اللهم يا كاشف الخفايا يا عالم بما تُخفي الصدور
نجِّنا من مكرٍ يتخفّى في هيئة نُصح واكفنا شر من زيَّنوا أقوالهم بالودّ وأخفوا في نواياهم السمَّ والعذاب
ونجنا ممن لبسوا وجوه الإخوة وأخفوا قلوب الأعداء
اللهم لا تُسقِنا من كؤوسهم المسمومة
ولا تجعلنا أسرى ابتساماتهم الخادعة
اللهم لا تجعلنا فريسةً لابتسامةٍ كاذبة ولا لرفقةٍ غادرٍه
ولا تأخذ قلوبنا حيث الهلاك
وأرنا الحقَّ حقًّا حتى لا تضلّنا ظلالهم
وأجرنا من كيدهم كما تُجير الحمل من أنياب المفترس
أنت الحافظ من مكرهم وأنت الكاشف لستائرهم فأجرنا من شرورهم كما تُجير الضعيف من براثن الوحش.
وآخر دعوانا أن الحمد لله وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
............................................
خلقنا متفاوتين ربما ياكل الضعيف منا القوي
اوووه عذرا تعتقدون اني أخطأت والصواب أن القوي يأكل الضعيف ؟. حسنا يا ساده دعوني اوضح لكم
أن القوي فالضلال ضعيف وان الضعيف في الحق قوي
وتباً لعالم يعتقد غير ذلك
جميعنا نعلم أن الذئاب تحيا بالمكر الخفيّ
دهاءها الفطري يتمثل في صبرٍ طويل
يُربك الفريسة حتى تُسلِّم نفسها مختارة
كائناتٌ تعرف كيف تقترب بخطواتٍ محسوبة
تُراوغ الصيد بنظراتٍ وديعة حتى تطمئن
ثم لا تتردّد أن تنهش أعماقك ساعة السقوط
وحين تتجسّد الذئاب في هيئة بشر
لا يُرى لها نابٌ ولا يُسمع لها عواء
تحمل معها ذلك الدهاء الموروث
فتصبح الابتسامة قناعًا والكلمة فخًا والاقتراب طُعمًا للهلاك
فالذئب لا يُقاتل دائمًا في العلن فهو يطارد بخطى خفيّة
ينسج حول ضحيّته دائرة من الوهم حتى لا ترى الخطر إلا بعد أن يطبق عليها فتغرس انيابها في القلب
كما بعض البشر يتقمّصون هيئة الملائكه بينما في أعماقهم تنبض بغريزة الافتراس لا يعرفون معنى الوفاء ولا يُحرّكهم إلا نداء الغريزة ..... غريزة الانقضاض وحين تحين اللحظة المناسبة
يتركون خلفهم أطلالًا من الأرواح المحطّمة
هم أخطر من الوحوش حيث يُتقنون التنكّر
وجوههم مألوفة، أصواتهم مطمئنة، بينما أرواحهم مسعورة
تقتات على الضعف وتتلذّذ بانكسار الآخرين
إنهم لا يعرفون الحب إلا طُعمًا
ولا يعرفون الوفاء إلا قيدًا مؤقّتًا حتى يحين زمن الغدر
وحين يخلعون أقنعتهم تنكشف الحقيقة البشعة
أنهم صيّادين ماهرين في هيئة ...... بشر
............................................
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل الزجاج المتناثر والعصير المنسكب كان يملأ الفجوة بين الصدمة والذهول وقفت مزن يداها ترتجفان وقد شحب وجهها فجاه
رفع زيدان عينيه إليها وهما تتسعان بدهشة لم يعرف مثلها من قبل ثم التفت إلى زياد بصوت مختنق
"إنت قلت إيه؟ عز الدين… بيردد اسم مين؟"
أجاب زياد بتردّد يراقب ارتباكها بكلمه واحده اودت بتماسكهما
" مزن "
هنا ارتجفت شفتاها حاولت أن تنطق أن تخرج شيئًا يفسّر ما يدور بعقلها فخرج منها همسٌ متهدج بالكاد يُسمع
" خال…"
توقفت الكلمة في حلقها عينها الزائغتان تدوران بين زياد وزيدان وكأنها لا تصدق أن ما يخبئه القدر منذ ايام عاد ليطرق باب حياتها بهذه الطريقة المفاجئة ...... ظل الثلاثة في مكانهم مشدودين في لحظة تحمل خلفها انفجارًا قادمًا لا مفر منه
.......................................
ولأن الصدمات تتوالي ولأن الأقدار واحده باختلاف الاماكن كان الوضع خانقا في ذلك الكافيه حيث توقّف الزمن …وقد اخترق الاسم ذاكرته مثل سهم قديم لم يلتئم جرحه غامت عيناه وتبدّدت الصورة وعاد عقله قسرًا الي ذلك اليوم ...... حيث وصلا امير وطارق للموقع الهندسي الخاص بعمل خالد التفهني ليستشعرا
حركه غريبه وتوتر منتشر فالاجواء حيث الجميع يقول إن والدهما وصديقه عمران الدالي سقطا معا من الطابق السادس علي مون البناء
ركضا معا ليتجمدا من منظر عمران الذي تهاوي جسده وشفتيه تتحركان وكان اخر ما استطاع قوله. "خالد التفهن…"
ثم انقطع النفس وبقيت الكلمة حبيسة في صدر عادل لسنوات كجرحٍ لم يُفهم معناه فهو كان مع والده وقد صعق مما حدث كانوا وقتها صغارا
نظرا كلا منهم إلى الجانب الآخر ليجدوا الإسعاف تحمل والدهم خالد التفهني في عربتها لفعل اللازم ركضا وركبا بعدما كادا يتشاجران مع المسعفين وقد تم نقلهم إلى أقرب مستشفى
ومعهم عمران الذي فارق الحياه والآن… الاسم يعود لكن في وجه آخر ...... "عادل"
شعر أمير بانقباض حاد في صدره ليس من الصدفة ما يحدث أمامه خيطٌ متصل بماضٍ لن يُدفن أبدًا رفع نظره للخارج وصوته خرج مبحوحًا
"الموضوع ده… مش صدفة."
ظلّت عيناه معلّقتين في الفراغ حتى أعاده صوت لؤي المتردد
"أمير… إنت كويس؟"
رمش أمير ببطء يطرد الصور التي التصقت بعقله ثم اعتدل في مقعده
"كويس… بس احكيلي كل حاجة تاني من الأول."
تنفّس لؤي بعمق وتبادل معه النظرات وهو يعيد عليه ماحدث مجددا بينما نظر أمير في عينيه بثبات لكن داخله كان يغلي… وقد اقسم أنه يهدم العالم رأسا على عقب أن كان ما يفكر به...الحقيقه
تفاجئ لؤي بطلبه "عايز أقابله "
هز رأسه وهو يخرج هاتفه ويجري اتصالا بإياس يطلب منه القدوم ولم تمر الساعه حتي وصل اياس
تقدم بخطي هادئه داخل الكافيه عيناه تبحثان بين الطاولات
حتى لمح لؤي يلوّح له من بعيد وبجواره شاب فتقدم بثبات نحوهم وهو يلقي السلام
" السلام عليكم ورحمه الله اخباركم اي ؟"
ردا هما الاثنان السلام وقد نظر له امير بدقه يحاول أن يستشف منه شخصيته ولهيب عينيه يتصاعد
.......................................
