع

"صحيح شهادات عن شهادات ..... سألوا الحمار اتعلمت...نهقلهم "

اتسعت عينا لؤي وقد غزاهما الاحمرار فأمسك آسر يده ضاغطا عليه وهو بجيبها

" دكتور لؤي افضل مني بصراحه كل الحكايه أنه ميقدرش يديكي حاجه غلط تضرك وابنك مقالوش حاجه "

فصاح رعد من مكانه وهو يشيح بيديه

" لا قلتله اسمه اتطافست "

نظرا كلا من لؤي وآسر للدواء ثم له ورد لؤي عليه قائلا

"دا انت اللي طفس اسمه كاتافست "

ليضم رعد يديه مجددا وهو يقول بثقه لا يعلم لؤي من اين اكتسبها حقا

" وفرقت اي عن اللي انا قلتها ؟ يلا يا دكطور انت هاتي تمن متر "

قالها وهو يشير بإصبعه تجاه آسر وهنا كانت البلاهه من حقه هو حقا لم يفهمه نظرا لأم رعد ظنا انها قد تصلح لابنها التلوث اللغوي هذا فقتلتهم الصدمه وهي تؤكد

"يوه جدع يا واد يا رعد انا نسيت التمن متر اصلا وضيف عليه يادكطور قطفلى الملوخيه "

لم يستطع لؤي تمالك نفسه وقد صاح منفعلا بسخريه

"وتحبيها بقا بالارانب والا بالفراخ ؟"

فانفلت عقال ام رعد وهى تصيح به

"جرا اى يا راجل انت عمال تتنطط كده مش كفايه أنك دكطور بهايم ومش عارف تجيب العلاج ؟ يا بجاحتك عايزه العلاج لام سيد جارتنا عشان الواد عنده سخونيه "

حاول آسر أن يسيطر علي الوضع الراهن فنظر للؤي يحثه علي الهدوء بينما لؤي قد صاح بوجهه

" بتبصلي كده ليه ياعم مش سامع ..... اقولك اتعامل انت انا واحد جاله الضغط خلاص وعالي كمان اتعامل كاني مش موجود "

انهي كلامه يجلس مجددا تاركا صديقه يتولي الأمر حمحم أسر مجددا ومازال يحاول فهم الطلب

" بصي في كاتافلاي للسخونيه هنا دا كويس جدا وقوي احسن من اللي بتقولي عليه دا "

والتفت يحضر لها العلاج فأخرجت من صدرها علبه فارغه تقارنها بها فاتسعت عينا آسر بزهول بينما لؤي ينظر له بشماته وانتبها وهي تقول

" احسن منه ازاي ماهو هو يا دكطور ....شكلك زي صحبك مبتفهمش والا ايه ..... هاتلي بقا تمن متر "

تجاوز أسر عن الاساءه وهو يقول بثقه وثبات ليتهرب منها وينهي هذه المأساه

" معندناش للاسف "

تفاجئوا جميعا بشيئا يقذف علي الكاونتر فنظر أسر للأسفل فرأي رعد يحاول وضع ترمومترا طبيا أمامه فأمسكه منه يتساءل

" هو دا اللى عايزينه ؟"

مصمصت السيده ام رعد شفتيها وهي تقول

" عيني عليكم علام اي بس اللي اتعلمتوه دا العيل الصغير عرف وانتو يا كبار زي خيبتها....... بعيد عنك يا دكطور اصل العلم اتطور وعملوله دا يقيسه بيه الحراره عقبال ما يوصلكم بس "

تنهد أسر وهو يحاول تجاوز الوضع بحكمه بينما نظر للؤي وجد نظراته شامته فالتفت مجددا يسألها وقد اوشك صبره على النفاذ

"حاجه تاني يا ست؟"

"لا الحساب كده كام ؟"

نقر لؤي عده ازرار علي الحاسوب ثم قال

"الحساب كله كده 75 جنيه ..."

اخرجت السيده محفظتها وأخرجت ورقه فئه المئه جنيها

تناولها لؤي ثم نظر لدرج الكاونتر واعاد نظره لها قائلا

"معاكي خمسه وتاخدي تلاتين علي بعض عشان مفيش فكه"

نظرت له السيده باستغراب وهي تفتح محفظتها مجددا وأخرجت منها ورقتين فئه العشرون جنيها وآخري فئه الخمسه جنيهات وهي تمد يدها أمامه قائله "معاييش غير دول "

فسحب منها لؤي الخمسه جنيهات واعطاها ثلاث ورقات من فئه العشره جنيهاً

وقفت ام رعد تنظر للنقود بين يديها وهي تحاول حساب النقود

ثم قالت

" كده فاضل خمسه جنيه انت خدتها .... هاتها بقا"

تنهد لؤي وهو يريها بين يديها الثلاثون جنيها ويتابع

" بصي يا ستي انتي المفروض ليكي خمسه وعشرين جنيه وانا معنديش خمسات .... اديتك التلاتين اهم وخدت منك خمسه كده يبقي الحساب مظبوط "