تقدّمت مزن بخطوات متخبطة داخل الصالة كل همّها أن تسمع عن خالها غير شاعرة بالزجاج الذي يملأ الأرض وقد دعست عليه دون وعي فشقّت الشظايا قدميها الرقيقتين وسال الدم في خطوط رفيعة ورغم ذلك لم تئن كانت عيناها معلقتين بزياد وصوتها مرتجف وهى تتساءل
"خال… أقصد… عز… هو فين؟ إنت تعرفه ؟"
وقف زيدان مشدوهًا عيناه مثبتتان على الدماء الذي تسيل من قدميها قلبه مضطرب عاجز عن الكلام التفت إليها زياد بدهشة
"هو مش إنتي العروسة برضه؟"
اشتعل الغضب في وجه زيدان وهو يضغط أسنانه ويغمض عينيه لحظة كي لا ينفجر بينما مزن التقطت شرارة الغيظ في ملامحه فارتجفت أكثر لكن زياد لم يرحمها من الموقف نظر إليه بسخرية لاذعة
"مش دي العروسة يا عريس؟"
فتح زيدان عينيه ورمى السخرية بمثيلتها
" أيوه… بس مش أنا العريس اعقل وانا هفهمك بعدين انا أصلاً جايبك النهارده عشان أحكيلك"
تدفقت دموع مزن فجأة قطعت حديثهما بصوتٍ مختنق
"عشان خاطري… هو فين؟ قولي يا دكتور… هو فين؟"
تأثر زياد بنبرتها الموجعه وبراءه ملامحها فأجابها وهو يحاول التخفيف عنها
"في المستشفى عندي… الحمد لله حالته اتحسنت كان عامل حادثة بسيطة وربنا نجّاه"
رفعت رأسها بسرعة والأمل يلمع في عينيها
" عايزة أروحله"
تقدّم زيدان فجأة وبصوت صارم
"تروحي فين؟ اقعدي"
انحنى يرفعها من ذراعها رغم مقاومتها وأجلسها بالقوة على الأريكة
"إنتي مش شايفه ؟ جرحتي رجلك اقعدي مكانك لحد ما أشوف حاجة أوقف بيها الدم ده "
ظل زياد يتابع المشهد مذهولًا لم يخفَ عليه انفعال زيدان المبالغ فيه اقترب قليلًا ليسأل
"هو يقربلك إيه؟"
أجابت مزن دون تفكير والدموع ما زالت تتساقط
"خالي… أنا مزن بنت أخته"
تراجع زياد بدهشة وهو يتمتم
"سبحان الله صدفة غريبة أوي."
تركهم زيدان قليلًا ليبحث عما يوقف النزيف جلست مزن تبكي في صمت وزياد يرقبها بعينين مشفقتين همَّ أن يهدئها لكن خطوات زيدان قطعت أفكاره إذ عاد ومعه السيدة عائشة التي انتفض قلبها لرؤية الدم
"مزن بنتي… إيه اللي حصل؟"
أسرعت مزن لتقوم وتهدئها لكن عين زيدان الحادة كبّلتها في مكانها جلست تتلعثم
"ما تقلقيش يا ماما عيشه… مخدتش بالي من الإزاز بس."
قالت عائشة بأسى
" حقك عليا يا بنتي ياريتني ماخليتك تشيليها وانتى تعبانه لسا"
جلس زيدان على ركبتيه أمامها يمسك بقدمها ليضمد الجرح بنفسه بينما زياد يتابع بدهشة أكبر وعقله يتساءل هل هذا هو زيدان الذي طالما اشتهر بكرهه للنساء ؟
لم تدم لحظه ذهوله طويلًا إذ قطعتها مزن بصوتٍ باكٍ
"لو سمحت يا دكتور… خدني عنده عايزة أشوفه"
زفر زيدان بعصبية وهو يعتدل بعد أن انتهى من تضميد الجرح نظر إليها بنظرة حادة ثم صرف بصره فاجابها زياد برفق
"طبعًا… إن شاء الله خلي رجلك ترتاح شوية وبعدين نروح"
لكنها فاجأتهم إذ استقامت فجأة ووطئت على قدمها الجريحة فشهقت من الألم واستندت بسرعة على المقعد خلفها ارتبك زيدان وكاد يتقدم خطوة نحوها .... كاد يقترب لكنه تراجع قابضًا على نفسه بقوة لم يفت ذلك على عين زياد الذي ابتسم بخبث
" تمام… يبقى غيري الأول هدومك اللي عليها دم دى وبعدين نروح كلنا… مش كده يا زيدان بيه؟"
صرّ زيدان أسنانه واستدار مغادرًا الغرفة بعصبية ظل زياد يبتسم وهو يراقب خطواته المنفعله ثم تمتم بينه بابتسامة ماكرة
"شكلك وقعت يا زيدان… ومحدش سمّى عليك."
.......................................
تقدم اياس وصافحهما بحرارة تبادلوا كلمات الترحيب العادية رغم حاله التوتر القائمه ابتسم لؤي وهو يرفع يده يعرّفهم لبعضهم
" دا امير يا إياس أخو مصعب اللي كلمتك عنه."
نظر إياس إلى أمير وقال بصوت هادي محمّل بالأسى
"إزيك يا أمير كنت مستني اليوم ده من زمن… بس كان نفسي أتعرف عليك في ظروف أحسن من كده."
بينما أمير مازال يخترقه بنظراته وقال بهدوء
"وادينا أهه اتقابلنا واتمني أفهم منك كل حاجة؟"
لم يصرح بكلامه لكن المعني وصل لاياس فتنهد بعمق وطلب قهوه ثم ابعد عينيه للحظة قبل أن ينظر إليه بقوه
"بص يا أمير مصعب مظلوم ومجرور زي اي حد فسنه اتسحب في طريق غلط مش بإرادته صدقني والله العظيم معملش أي حاجة غلط بإيده كل اللي حصل… إن في شخص السبب أنا مش فاهم ليه بيعمل فيه كده… بس أكيد ليه هدف أكيد ليه سبب كبير."
اجابه امير بهدوء خادع وقد أيقن أن الجالس أمامه ربما ليس سيئا "عادل الدالي؟"
وكما كانت كلمات إياس كالصاعقة على أمير أصبحت الآن العكس
حل حاله من الصمت بينهم ونظر اياس الي لؤي يستشف منه شيئا
فأوما لؤي له انه يعلم كل شي قطع امير تلك اللحظات وهو يتساءل باستغراب
"بس… انت مهتم تعرف ليه؟"
عاد اياس من جمله أفكاره وهو يبتسم ابتسامة مليئه بالمرارة "علشان أخوك… من ساعة ما عرفته وهو اللي مفوقني ليه فضل كبير عليا أكبر بكتير من اللي هو نفسه يتخيله بس هو ....... مش موضوعنا دلوقتي."
لم يستطع إكمال كلماته فنظر له امير وسمعه يتابع بعد لحظه صمت
"أنا محتاج مساعدتكم لازم نطلع مصعب من البيئة اللي هو فيها قبل ما عادل يخلص عليه .... الواد ده داهيه واكيد ناويله على شر ومصعب مش قده وصدقني لو ما اتصرفناش دلوقتي… هو مش هيخرج سليم."
نظر لقهوته وهو يتابع وقد زاد الامر من استغرابهم
" كان لازم حد من اخواته يتدخل او أهله عامه وبما أن طارق مسافر فمفيش غيرك "
قاطعه امير وهو يتساءل بسخريه
"انت عارف طارق كمان ؟"
نظر له اياس بجمود وهو يقول بحده
" لو كنت اعرفه مكنتش جيت اقابلك دلوقتي ... كل الحكايه أنه طلع صاحب اخويا واللي بالصدفه طلع صاحب لؤي واللي برده بالصدفه كان موجود وانا بسال عليكم معاه "
لم يقطع امير التواصل بينهم وهو ينظر داخل عينيه بقوه اكبر منه وتابع بسخريه
" ماشاء الله واضح أن حياتك كمان صدفه..... كل دى صدف "
وضع اياس فنجان قهوته بحده علي الطاوله مما ادي لارتجاح الكؤوس الاخري فرفع امير حاجبيه بسخريه وسمعه يقول
"انا معرفش بأسلوبك دا انت عايز توصل لايه بس سواء كنت معايا أو لا فأنا هبعده من الوضع اللي هو فيه ولو اضطريت اخده عندي بالإكراه المهم عندي هو "
ثارت ثائره امير وقد اجتمع كل قهره وهو يحاول قمع غضبه في نبرته كي لا يلفت الإنتباه لهم اكثر
" الزم حدودك معايا اللي انت عمال تتكلم عنه دا اخويا .... اخويا انا يعني لما تتكلم عنه اتكلم عدل مش تيجي تهددني كاني هخاف منك "
تطلع اياس في وجهه وراي محاولاته في التحكم في دموعه والقهره في صوته فتدخل لؤي محمحماً وهو يقول
"اهدوا يا جماعه مش كده يا امير ..... اياس جاي عشان تتأكد من كلامي وعشان هو كمان عايز يساعد مصعب مش عشان يهددك"
ثم نظر إلي اياس مكملا
" اعذره انت عارف الوضع عامل ازاي وكمان بلاش الطريقه دي احنا هنا عشان نحل مش نعقد عشان خاطر مصعب اتحكموا في انفعالاتكم شويه "
اغمض امير عينيه للحظه ودفن وجهه بين كفيه في محاوله لاخفاء دمعه سقطت دون إرادته ظنا أنهم لم يروها لكن قد فات الاوان فقد لاحظها كلاهما
فنظر له اياس بعطف وربت علي كتفه وهو يقول
" اسف ياامير مش قصدي اكيد اهددك .... انا بس خايف علي مصعب بجد "
اهتزت نبرته وبانت بحه بكائه ولم يخجل ان يظهر دمعه أمامهم
انصدم امير من كلماته وهو يبعد يديه سريعا عن وجهه وينظر له بدهشه فلاحظ دموعه وشروده فاللاشي وقد بأن الأسي علي وجهه فاستشعر الصدق منه نظر إلي رفيقه فتنهد لؤي وهو يتابع محاولا السيطره على الموقف
" يبقي لازم نواجه مصعب ...لازم يتعاون معانا عشان يتعالج
...حتى لو فمصحه"
سقطت الكلمه علي قلب امير شطرته نصفين فتحامل علي نفسه
واستمر الحديث لبعض الوقت تبادلوا الكلمات والخطط بحذر
وأخيرًا تبادلوا أرقام الهواتف بعدما اتفقوا على أن يظلوا على اتصال دائم قبل أن ينهض كل منهم في طريقه
أمام الكافيه كان الليل باردًا والشارع شبه خالٍ وقف أمير امام لؤي ويجاوره اياس حتى قطع لؤي الصمت سائلا
"رايح علي فين دلوقتي يا أمير؟"
رفع أمير عينيه إلى السماء الداكنة وصوته يخرج متماسكًا رغم العاصفة بداخله
"والله ما أنا عارف يا لؤي… بس أكيد عالبيت."
أومأ له لؤي وهو يتابع
"انا ورايا مشوار صغير عايز اخلصه هسبقك انا واشوفك بكره علي خير ولو حصل اى حاجه كلمونى فاى وقت "
ابتسم له امير بهدوء وهو يقول
"شكرا يا لؤي .... تعبك معايا بس بلاش طارق يعرف لما يكلمك خليه فغربته "
ربت لؤي علي كتفه بس سحبه بصمت بين أحضانه وربت عليه بحنانه على من يخصونه وقد تشبث به امير كالطفل الضائع وحاول التحكم في غصته وسمعه يقول
" انا مش اهبل يا مرّ ... وبعدين مش طارق بس اللى اخويا ياض دانت اخويا زيك زيه بالعكس بحسك اقربلي منه ...... متخافش انا معاك وفضهرك واللحظه اللى هتحس انك بتميل فيها هتلاقينى سندك ومش هسمحلك تقع طول مافيا نفس سامعني؟ "
ابتعد امير عنه وهو يتمالك نفسه ويومئ بالايجاب له ثم ودعا بعضهما وتركهم لؤي ورحل
سار كلا من امير واياس حتي نهايه الشارع كان الليل ساكنًا والأنوار الخافتة تلقي بظلالها على الأرصفة الفارغة
نظر اياس إلى أمير بعمق وهو يقول بعد أن اشعل موقف لؤي معه الاصرار اكثر
" في حاجة حابب اقولهالك و عمري ما تخيلت اقولها لحد."
تقلصت المسافه بين حاجبي امير وانقبض صدره ثم وقف بثبات وفي عينيه خليط من الفضول والرهبة
"إيه هي؟"
اقترب إياس خطوة وابتسم إياس ابتسامة حزينة وصوته اصبح أهدأ مشبع بالوجع وهو يشرد قليلا
"مصعب مش زي ما انتو فاكرين… مصعب انقذني وقت ما كنت غرقان وتايه … والكل كان بيستغلني عادل بالذات كان بيستنزفني زي ما بيستنزف أي حد ضعيف لولا أخوك… مكنتش واقف قصادك دلوقتي بني آدم صح"
تعجب امير واتسعت عينيه بدهشة فتابع اياس بألم
" مستغرب ليه مانت عارف ان اخوك مش وحش وعارف أنها زله زي اي مراهق طايش وزيي .....أنا كنت زمان تايه غرقان في وساخة الدنيا دي كنت خلاص بضيع وهو اللي مدلي إيده هو اللي وقف جنبي وقت ما عادل استغلني مصعب كان الوحيد اللي صدق إني ممكن أرجع بني آدم تاني."
تجمدت ملامح أمير واتسعت عينيه وقد كان الحديث غير متوقع
"إنت بتقول إيه؟ مصعب؟"
هز إياس رأسه ببطء وقد ارتعش صوته قليلًا
"أيوه… متستغربش أنا مكنتش فالجروب دا باسمي كلمته مرتين تلاته وكنت بتكلم بعشوائيه ولما هو شاف صوري معاهم عالجروب كان بينصحني ... حبيت كلامه وقربه من ربنا حبيت أنه انسان نضيف وغرت منه وقلت ارجع وساعدني من غير ما يعرف أنه بيساعدني انا ولما شفته وسطهم اول مره مبقتش مصدق أن عادل قدر يقنعه بس للاسف كان بيقابلهم وانا مش معاهم ودا انا عرفته بعدين واتاكدت ان عادل مسبهوش فضل يجرّه وينزله لحد ما بقى في اللي إنت شايفه دلوقتي "
نظر له امير بوجع فهاله ما رأي في عينيه فأكمل محاولا الدفاع عن صديق لم يعلم عنه الكثير
"صدقني أخوك نفسه كان واقف ضدي وضد الدنيا كلها لما كنت فالغلط … لحد ما عادل جرّه معاه عادل ما بيسيبش حد بيطحنه لحد ما يفقد روحه ومصعب… وقع بس صدقني يا أمير… جواه لسه خير جواه لسه نور وضمير حتى لو أنت مش شايفه دلوقتي والله جواه خير أكتر من اللي الناس متخيلاه هو يمكن ضايع دلوقتي… بس لسه فيه أمل."
ابتلع أمير لعابه بصعوبة وكأن الكلمات علقت في حلقه وشعر أن قلبه يتفتت بين مشاعر متناقضة حزن، غضب، أمل رفع عينه للسماء بيبحث عن مخرج من دوامة افكاره وخرج صوته مبحوحًا برجفة ورغم ذلك محمّل بإصرار بعدما تنهد بعمق
"أنا مش هسيبه يا إياس… والله العظيم ما هسيبه دا ابني قبل ما يكون اخويا هطلعه من اللي هو فيه حتى لو كان آخر نفس فيا."
ابتسم إياس ابتسامة صادقه وهو يومئ له
"أهو ده الكلام اللي كان نفسي أسمعه منك.... ده الكلام اللي يفرّح … بس خد بالك اللي ضدك مش سهل عادل مش بيتحرك من غير سبب… وورا الحكاية دي سر أكبر من اللي إحنا متخيلينه ولازم نعرفه "
تجمد أمير مكانه كأن الكلمة الأخيرة سقطت على صدره كحجر ثقيل رمش بعينيه ببطء وصوته خرج متسائلا
"سر؟… تقصد إيه؟"
أدار إياس وجهه وابتعد خطوتين ثم التفت له بنظرة غامضة وقال بصوت هامس
"لما تيجي لحظة الحقيقة… هتفهم بس لحد الوقت ده… شد حيلك لإن أخوك محتاجك أكتر من أي وقت فات وسيب الباقي عليا واوعدك والله ما هتندم علي ثقتك فيا "
تركه إياس وابتعد بينما ظل أمير واقفًا مكانه صدره يعلو ويهبط وروحه تتمزق بين الخوف من القادم وإصرار على النجاة.
.......................................
عاد أمير إلى البيت بخطوات مثقلة وكأن المسافة من المقهى إلى منزله لم تكن سوى طريق محفوف بالأسئلة التي لا يملك لها إجابة فتح الباب بهدوء دخل واستند للحظة إلى الحائط قبل أن يتجه نحو غرفة مصعب وهو يعلم أن والديه فالخارج كان نور خافت يتسلل من أسفل الباب يخبره أن أخاه ما زال مستيقظًا
دفع الباب ببطء فارتسمت أمامه صورة مصعب توقف أمير عند الباب يحدّق فيه طويلاً حتى شعر بحرارة الدموع تفرّ من عينيه دون إذن تقدّم وجلس على الكرسي المقابل له واضعًا يديه بين ركبتيه صوته خرج هادئًا مبحوح
"عامل إيه النهارده؟"
رفع مصعب رأسه ببطء وملامحه متعجّبة
"أنا؟… تمام الحمد لله إنت اللي عامل إيه يا أمير؟ مالك كده؟ شكلك مش مظبوط."
ابتسم أمير ابتسامة شاحبة وهز رأسه
" في إيه يعني... مفيش أي حاجة."
حدّق مصعب فيه أكثر وسمعه بتابع بخفوت
" انت دايما عارف اني أخوك وفضهرك مش كده ؟"
تقلصت المسافه بين حاجبي مصعب
"اكيد يا أمير اي الكلام دا ... مالك؟"
نظر له امير وقد فرت دمعه من عينيه وهو يري صغيره شاحب والهالات تملأ وجهه
"طب مفيش حاجة محتاج إني أعرفها؟ مفيش حاجة محتاج إني أساعدك فيها؟"
بدا الارتباك على مصعب وهو ينظر بعيدًا للحظة ثم عاد ليواجهه بعينين بدأ البريق فيهما يبهت تردّد وتعلثم قليلًا ثم قال وهو يخفض رأسه "لا… مفيش."
في تلك اللحظة انفرط تماسك أمير وانحدرت دموعه اكثر دون صوت … فقط دموع حارّة تتساقط على يديه انحنى قليلًا للأمام وعيناه التصقتا بوجه أخيه تريدان أن تُخرجا الحقيقة من عيناه بالقوة ثم بصوت مبحوح يختلط فيه الوجع بالرجاء
"مخدرات يا مصعب ؟ "
اتسعت عينا مصعب فجأة وتجمّد مكانه وقد اصابته الكلمة في مقتل ارتجفت أصابعه وحاول أن يتحدث فخرج صوته متقطعًا
"إنت… عرفت منين؟"
"مش مهم عرفت منين المهم إني عرفت .... مخدرات؟ إيه اللي ناقصك يا مصعب؟ إحنا حرمناك من إيه؟ أبوك وأمك ذنبهم إيه؟ ذنبنا إيه إننا نشوفك بتضيع قدام عينينا كده؟ قول لي… إحنا قصّرنا في إيه؟ ماخفتش من ربنا؟"
كانت الكلمات تتساقط على رأس مصعب كالمطارق رفع رأسه ببطء وقد اخترق صوت أخيه دواخله حاول أن يتحدث أن يحرك شفتيه لكنه لم يستطع ظل ينظر إلى أمير بعينين تمتلئان بالدموع حاول أن يتمسك بقناع الهدوء لكن ارتجافه يده فضحته
"أمير… أنا… والله مش زي ما إنت فاكر."
رفع أمير عينيه نحوه ونظرته مزيجًا من الرجاء والغضب
"زي ما أنا فاكر… ولا أسوأ يا مصعب؟"
ابتلع مصعب لعابه وخفت صوته
"أنا… كنت بس… محتاج أهرب شوية… من كل حاجة."
اقترب أمير منه فجأة حتى صارت المسافة بينهما أنفاسًا
"وتهرب لفين؟ للمكان اللي هيدمرك؟ اللي هيضيعك؟"
ارتجف صوت مصعب وهو يكمل بقهر
"أنا مكنتش اعرف يا أمير… ومبقتش قادر أرجع زي الأول غصب عني"
كانت تلك الجملة كطعنة باردة في صدر أمير شعر أن الأرض تسحب أسفل قدميه لكنه انحنى نحوه وأمسك بكتف أخيه بقوة يحاول أن يبث فيه الشجاعه واشتد صوته
"مش قادر إزاي؟ هترجع… غصب عن كل حاجة طول ما أنا هنا… مش هسيبك أي حاجة تتصلّح… بس إنت لازم توقف"
لم يرد مصعب فقط أغلق عينيه وأطرق رأسه وبدأ جسده يهتز بانهيار كامل وصوته يتهدج
"يا ريتها وقفت على المخدرات… أنا ضعت… وضيّعتها… ضعت… وضيّعتها."
تجمدت ملامح أمير وعقله يحاول فهم الجملة فسأله بحدة وقلبه يخبط بعنف
"إنت بتقول إيه؟ ومين دي اللي ضيعتها؟ عملت إيه بالظبط؟"
رفع مصعب رأسه ببطء وعيناه مغرورقتان شفتيه ترتجفان قبل كانه يلهث
"كاميليا…… كاميليا."
قبض أمير على كتفيه وهزّه بعنف محاولًا أن يوقظه من دوامة كابوسه وجهه مشدود وملامحه مشدوهة
" انت بتقول إيه؟ مين كاميليا دي؟ ركز معايا يا مصعب…
عملت إيه"
وفي لحظة انهار الحاجز الأخير… خرجت الكلمات كاعتراف قاتل
حين صرخ مصعب فجأة وصوته يتحطّم تمامًا بدا كاعتراف من ظلمه القبر
"أنا… اغتصبتها."
تجمّد الزمن بينهما وضاقت الغرفة حتى حاصرت أنفاسهما
سقطت الكلمة ثقيلة خانقة حتى أن أمير شعر أن الهواء نفسه قد توقف أبعد يديه ببطء عن كتفيه جسده يرتجف عيناه عالقتان على وجه أخيه… ولم يعد يعرف أيهما الذي ضاع حقًا
توقف مكانه والدماء انسحبت من وجهه كأنه لم يسمع شيئًا… لا صرخه مصعب ولا دقات قلبه هو فقط طنين ثقيل كأنه وقع في بئر لا قاع له
"اغتصبتها…" الكلمة تتردد في رأسه تصطدم بجدار عقله مرة بعد مرة كل مرة أشد قسوة من السابقة لم يكن يعرف أيحزن على أخيه الذي انكسر أمامه، أم على الفعل الذي لا عودة منه، أم على نفسه التي شعرت فجأة أنها تاهت من الطريق
تجمّد أمير في مكانه لم يرمش فقط يحدّق في مصعب وكأنه يرى شخصًا آخر تمامًا والكلمة الأخيرة ما زالت تتردّد مشبعة بعار لا يمكن غسله ومصعب غارق في دموعه يكرر بصوت مبحوح
"ضيعتها… ضيعتها…"
بينما ظلّ امير ينظر إليه وملامحه تتصلب أكثر مع كل ثانية تمر حتى صار الصمت بينهما أشبه بجدار من حجر يفصل بين أخوين جمعهما الدم وفرّقتهما الحقيقة
في داخله اشتعل سؤال واحد… سؤال يعرف أنه سيغيّر كل شيء إن سمع إجابته "من هي كاميليا؟"
ترك السؤال يشتعل في صدره وترك الصمت يلتهم ما تبقى من اللحظة
.......................................
وعلي الجانب الآخر كانت تجلس على ارضيه غرفتها تستند علي مضجعها كتفاها منحنيان وتشبك يديها فوق ركبتيها تحاول أن تسجن نفسها داخل أصغر مساحة ممكنة تلك الغرفة التي كانت يومًا ملاذها صارت جدرانها تضيق عليها كالقبر
حدّقت في الفراغ شفتاها ترتجفان وهي تهمس لنفسها كمن يحاول إقناع قلبه بما لا يصدقه عقل
" هو كابوس… كابوس وهيعدّي."
لكن انعكاسها في المرآة أمامها كان قاسيًا… عينان حمراوان متورمتان من البكاء وجهها شاحب ونظرتها خافتة تفضح أن الكابوس لم يتركها بل يسكن اسفل جلدها
وفي الخارج كانت أصوات الحياة تدور كالمعتاد… لكنها لم تعد تسمع سوى صدى واحد صدى ذلك المشهد الذي لن تنساه أبدًا
اقتحم الغرفة بعنفٍ ارتجفت له جدرانها وكأن كل شئ استسلم لغضبه واندفع صاغرًا وقف يلهث عيناه تبحثان عنها بارتباك حتى وقعتا عليها جالسةً في ركنها متكوّرة كطفلة خائفة تحاول أن تُخفي ذاتها داخل نفسها
اقترب بخطواتٍ مترددة تتنازع بين خوفٍ من أن يلمس جرحها وبين رغبةٍ في احتضانها مدّ يده نحوها وهو يهتف بصوتٍ مبحوح
"كاميليا ....انتي كويسة؟ قوليلي… انتي بخير؟"
رفعت رأسها ببطء عيناها غارقتان بدموعٍ متجلدة ووجهها يشي بحكاية لا تحتاج إلى السرد ارتجفت شفتاها وهمست بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع
"كويسة؟ أنا خلاص اتكسرت يا ياسين…"
جلس إلى جوارها حاول أن يقترب أكثر لكن انكماشها زاده خوفًا عليها فتراجع قليلًا ليترك لها مسافةً آمنة مدّ كفه فوق الأرض بينهما كجسرٍ ثم قال بنبرةٍ تفيض حنانا
"بلاش تقولي كده… إنتي لسه انتي… محدش يقدر يغيّر اللي جواكي."
انفجرت الدموع من عينيها كطوفانٍ وضربت كفيها على ركبتيها بعجزٍ موجع وهي تصرخ
"مش أنا… مش أنا يا ياسين كل ما أغمّض عيني بشوفه… بشوف … بشوف … الكابوس مش بيمشي"ارتعش صوته لكنه شدّد على كلماته وكأنه يحاول أن يزرعها في قلبها
"يبقى نفضل نحارب الكابوس سوا… متسيبيوهش يكسرك… اسمعيني إنتي مش لوحدك اتكلمى احكى وانا والله العظيم هجيب حقك"
توقّف المكان كله عند تلك اللحظة بين جدرانٍ ضاقت كالقبر وبين قلبٍ يحاول أن يُنقذ ما تبقى من طهرٍ منكسر
بينما كاميليا ظلت تنتحب وقد ألقت بنفسها بين احضان اخيها تتشبث به وهي تصرخ بقهر بينما هو تشتعل الحمم داخله لو فقط يعلم من فعلها واودي بصغيرته الي الهاويه ...... يقسم أن يحيل حياته لجحيم ولن يكتفي ....لو فقط تحكي ماحدث
هو ياسين علي الشامي شاب في الثانيه والعشرين انهي خدمته العسكرية منذ ما يقارب العام والتحق للعمل مع والد صديقه في مجال صناعه الاسمده والمبيدات في مصنعهم
طويل القامه عيناه بلون العسل الصافي بنيته قويه يميل للسمره ويمتلك براءه في ملامحه تناقض جديه عمله
والده علي الشامي المحامي المشهور ذو النفوذ والسلطة لا ينفك يسافر بسبب قضاياه التي لا تنتهي أما والدته السيده عطيات فضل الله تمتلك مشغلا خاصاً بتصميم الملابس ذو شهره عاليه لذلك هو يسرق كل وقتها بينما ياسين يحيا مع صغيرته كاميليا التي لم تكمل العشرين من عمرها في احياء القاهره وسنتعرف عليها فالقادم
.......................................
كانت أضواء الكازينو تتراقص على وجه إياس بينما جلس في ركن بعيد عن الضجيج يحتسي قهوته كأنها الشيء الوحيد الثابت وسط هذا الصخب كان صوته منخفضًا وهو يحكي لندى
"أنا النهاردة قابلت أخو مصعب… وعدني إنه هيساعده."
رفعت ندى حاجبها وعينيها تشعّان بجدية لم يعتدها منها في مثل هذه الأماكن ثم مالت نحوه وقالت بصوت خافت
"في حاجة مهمّة لازم تعرفها يا إياس."
توقف عن تناول قهوته ونظر إليها متسائلًا
"في إيه؟"
تنفست بعمق تتهيأ لإخباره لما علمت
"أنا سمعت عادل بيتكلم عن مصعب… وعن بنت… وكانوا بيخططوا يحطّوهم في شقة واحدة."
ارتسمت الصدمة على ملامحه كأن الكلمات وقعت عليه كصفعة باردة فاستقام في جلسته وصوته يعلو قليلًا
"نعم؟… يعني اي فهميني إنتي سمعتي إيه بالظبط؟"
أطرقت ندى للحظات ثم أخذت نفسًا عميقًا وعادت بذاكرتها إلى ذلك المساء حيث …
كانت ندى تبحث عن لحظة هدوء بعد يوم طويل من الإرهاق. عبرت الشارع الضيق حتى وصلت إلى المقهى الصغير في آخره المكان الذي اعتادت أن تلجأ إليه حين تريد الابتعاد عن الزحام. وما إن دفعت الباب الزجاجي حتى لاحظت وجود عادل جالسًا إلى طاولة جانبية وبصحبته رجل غريب الملامح بشرته داكنة وعيناه تحملان لمعة حادة تشبه تلك التي تراها في وجوه الخارجين من السجون
شعور غامض جعلها تُبطئ خطواتها وتقدمت قليلًا وغريزتها دفعتها لأن تختار الطاولة خلفه مباشرة بحيث يكون ظهره في اتجاهها ويصعب عليه رؤيتها جلسَت ووضعت حقيبتها على الكرسي المجاور وأخذت تقلّب في هاتفها تدعي الانشغال بينما انهمك عادل بحديثه مع الرجل ولم ينتبه لوجودها
كان الجو في المقهى هادئًا نسبيًا و صوت عادل ومن معه مرتفعًا بما يكفي ليصل إلى أذنها كانت تهم بطلب مشروبها حين التقطت اسمًا واحدًا جعل الدم يتجمد في عروقها(مصعب)
رفعت رأسها ببطء وعينيها متسعتان ثم أمالت جسدها قليلًا للخلف تُصغي إلى الحوار كان صوت عادل واضحًا
"أنا هديه جرعة زيادة من البودرة… وكده ييجي دورك يا برنس."
جاء صوت الرجل الآخر خشنًا
"تمام… اعتبره حصل أنا هاخده ألقحه في الشقة إياها مع الكتكوتة… وأسيبهم للصبح وتاني يوم هنسمع الخبر الأكيد ومتقلقش ... اللي انت عايزه هيحصل."
ضحك عادل ضحكة باردة مشبعه بالخبث
"الصور… عايزها فلة شمعة منوّرة."
ابتسم الآخر باستهزاء وصوته يزداد لؤمًا
"اعتبره حصل… بس إنت هتيجي إمتى؟"
أجابه عادل وهو يضغط على كلماته بنبرة واثقة
"آخر الليل… عشان يبقوا مسلّمين هما الاتنين."
ثم انحنى قليلًا نحو صاحبه صوته ينخفض لكن نبرته تشعرك بالغثيان من قذارته
"البت دي طلعت عيني عشان تيجي معايا سكة … بس بصراحه تستاهل دى فله."
ابتسم الآخر بسخرية وهو يقول غامزاً
"طلعت سبع والا ضبع....متقولش انك معرفتش "
ارتفعت صوت ضحكات عادل وتابع بخبث
"اللي ميجيلكش بالذوق… خده انت بالعافية."
ضحكا مجددًا وندى تجلس في مكانها كتمثال يداها ترتجفان
أنفاسها تتسارع وقد غادر الدم وجهها
و بحركة بطيئه اغلقت تطبيق التسجيل في هاتفها وقد بدأت تسجل من اللحظة التي سمعت فيها اسم مصعب كانت كلماتهم تتساقط في أذنها كالسم وكل جملة تزيد من رعبها وقلقها قلبها كان يخفق بعنف والخوف ينهشها، لا سيما وهي لا تعرف من تلك "الكتكوتة" التي يتحدثون عنها، لكن حدسها كان يخبرها أن الأمر شديد القذارة والخطورة.
عادت ندى بذاكرتها للحاضر، وعينا إياس تتسعان من الذهول
"إنتي متأكدة من اللي بتقوليه دا يا ندى؟"
"متأكده." وترددت في الإفصاح عن أمر الدليل معها قليلا ثم اتخذت قرارها باخباره فرفعت عينيها إليه وصوتها جاد
"كل اللى حكيته انا سمعته يااياس… ومسجلاه على موبايلي."
وبينما كان قلب إياس يشتعل غضبًا ظل يحدّق فيها لثوانٍ وكأن رأسه ترفض استيعاب حجم القذارة التي وصلت إلى أذنيه انحنى نحوها بحدة
"ابعتيهولي… حالا"
ارتجف قلبها من صوته وهي تدرك أن ما روته للتو كان إنذار أول لكارثة تقترب بسرعة
ظلّت كلمات ندى تتردد في عقل إياس كصفارات إنذار لا تهدأ
وعقله يدور في دائرة مغلقة منذ أن أنهت ندى كلامها مدّ يده بسرعة إلى هاتفه واتصل بمصعب لكن لا رد أعاد الاتصال مرة ثانية… ثالثة… لا إجابة ضغط على أسنانه وزمجر غاضبًا وهو يقبض على الهاتف بقوة
"رد يا مصعب… رد"
ثم حاول رقمًا آخر لمصعب… بلا فائدة أعاد المحاولة مرات كثيرة حتى بدأ الإحباط يتسرب إلى أعماقه
حاول إرسال رسائل قصيرة ثم صوتية لكن علامة الاستلام لم تظهر بدأ قلبه يخبط في صدره كطبول حرب، وكل ثانية تمرّ تزيده قلقًا حمل أغراضه وأشار لها لتتبعه واستقلا معا سيارته وشرع في قيادتها ومازال يحاول الاتصال دون نتيجه تذكر
التفت إلى ندى بسرعة
"معرفتش أوصله… مش بيرد."
مد يده مرة أخرى فتح قائمة الأسماء واتصل بأمير جاء صوت الأخير بعد دقيقتين متعبًا ومبحوحًا
"أيوه يا إياس…"
لم يضيع إياس ثانية وهو يهتف بحده
"أمير اسمعني… إلحق مصعب فورًا ما تسيبهوش يطلع من البيت عادل ناوي يحطه في شقة مفروشة مع بنت."
سكت أمير لحظة قبل أن يخرج صوته مكسورًا بسخرية مرة
"اتأخرت… يا إياس."
شعر إياس وكأن قلبه توقف حاول أن يتأكد مما سمعه
"يعني إيه؟"
لكن صوت أمير جاء أوضح وبحة البكاء تخنقه
"اتأخرت أوي." ثم أغلق الخط.
في اللحظة نفسها ضغط إياس على المكابح بعنف فانحرفت السيارة قليلًا وتوقفت فجأة صرخت ندى بفزع وهي تمسك بلوحة القيادة
"إيه ...في إيه؟"
التفت نحوها ملامحه مشدودة وعيناه مليئتان بصدمة وغضب
" اتأخرنا يا ندا"
تجمدت الكلمات على شفتيها بينما هو ألقى رأسه للخلف على المقعد وأخذ نفسًا عميقًا يحاول كبح انفجار داخلي لحظات ثقيلة مرّت ثم أدار المحرك مجددا
قاد السيارة في صمت تام لا صوت سوى هدير المحرك أوصل ندى أمام بيتها تبادل معها نظرة سريعة دون كلمة ثم انطلق مبتعدًا والليل يبتلع سيارته مع إحساس خانق بأن الخطر قد سبقه بخطوة.
عاد إياس إلى شقته وهو يشعر أن خطواته أثقل من أن تحمل جسده أغلق الباب خلفه ببطء وترك المفاتيح تتدلى من يده قبل أن تسقط على الطاولة بصوت معدني حاد
لم يشعل أي ضوء وكأن الظلام يناسب حالته أكثر خلع سترته وألقاها على الأريكة ثم جلس ووجهه بين يديه كان عقله يعيد تشغيل جملة أمير مرارًا "اتأخرت… أوي" حتى صارت كالسهم يغوص أعمق في صدره
رفع رأسه فجأه مد يده إلى الهاتف مرة أخرى وبدأ يبحث في الأرقام يحاول أي وسيلة للاقتراب من مصعب تمتم بصوت منخفض لكنه مليء بالغضب والخذلان
"لازم يكون في طريقة… لازم."
نهض من مكانه وبدأ يتحرك كذئب حبيس يمشي جيئة وذهابًا كل خطوة تصطدم بأفكاره كان يعرف أن كل دقيقة تمضي ربما تكون فارقة لكن المعلومات مبعثرة والوقت يهرب منه كنفاذ الماء من بين أصابعه
وقف أمام النافذة ينظر إلى أضواء الشارع وصوته يخرج مبحوحًا من شدة الكبت وقد بدأت دموعه تهدد بالنزول
"لو حصل له حاجة… مش هسامح نفسي."
أمسك هاتفه مرة أخرى كتب رسالة قصيرة لأمير
"فينه مصعب دلوقتي؟ لازم أعرف"
تردد قبل أن يضغط زر الإرسال… كان خائفًا من الإجابة أكثر من خوفه من المجهول
جلس مجددًا أسند رأسه إلى الحائط وعينيه تحدقان في العتمة في داخله شعور قاسٍ بأن هذه الليلة لن تمر مرورًا عاديًا… وأن القادم ربما يكون أسوأ مما يتوقع
.......................................
كان الليل قد أرخى سدوله على المستشفى والهدوء يخيم على الممرات لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المتتابعة كانت الغرفة مضاءة بضوء أبيض باهت يسكب فوق وجه عز الدين ملامح مرهقة جسده مستسلم للفراش لكن على ملامحه ظلّ خفيف لمعركة ما زال يخوضها.
فتحت مزن الباب بخطوات مترددة يسبقها وجيب قلبها المتسارع عيناها متورمتان من البكاء تخشى أن تقترب فتكتشف أنه لم يعد هنا تقدمت ببطء وكل خطوة كأنها تقتلع روحها من بين ضلوعها وما إن وقعت عيناها عليه مسجّى أمامها منهكًا وجهه شاحب كمن كتبت له النجاة بعد صراع مرير حتى انفرطت شهقاتها عالية دامية
اقتربت ببطء كأن المسافة بينهما جبل شاهق وكل خطوة تكلفها عمرًا لم تتمالك دموعها بعدما انفجرت شهقاتها العالية تملأ الغرفة
مدّت يدها المرتجفة تلامس وجنته الشاحبة وبرودة جلده كسرت ما تبقى من صمودها هوى جسدها أرضًا بجوار السرير أسندت رأسها إلى حافة الفراش قبضت على يده بكل قوتها وانفجر صوتها المنهك في صرخة مختنقه بينما خرج متهدجًا يائسًا
"عشان خاطري… متسبنيش قوم… قوم يا خالي أنا لوحدي… محدش معايا هنا متسبنيش أنا مكسورة… و ضايعة متسبنيش يا عز أنا محتاجاك "
اهتزت الغرفة على بكائها الحار كأنها طفلة صغيرة تلوذ بحضن طال غيابه دموعها غمرت كفّه وهزّت يده الضعيفة برجاء يائس
" قوم عشان مزن… قوم يا عز مزن ضاعت… مزن ضاعت وعايزاك تسندها مش انت وعدتني؟"
تصوّرت أنه ما زال في حاله حرجة وأن الموت يخطفه من بين يديها فعقلها رسم لها أسوأ المخاوف وبينما كانت تظنه غارقًا بعيدًا جاءها الومض الخافت حيث تحركت أصابعه ببطء في استجابه لاستغاثتها ارتجف جفناه وانفتحت عيناه المثقلتان على مشهد لم يتوقعه لمحها أمامه تبكي حتى التلاشي لحظة صاعقة اخترقت وجدانه فاندهش حد القهر تدفقت دموعه رغم وهنه وصوته خرج متقطعًا محشرجًا مبحوحًا بالقهر
" مزن… مزن… إنتي"
وفى اللحظه التاليه رفع يده المرتجفة وحاول بجسده المرهق أن يسحبها فاندفعت إليه كالمستسلمة وارتمت بين ذراعيه ضمّها بكل ما تبقى فيه من قوة ضمة أشبه بالاستغاثة كأنما يخشى أن تذوب من بين يديه مرة أخرى ارتعش صوته وهو يهمس في أذنها متقطعًا بالدموع
" سامحيني… سامحيني يا بنتي....سامحيني "
كانت تبكي بلا انقطاع قلبها ينزف فوق صدره وهي تستسلم لحضنه كأنها عادت طفلة صغيرة وجدت مأواها أخيرًا بينما هو ارتعش جسده الواهن وهو يضمها إليه يجهش ببكاء موجوع
ودموعه تختلط بدموعها شهقاته المتقطعة تخرج وكأنها طعنات
لحظة نقية لا كلام فيها سوى صراع روحين وجدت كل منهما الأخرى بعد ضياع طويل ظلّا متعانقين يبكيان بدموع ممزوجة بالخذلان والحنين والاشتياق وهى فقط تنكمش في حضنه كطفلة خائفة أصابعها تتشبث في ثوبه كأنها تستجدي منه البقاء
رفعت وجهها الغارق في الدموع عيناها متورمتان وصوتها مخنوق متحشرج
"قتلوني يا عز… قتلوني… ومبقاليش في الدنيا دي غيرك"
تجمد للحظة وتكسرت الأرواح في الصمت بينما حضنه لها ازداد قوة كأنما يقسم أمام الله أن يحيطها بجسده الهزيل حتى لا يمسها وجعٌ بعد الآن وهو يصرخ بالبكاء
"عملوا فيكي ايه؟ والله كنت جايلك سامحيني سامحيني يابنتي"
بينما عند الباب ظلّ زياد وزيدان واقفين يبتلعان دموعهما عاجزين عن التدخل… كأن المشهد كله صار أقدس من أن يُمس
وقفا صامتين متيبسين وقد عجزت الكلمات عن الخروج كانت رؤيتهما لذلك الاحتواء الموجوع كفيلة بأن تقتلع من قلبيهما ما تبقى من قسوة فتتركهما في صمتٍ مهيب لا يُسمع فيه سوى بكاء يتلاقى بعد فراق عمر فمشهد اللقاء الجارف اخترق قسوه زيدان وأشعل في قلبه شيئًا لم يعترف به من قبل غصّت الغرفة بالدموع… رغم أنها أعادت وصلًا انقطع وأيقظت جرحًا دفينًا ما زال ينزف
تحرك زياد وهو يسحب زيدان من يده خارجا وهو يتنهد بوجع وقد أغلق الغرفه عليهما ليتركا لهما بعضا من الخصوصيه فوقف زيدان خارجا النار تتآكله وصدي كلماتها وانهيارها أمامه سابقا مازال يتردد فيجلده بدلا منها وقد اقسم أنه لن يهنأ له بألا قبل رد حقها .... نظر لزياد بعمق وهو يقول
"بقولك اى .... انا بكره عندى مشوار مهم لازم هروحه عايزك تخلى بالك منها لحد ما ارجع"
تفاجئ زياد بما قاله فتوجس خيفه منه وتساءل
"مشوار اى دا وفين ؟"
اشتدت نظره زيدان له وهو يقول بصوت لا يقبل النقاش
" مقدرش اقولك حاجه دلوقتي فالوضع دا انا رايح اسوان ومش عايز حد يعرف خاصه مزن "
شعر زياد بالتخبط والخوف لكنه يعلم أنه أن تحدث له بكلمه فلن تجدى نفعا لذا أومأ برأسه يطمئنه وهو يدعو الله أن يمر الأمر بسلام رغم جهله به لكن ملامح زيدان ونبرته كانت تزرع في صدره الخوف
بينما وقت زيدان ينظر من خلال زجاج الباب الفاصل بينهم لها وهى بين احضان خالها للوجع المرتسم علي ملامحها وهو يتمتم غافلا عن زياد الذي تأهبت حواسه لما يقول
"اقسم بالله لاجيبه يبكي دم تحت رجلك ..... ماعاش من يكسرك يامزن ....اوعدك هجيبلك حقك لو فيها موتى"
.......................................
وعلى النقيض من الم يفوح منه رائحه الامان
كان الالم هنا يصرخ بالانكسار ..... بالهزيمة..... بالدمار
كانت مابين الماضي والحاضر عالقه في عقلها اللاواعي
فى كابوس لو تمكن منها . .. لأرداها قتيله او ربما هو حقا أنهاها للابد فكانت تحيا لحظات انكسار الانثي بداخلها حيث
امتدت يد غريبة فوق جسدها النقي كقبضة العدو حين يطوّق أرضا مطهّرة وكالأصابع الغاصبة التى تنشب أظافرها كما تنشب الجرافات أنيابها في تراب فلسطين وتنتهك البستان الأخضر لتتركه يابسا امتدت أصابعه كزحف مدجّج بالدنس يمد أسلاكاً شائكة تُغرس في قلب القدس
كانت الروح تتشبث بنقائها كما تتشبث الأرض بجذورها تنازع كي تبقى لكن العتمة تتدفق كقافلةٍ من الصهاينة لا تعرف إلا النهب والسلب
أما هى فكانت تتشبّث بآخر ما تملك من عفاف وطهر لكن الدنس يتسلل كالسيل الجارف ينهب بلا رحمة يغتنمها كما يغتنم المحتل غفلة البلاد ليغرس رايته في أرضها
صرخاتها أشبه بصوت صاروخٍ يخترق سماء الاحتلال انطلقت كالشرخ شقّ جدار الليل
صرخه أُمّه انطلقت كالسهم لتتحد بصرخات النساء المحاصرات في غزه اللواتي تفيض حناجرهن تحت الركام واللواتي يفقدن أطفالهن في أحضانهن
فكان وجعها امتدادًا لوجعهن وانكسارها صدى لانكسارهن وكأن صراخها جسرٌ يصل بين جسدٍ منتهَك ووطنٍ محتل يصرخ بالقهر عينه فالأنين واحد والجرح واحد والخذلان واحد وكأن الأرض كلها تبكي بصوتٍ واحد
اماهي فكانت تضربه بيديها المرتجفتين تدفعه عن جسدها كما يدفع المقاوم الرصاص بيدٍ عارية كل لطمةٍ في وجه المعتدي كان صورةً مصغّرة لمقاوم باسل يقذف صدر الدبابة بحجرٍ وحيد صغير كمن يصدّ وجه احتلالٍ مدججٍ بالبارود تسقط على الأرض فينهشها الألم كما تنهش غزة النيران ثم تنهض مثخنةً بالجراح .... دامية كمدينةٍ بعد قصفٍ مدمر تتناثر أحجارها لكنها تظل واقفة فتعود لتقف فوق أنقاضها شاهدةً أنها لم تُهزم
كل دمعة انحدرت من عينيها كانت كأنهار دمٍ تسقي تراب القدس كل شهقةٍ مكتومة كانت صدى لأنينٍ يتردد في أزقة فلسطين، فى نابلس ، في جينين، في غزة، في كل أرضٍ يطؤها الاحتلال وكل رجفةٍ في الجسد كانت كرجفةَ مدينةٍ تتصدّع تحت القصف وربما
ارتجافة طفله تُنتزع من احضان امها أو ارتجافة وطنٍ مسلوب يئن تحت أقدام الغاصبين
كانت تتقلب في السرير وهى متعرقه بشده تحيا كابوسها ودنسها وحدها تستشعر كل انتهاك كل لمسه تسمع صوت تمزق ثيابها تتمسك بالغطاء كي يدثرها وهى العاريه في غفوتها
لم يكن الجسد هنا إلا مرآةً للوطن ولم تكن الأرض هناك إلا صورةً واقعيه للجسد كلاهما مُغتصَب كلاهما مصلوب على صمت العالم كلاهما يسحق بلا رحمة ومع ذلك كلاهما يقاوم كلاهما ينهض من بين الرماد كلاهما يعلن أن الطهر لا يُسلب للأبد
واغتصابها هنا يا ساده صورةً مصغرة لاغتصاب وطنٍ بأسره لوأد طهرٍ يتشبث بالحياة رغم وحشية الدنس و انكسارها كان تهشم لهويةٍ تُسلب كما تُسلب الاوطان
وحين علا أنينها الأخير بدا كصرخة جامحة للنساء اجمع في كل وطن يُدنَّس وفي كل بيتٍ يُنهب وفي كل قلبٍ يُسحق صرخه امتدت في السماء شاهده علي الخذلان هنا....وهناك
فكانت النهاية تحوّل جسدها إلى مرآةٍ للوطن المقهور ومقاومتها إلى أيقونةٍ لصمود فلسطين ففي عينيها المغسولتين بدمعها ودمائها ارتسم عهدًا صامتًا بأن الجرح لن يكون خاتمة وان الدمع ليس استسلامًا بل بذرة مقاومة ورغم نهوضها مثخنةً بالوجع تتنفس كأنفاس فلسطين نفسها كان الصمت ينطق بقوةٍ رنّانة بقسَمٍ أبدي انهم
"قد يغتصبون الجسد لكن الصرخة لن تخمد والروح وإن صُلِبت ستظل عصيّة على الأسر والطهر وإن دنّسته الأيدي لحظة سيعود كما تعود فلسطين بعد كل حصار و ستتحوّل الآلام لمقاومة باسله فالوطن لا يموت "
استفاقت صارخه بملئ صوتها تناجي أمانها الوحيد وسط قذاره العالم
"ياسيييييييين"
انتفض هو من نومه اثر صرختها وقد ركض يقتحم غرفتها فكانت تلهث وبكاءها صم آذانه فاقترب يحتضنها فتمسكت به كالغريق الذي يتعلق بقشه ظنا منه أنها سبيله للنجاه
حاول تهدئتها وهو يتحكم من نفسه بشق الأنفس وظل يقرا لها بعضا من الآيات
وبعد فتره رفعت راسها تنظر لعيناه بقوه وهى تقول
" انا عايزه حقي ... انا هحكي كل حاجه ياياسين وهرفع قضيه "
نظر لها وقد لمعت عيناه اخيرا اقترب يلثم جبينها وهو يتمتم
"ارتاحي دلوقتي و كل حاجه بكره هتتحل .... انا فضهرك"
كان الليل يوشك أن يرحل لتنهض قدساً جديدة تحمل وعد الطهر من جديد وتعلن أن ما كُسر بالأمس سيُجبر غدًا وأن ما اغتُصب من جسدٍ أو وطن سيعود يومًا حرًّا نقيًّا كما بدأ
وستشرق فلسطين من جديد… كما تشرق شمسٌ عنيدة بعد ليل طويل
.......................................
#يتبع
دمتم سالمين
#فاطم
ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه
fatma Elabd