لم تستوعب ماقيل لها وقد وقفت تجادلهم كثيرا وانتهي الأمر بأخذها للخمسه جنيهات مره اخري ورحلت تسبهم وتنعتهم بالسارقين بينما وقف لؤي يضرب كفا بالآخر وهو في حاله صدمه

وبجانبه انفجر أسر ضاحكا حتي سقط علي المقعد خلفه

جلس لؤي مجددا يستغفر ويقول

" توب علينا يا رب ... طارق سافر ولبسني انا هنا مكانه كان مالي ومال الملوخيه انا هو انا هسطرها واشمها"

انهي كلامه ينظر لأسر فوجده في حاله ضحك هستيريه فضحك بخفه حتي هدأ أسر وبمجرد أن ناظرا بعضهما مجددا حتي تعالت ضحكاتهما معا وهم يضربون كفوفهم ببعضها وقد كانت تلك اللحظات سعاده مسروقه بين شده الواقع

...........................................

مضت الأيام متتابعة وسريعة تحمل بين طياتها تقاربًا لم يكن مخططًا له بينهما لم يكن الأمر مجرد زمالة عمل كان هناك شيء آخر خيط خفي يربط بينهما تناغم عجيب في التفكير كأن عقولهم تمضي في المسار ذاته وتُكمل ما بدأه الآخر دون جهد وكأن كليهما وُلد ليُكمل الآخر

ورغم غربتها القاسية تأقلمت لفكره أنها وحيده في بلد غريب ورغم استمرار فشلها المتكرر في الوصول إلى خالها لم تسمح لليأس أن يبتلعها فقد كانت كل ليلة تعيد الاتصال برقم هاتفه تهمس باسمه تذرف دموع وحدتها وضعفها تبكي غربتها وافتقادها لعائلتها تتحدث إلى الفراغ كأنه معها حتى صار بكاؤها طقسًا من طقوس الليل ثم تغفو على وسادة تلتحف بالشوق والفقد ومع مرور الوقت اصبح اسمها يختزل حالتها فهي إباء ومن الإباء تشكلت قوتها

وفي قلب هذا الصراع الداخلي كان المعمل هو مهربها الوحيد

وها هي الآن تقف أمام طاولة العمل في المعمل عيناها معلقتان بالتقارير التي تحمل تفاصيل العينات

بينما طارق يقف بجوارها يُراجع معها النتائج كانا يتبادلان النقاش حول تحوّر الخلايا والمواد التي خضعت لها واهميه معامله العينه بالمركب الجديد عندما أشار طارق إليه حيث عمل عليه ليل نهار في الأيام الأخيرة تحرك الحوار بينهما بحماسة أكبر

انحنى طارق قليلًا فوق إحدى العينات وأشار إلى الملاحظات بخطوط واضحة

"بصي… أنا الأيام اللي فاتت ركّزت على المركب دا عملت عليه تعديل بسيط في الصياغة وعايزين نشوف تأثيره على الخلايا السرطانية لو فرضيتي صح… النتيجة هتكون مختلفة تمامًا"

نظرت إليه إباء بعينين يملؤهما الإصرار وقد بدا التعب على ملامحها لكنه اختفى أمام حماس اللحظة

" معاك حق… العينة دي لازم تتعامل بالمركب الجديد الأرقام الأولية بتقول إنه كويس ولو فعلاً أثبت فعاليته يبقى عملنا نقلة كبيرة"

صمت طارق قليلًا يُعيد بينه وبين نفسه ثِقل هذه الخطوة بينما ابتسمت إباء ابتسامة باهتة حملت بداخلها قوة لا تكسر

وقد كان الحوار بينهما يشبه خيوط الضوء التي تتسلل من نافذة صغيرة في غرفة مظلمة ومع كل كلمة كان الأمل يكبر كان المشهد أشبه برقصة فكرية متكاملة كأنهما يضعان حجرًا فوق آخر في بناء جديد ينهض أمامهما على هيئة شغف رغم كل شيء يثقل قلوبهما ورغم أن جراحهما الداخلية كانت أعمق من أن تُشفى

قطع حديثهما المفاجئ صوت خطوات سريعة تتقدّم نحو المعمل تلاه نداء مرحٍ يخترق صمت المكان

"طارق يا رجل وينك "

التفتا معًا وقد تجمّدت الكلمات على شفاههما للحظة قبل أن يتقدّم رجل طويل القامة بخطوات واثقة ابتسامة عريضة وملامح مشرقة تبادل الثلاثة النظرات ثم تقدّم طارق نحوه بخطواتٍ متسارعة والابتسامة ترتسم على وجهه وهو يقول مازحًا

"سفيان؟ خير إن شاء الله… إيه سر السعادة اللي مالي وشّك ده؟"

تقدّم سفيان صافح طارق بحرارة ثم أومأ برأسه نحو إباء بابتسامة ودودة دافئة

"مساء الخير دكتورة."

ثم عاد ينظر إلى طارق بعينيه الهادئتين ولهجته السورية التي تضفي دفئًا خاصًا على كلماته

"اترك كل شي من إيديك هالحين اليوم ميلاد فايڤر وقررنا نحتفل بطريقة غير شكل رح نجمع كل الأحباب ونطلع يوم ترفيهي نضحك ونغني وننبسط وانت رح تچي معنا بدنا نحتفل سوا"

ساد لحظة صمت قصيرة امتزجت فيها الدهشة بابتسامة عفوية على وجه طارق بينما نظرت إباء بينهما بفضول لم تستطع إخفاءه وكأنها وجدت نفسها فجأة جزءًا من عالم آخر لا تعرفه بعد.

تبادل طارق وإباء نظرات قصيرة قبل أن يخفض نظره للحظة ابتسامة هادئة على وجهه ثم قال بصوت فيه شيء من التردد و الحرج

"والله يا سفيان… ورايا شغل كتير ولسه ما خلصناش التجارب على العينات وبعدين… أنا معرفش حد من أصحابك وموضوع الاحتفالات ده مش جوي أوي ومش عارف هبقى مرتاح ولا لأ"

ضحك سفيان بخفة وهز رأسه فهو توقع هذا الرد بينما نظراته حملت جدية حانية

"عطول أنت هيك شغل وبس…اسمعني يا طارق الليلة مافي شغل الليلة هاي مره ننسى فيها التعب الناس محتاجتك بينهم والدنيا مش كلها شغل أوقات ضحكة واحدة مع ناس بتحبك بتديك طاقة تكمل بيها شغل سنين وبعدين… شو يعني ما بتعرف حد؟ أنت بين أهلك هون كلنا إخوة "

ساد لحظة صمت خفيفة وقد اخترقت كلمات سفيان شيئًا في قلب طارق ومع ذلك ظل الأخير مترددًا فالتفت سفيان فجأة إلى إباء التي كانت تتابع بصمتٍ متحفظ ابتسم لها وقال بنبرة دافئة

"ويلا يا دكتوره إباء حضرتك كمان مدعوة ما بصير نحتفل بلاكي"

اتسعت عيناها قليلًا من المفاجأة ترددت وارتبكت بينما تراجعت خطوة كأنها تحتمي بجدار صمتها قبل أن تقول بصوت خافت خجول كأنها تزن كلماتها

"أنا؟… لا مش هينفع أنا معرفش حد خالص… وبصراحة مش مرتاحة لفكرة إني أروح وسط ناس غريبة."

اقترب سفيان خطوة منها يبتسم ابتسامة أكثر دفئًا وصوته امتلأ بعاطفة صادقة وهو يخاطبها

"اسمعيني كلنا هون غربا متلك كلنا عرب وهاي مش بلادنا

وكلنا عايشين شعور الوحدة اللي انتي حاسة فيه ويمكن أكتر بس القدر جمعنا بنفس المكان صدقيني إحنا محتاجين بعض الغربة لو ما شاركناها بتاكل من قلوبنا شوي شوي يلا… خلينا نعيش يوم حلو نضحك نغني وبتتعرفي على ناس بيتمنّولك الخير أكتر من حالهم"

كانت كلماته كضوء دافئ يتسرب إلى قلبها رغمًا عنها سهم اخترق ترددها وحرّك في داخلها شعورًا دفينًا بالوحدة لكنها ظلت متشبثة بتحفظها فاكتفت بابتسامة صغيرة مرتبكة وهي تهمس

"مش عارفة يا د سفيان… الموضوع مش سهل بالنسبة لي."

حينها تدخّل طارق وقد قرأ صراعها الداخلي في ملامحها فابتسم محاولًا أن يخفف الجو ثم نظر إليها بجدية وقد حملت نبرته عطفًا واضحًا

" إيه يعني يا د اباء؟ هو يوم واحد وبعدين مش هتكوني غريبة أنا موجود والناس اللي مع سفيان واثق أنهم ناس محترمين واكيد هتحسي براحة وهتعرفي ناس زيك اعتبريها فرصة تخرجي من المعمل يمكن تلاقي فيهم صحبه زي ما لقيتي في الشغل ده متنفس متخافيش"

تعلّقت عيناها بعينيه تنظر إليه مطولًا تبحث عن يقين يطمئنها بينما سفيان ظل يترقب بصبر ابتسامته لم تفارقه كانت مشجعة ممتزجة بالرجاء لحظة صمت بدت أطول من اللازم خيّمت عالاجواء قبل أن تزفر إباء ببطء وتقول بصوت خافت حاسم

"ماشي…المرة دي بس علشانكم"

تهللت أسارير سفيان بفرحة صادقة وربت على كتف طارق ضاحكًا

"هيك بدي أنا .... الليلة غير شكل صدقوني… ما رح تندموا"

ظلّت إباء تبتسم ابتسامة صغيرة مترددة تخفي خلفها خليطًا من الخوف والرهبه إحساس غريب بأنها على وشك أن تعبر عتبة جديدة في حياتها.

...........................................

#يتبع

دمتم سالمين

#فاطم

ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شاردتي

المؤلف fatma Elabd
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة