في مفترق المصائر

في مفترق المصائر

24 0

اللهم...إنّا في مفترق المصائر

تُقبلُ علينا الفواجع من حيث لا نحتسب وتنقلبُ الحقائق التي ظننّاها مُحكمة ويهوى منّا مَن حسبناه أقوى الثابتين

يا من تُمسك النور في قاع الظلمة وتُحيي الرجاء من جسدٍ أنهكه التردد…لا تجعلنا من الغافلين عن حكمتك في البلاء ولا من الساخطين على امتحانك الذي فيه نجاتنا

ربّاااااه… إن ضعُفنا ...... فكن قوتنا

وإن أخطأنا ........ فلا تكشف سترنا

وإن أقبلت علينا المصائب ........ فاجعل لنا فيها منفذًا لا يُرى إلا لمن توكل.

اللهم…لا تجعل علمنا غرورًا ولا حيلتنا حجابًا عن عجزنا

ولا أنفسنا سلاحًا نطعن به قلوبنا

يا واسع الجبر… اجبر فينا ما تهاوى وخذ بأيدينا إلى حيث ترضى…ولا تذرنا طرفة عين لأنفسنا

.................................

ليست كلُّ الزلازلِ تبدأ من الأرض

فثمة زلازلُ يبدا من داخل النفس

حين تهتزّ القناعات وتغرق الحقائق في ضباب الظن

حين تَخونك التجارب التي علّقتَ عليها الرجاء

ويُخيَّل إليك أن النجاةَ وهمٌ يُروى للصابرين كي لا ينهاروا مبكرًا

هنا....حيث البذور الأولى للهلاك

وربما ضوء شعلة صغيرة في نفقٍ موحشٍ طويل

يهوى مَن ظنّ نفسه فوق السقوط فيما تُختبر القلوب بالثبات

هنا حيث لا تنفع الصيَغُ المعقّدة

ولا يتصدّى للمصير سوى مَن صدق مع الله في سرّه

ومَن لم تَغره القممُ فنسِيَ الحُفر

فاحذر… بعض التحوّلات لا عودة بعدها

وبعض الفصول لا تنتهي… بل تبتلع كلّ ما بعدها

.................................

داخل معمل الأبحاث الحيوية صباحا

كانت الإضاءة البيضاء تغمر المعمل والأجهزة ترسل أزيزًا خافتًا دخل طارق مرتديًا معطفه المعملي خطواته ثابتة وإن كان في داخله شيء ما غير مستقر

كان ميشيل واقفًا قرب وحدة التحليل يبتسم دون مناسبة واضحة وعلى وجهه ذاك الهدوء المريب التفت له وهو يضع سماعه الترجمه في اذنيه

"Morning, genius You came earlier."

(صباح الخير يا عبقري اتيت مبكرا )

ليجيب طارق بابتسامة خفيفة وقد لاحظ أنه استعمل السماعات عكس أمس "أنا جيت على ميعادي بالضبط."

تلكأ ميشيل في كلماته

"That’s what I like in you. Precision. You’re the only one who respects time... and chemistry."

" هذا ما يعجبني بك الدقة واحترام الوقت والكيمياء."

لم يرد طارق اكتفى بالنظر إلى شاشة النتائج قلبه يلتقط التفاصيل نبرة ميشيل طريقته في التودد تلك الجملة الأخيرة التي يمكن أن تُفسَّر بأكثر من وجهه......نظر ميشيل إلى ملف مشروعهم المشترك

"كنت أفكر في المصل الجديد كما تعلم.. يُمكننا تعزيز الاستقرار إذا عكسنا نمط المركب في المحلول القاعدي"

حاول طارق السيطرة على شكوكه

" مش قبل ما نعمل simulation أكتر ونشوف تأثير التعديل على الخلايا السليمة."

اقترب ميشيل أكثر ينظر في عينيه مباشرة وتابع ببلاهه مصطنعه

"وإذا نجح الأمر... فأنت تعرف معناه أليس كذلك؟ ربما نوبل؟"

توتر طارق قليلا وحاول التركيز اكتر علي ردود فعله

"مش سابق الأوان شوية الكلام ده؟ إحنا لسه في مرحلة preclinical."

في زاوية الغرفة خلف زجاج أحد الأقسام كان سفيان يقف يضع سماعة في أذنه ويتظاهر بأنه يتابع تقريرًا صوتيًا لكن عيناه لا تتركان طارق وميشيل نظرة واحدة كافية ليفهم ان هناك شيء خفي وضع ميشيل يده على كتف طارق بخفة

"آمن يا طارق أن العظمه تفوح عند استغلال الفرص مبكرا."

سحب طارق كتفه بلطف وقد توجس منه

"إن شاء الله... المهم دلوقتي النتائج"

ثم فتح شاشة أحد الاجهزه وبدأ في شرح بعض التعديلات وميشيل يشاركه الأفكار لكن عينه على طارق أكثر من المشروع وهنا دخل سفيان فجأة متظاهرًا بأنه جاء فقط ليرى العمل ليبادر سفيان بابتسامة ساخرة وهو ينظر إلى ميشيل

"صباح الخبث... أقصد الخير"

بادله ميشيل بابتسامة باردة دون رد بينما التزم طارق الصمت لبرهه تقدم سفيان ينظر إلى الشاشة

"بتتكلموا عن التعديل؟... بس التعديل ده تم رفضه في دراسة يابانية من 6 شهور واضح إنكم منتبهتوش للتكرار"

ابتسم طارق وهو يلتفت لسفيان بحذر ويجيبه بما اقترحه ميشيل. " بس هو هيعدل في التركيب الأساسي نفسه"

حاول ميشيل السيطرة على الموقف

"ربما انت محق ... بدايه النجاح تبدأ بفشل صغير حسنا لنصلح الأمر "

كانت عينا سفيان على ميشيل فقط

"مش كل المحسوب أمان أوقات الحسبه بتبقي غلط وبتوقع في جحيم "

صمتٌ لحظي خيّم على المعمل شعر طارق بثقل الأجواء حوله ، لم يكن يعرف إن كان مصدره قلقه من ميشيل، أو تحدى سفيان الواضح... لكنه بات أكثر حذرًا ابتعد قليلا وبدأ يكتب ملاحظاته في دفتر صغير لا يُشارك أحدًا به وكلما اقترب ميشيل منه بكلمة ابتعد عنه خطوة

في تلك اللحظة أدرك طارق أنه لن يستطيع الثقه بأحد ابدا بعد سفيان.

..................................

في احد المكاتب مساءا جلس ميشيل خلف مكتبه يتفحّص أوراق البحث ببطء كمن يخطّط لتحريك القطع في لعبة شطرنج لا يُحب أن يخسرها يضع قدماً فوق الأخرى ويمسك بسيجار نصفه محترق يتطلع جواره لشاشة مراقبة تُظهر لقطات متفرقة لشوارع ومداخل بنايات كان غريب الملامح لا تُرى منه إلا ظل ابتسامة باهتة وملامح جامدة ارتفع رنين هاتفه فأمسكه ميشيل يجيب بصوت منخفض عبر الهاتف

"كنت مستنيك… الوضع بيتشكل قدامي طارق باين عليه ذكي وطموح عنده عقل مميز بيفكّر بسرعة وعنده شغف حقيقي حاليًا شغال على compound جديد في خط البحوث باين عليه هيقلب المعادلة كلها المشروع تقيل… تقيل جدًا أنا لسه بدور حواليه بس اللي شُفته يكفّي لو انضملنا ممكن نكسب كتير من وراه "

صوت غامض من الطرف الآخر لا يُسمع بوضوح يرد

"وأنت ناوي تدخله معاكم؟"

شيء ما يجعل ميشيل يومئ برأسه متابعاً ونبرته تبدأ تميل للجدية ينظر للأمام مبتسمًا بمكر

"بفكر… لو دخل تحت جناحي المشروع كله ممكن يبقى بإسمي بس في عقبة… سفيان."

"سفيان؟"

ليقول ميشيل

"لزقة مش بيسيب طارق ودايمًا معاه ودي مشكلة… لازم نراقبه الأول نعرف رد فعله تحت الضغط ونشوف سفيان ناوي على إيه لو بدأ يعطلنا … نشيله."

صمت قليلًا ينظر نحو الشاشة ويضغط على زر يقرب الصورة على وجه سفيان أمامه وأدلى ببرود وكأنه يؤكد كلامه منذ لحظه

" لو سفيان عمل أي حركة ممكن تعطلنا... نخلّص منه بهدوء من غير ما حد يلاحظنا......إحنا دلوقتي مركزين مع طارق وهنضمه لينا بطريقتنا"

ترددت ضحكة شيطانية منه يكتمها بين أنفاس السيجار وبصوت خافت يحدث به نفسه بعدما اغلق الهاتف

"احنا هنرسمله الطريق وهو هيمشي فيه برجليه ووقت الجد هيكون بتاعنا"

ابتسم ميشيل بخبث له وهو يغلق الشاشة تدريجيًا مع استمرار الضحكة الخبيثة بينما هناك أوراق مبعثرة فوق مكتبه أحدها يحمل صورة طارق بختم أحمر مكتوب عليه "مُراقَب"

خفتت ضحكاته كأنها نُفِثت من فم ثعبان ليغمغم ميشيل وهو يعود لظهر مقعده "الفرصة جاية… بس محتاجة لمسة فنية."

وعلى الجهه الاخري كان طارق يقف امام شاشة التحاليل، تنتقل عينه بين الأرقام والجداول بعدم راحه دخل ميشيل مبتسما يقترب منه بهدوء وقد لاحظ امتعاض ملامحه

"طارق... لاحظت إن العينة رقم ٦٤ فيها تفاعلات أسرع من المتوقع أنا ضفت نسبة بسيطة من الـCompound X بدل الـY شايف إنه هيبقى أكثر فاعلية."

رمقه طارق بغموض وهو يقول

" بس دا ماكانش في البروتوكول."

ربّت ميشيل على كتفه وتابع بخبث

"انت شاطر... وبتفهمها وهي طايرة أنا عارف إنك هتوصّلنا لأفضل نتيجة سفيان بيعتمد عليك كتير... وأنا كمان."

ترك طارق الجملة تمر وابتسم بمجاملة لكن بمجرد ابتعاد ميشيل بدأ بمراجعة تركيبة المركب على جهاز الفصل ليتضح ان هناك نتائج غير منطقية حيث لاحظ أن Compound X بدلا من أن يقلل نشاط الخلايا السرطانية هو فعليًا يزيد تكاثرها بشكل طفيف شرد قليلا محاولا تحليل ما يحدث هامسا

"هو عايزنا نفشل؟ ولا دي غلطة ساذجة؟"

ترك حيرته جانبا وعاد مجددا من البدايه يقوم باعاده التجربه

ومجددا بعد ساعات من العمل كان يراجع نتائج التحليل الأخير للمركّب الجديد ونفس النتائج لا تعجبه فقد قرأ التركيبة ثلاث مرات ثم نظر إلى التعليمات التي دوّنها ميشيل وبدأت علامات الحيرة ترتسم على وجهه تمتم طارق لنفسه

"دي جرعة مضاعفة للعنصر ده بس حسب الـ in-vitro analysis برده بيحفّز البروتين المُسبب للمرض مع أن المفروض يقلل."

أجرى طارق تجربة مصغّرة علي خلايا صحيحه وكانت النتيجة صادمة حدث تلف سريع للخلايا واخذت تتزايد ....... ابتلع صدمته أغلق الملف وخرج بسرعة يبحث عن سفيان

ماكاد يمر من أمام المعمل حتي تراءى له سفيان في الكافتيريا يجلس بزاويه منعزله بعيده نسبيا عن التجمعات اسرع طارق خطاه وما أن وصل إليه همس لسفيان بسرعه وتوتر

"سفيان في حاجة مش طبيعية التجربة اللي طبقناها عملت العكس تمامًا الجرعة اللي قال عليها ميشيل ضاعفت الخلل"

انتبه له سفيان بكامل تركيزه وتساءل بتوتر

"إنت متأكد؟"

"جربتها بنفسي النتيجة واضحة هو غيّر في تركيبة المركّب وقال فالتقرير ده أحسن بس النتيجة كانت عكسية الخلايا زادت"

ضاقت عينا سفيان وهو يراجع النتائج وأصبح صوته حاد رغم هدوئه "وطبعا compound X كان جاهز مش كده "

"أكيد واداني توصية بيه."

ليجيب سفيان بعد لحظة صمت

"ميشيل مش أول مرة يعمل حاجة زي دي... بس المرة دي لو كانت وصلت للمختبر كانت هتبقى كارثة."

تهدج صوت طارق وهو يتابع "يعني كان متعمّد؟"

سكت سفيان لحظة وقد تاه في صمته وقال بصوت غامض

"إوعي تقول لحد خليك زَيّ ما إنت وراقب هو بيعمل إيه وسيب الباقي عليا .... خليك حذر ماتواجهوش سيبه يظن إنك لسه ساذج وأنا هفتح ملفات المركبات يمكن نلاقي تركيباتها."

أومأ طارق له بينما كان ميشيل ينظر من خلف الزجاج إلى طارق وسفيان وهما يسيران سويًا ويهمس لنفسه

"هذا العربي لازق فيه كخيال ..... هتفضل لازقله كده لحد إمتى يا سفيان؟ شكلك متعرفش مين ميشيل… بس أنا هفك الارتباط ده بالقانون ...... أو بغيره."

فتح ميشيل حاسوبه وبدأ يكتب بريدًا داخليًا للإدارة العليا يطلب فيه نقل سفيان من قسم البحوث إلى معمل فرعى في فرجينيا

ابتسم بخبث وقال

"طارق لازم يشتغل لوحده... من غير خياله."

..................................

السكون يلفّ الممرات إلا من همسات ممرضات ووقع خطوات سريعة بينما يفتح أحد الأطباء المناوبين باب مكتب د زياد بنظرة جادة.

"دكتور زياد؟ فيه حالة حرجه لسه واصلة من شوية.. حادثة على الطريق السريع اتنقل لقسم الطوارئ واتسعف بس مفيش إمكانيات كافيه هناك فنقلوه هنا .... نسبياً الراجل ف الأربعينات اتعرض لضربه مباشره فالرأس أدت لكدمات ونزيف داخلي ف الجمجمة مفيش عنه اى بيانات بس اللي جابوه بلغونا باسمه."

نهض د زياد فورًا. "اسمه؟"

ليأتيه الرد "عز الدين التولي الشابين اللي جابوه بيقولوا كده كمان هم مشافوش الحادث بعينيهم هم لقوه بينزف جامد ف الطريق وبعدين فقد الوعي "

تساءل د زياد بجديه

"عملتوا الأشعة المطلوبه؟"

ليجيب د شادى وهو يناوله تقرير الحاله

"أيوه الأشعة خلصت فيه نزيف داخلي بسيط غير الارتجاج وكسر في الضلوع اليسرى دخل العناية لان حالته شبه متدهوره."

تنفس د زياد بعمق

"خلاص خليه في غرفة رقم 3 وبلّغ التمريض إني هشرف علي حالته."

ابتسم د شادي براحه لطالما شعر بها تجاه د زياد

"تمام هبلّغهم دلوقتي على فكرة الشابين واقفين بره عايزين يطمنوا عليه لو حبيت تسألهم عن الحادث "

أومأ د زياد ثم بنبرة أكثر لطفًا

"خلينا نخلص الفحص الاول وبعدين نعرف عن الحادث أكتر."

في الممر الطويل وهو يتجه الي قسم العنايات بخطوات متسارعة بجانبه د شادي يكملا حديثهما و يسير مواكباً لخطواته

رفع د زياد عينه من ملف مريض وهو يقول بهدوء مهني

"اى اخبار الوعي؟"

ليجيب د شادي بمهنيه

"فاقد الوعي من ساعة ما وصل الاستجابة العصبية ضعيفة بس العلامات الحيوية مستقرة لحد دلوقتي."

ليجيب د زياد بنبرة حازمة

"تمام خلينا نعمل أشعة مقطعية عالدماغ فورًا تانى وتحاليل شاملة.. وابعتوا حد من الاستقبال يجيب تفاصيل أكتر من الشابين دول نحتاج نعرف حصل إيه"

د شادي

"تمام هما بره فالانتظار... "

كان د زياد عائدا الى مكتبه بعدما أدلى تعليماته على التمريض و الطبيب المناوب وقف أمام مكتبه يطالع الملف الطبي الذي سُلّم له لتقييم الحالة الحرجة التي استُقبلت فمرّ ببصره سريعًا على بيانات التحاليل والصور الإشعاعية قبل أن يثبُت بصره فجأة على الاسم المكتوب أعلى الصفحة "عز الدين سالم التولي"

تجمد لثوانٍ واخذ يحدّق في الاوراق وعينيه تتسع بزهول ثم نطق بالاسم في سره مرة أخرى ببطء كمن يستعيد وجهًا نسيه خلف ركام السنين تمتم بين نفسه "عزّالدين سالم؟ مش ممكن... ده هو..." لم يكن غريبًا... كان من الأسماء المحفوره في ذاكرته

تحركت يده تلقائيًا لتسند جبهته وعيناه عالقتان بالاسم كأنّ سيلًا من الذكريات انهمر فجأة بينما يختبر صدى الذكرى في داخله

دلف وجلس أمام مكتبه ثم كرّر الاسم بخفوت وقد أخرج هاتفه يُقلّب في صفحته الإلكترونية يبحث عن شئ بعينه توقّف الزمن داخله لحظة تراجع في المقعد ثم اعتدل فجأة بينما خفق قلبه بتوتّرٍ غريب وكأن الاسم ذكره بشيئًا خالداً في ذاكرته همس لنفسه

غير مصدقا وكأنه يحيا خدعه بصريه

"مش ممكن… بعد كل دا؟". فتح صفحه بيانات الحالة سريعًا

السن غير معروف

سبب الدخول: حادث سير على طريق صحراوي

الحالة: فقدان وعي – كسور متعددة – اشتباه في نزيف داخلي

ارتعشت أصابعه لحظة ثم انطلقت بلهفة إلى الصور الطبية والتقارير يتأكد من ملامح الوجه و ما زالت هناك لمحات لم تمحوها ذاكرته ورغم ذلك قارن بينها وبين صوره حسابه الشخصي "هو هو… المهندس عز الدين .... ياااااه بعد سبع سنين."

أسند ظهره إلى الكرسي ومرّت في ذهنه تفاصيل تلك الفتره قبل سبع سنوات

كان زياد طبيبًا شابًا يافعًا آنذاك يحلم بوضع حجر الأساس لأول مشروع مستشفى أهلية لعلاج الحالات الحرجة وكان العقبة الأولى أمامه هي البناء كان طموحه حينها أكبر من قدراته بكثير حيث كانت المستشفى مجرد فكرة تتردد في الأذهان ولا وجود له على الأرض حتى صادف ذلك المهندس الهادئ الواثق ذو الوقارٍ والهيبة كانت عيناه تحملان حكمة ورقي وقد كان أول من آمن بالفكرة

وعرض عليه المساعدة

"دي صدقة جارية لوجه الله يا دكتور…ساعدني إني أشارك ولو بحاجة تبقى في ميزان حسناتي واعتبرني أخوك الكبير وخلينا نبني شويه أمل"

ورفض أخذ أي مقابل سهر معه الليالي كان يُشرف بنفسه على تفاصيل البناء يسهر مع المهندسين يناقش الرسومات، يعيد التصاميم، يزرع في المكان روحًا من الصدق لا تُشترى.

كان في أوج حماسه، شغوفًا بكل تفصيلة، وكان يرفض تمامًا أن يتقاضى أجرًا عن عمله حين عرض عليه زياد مكافأة رمزية بعد انتهاء المشروع ابتسم عز الدين قائلاً

"خليني أشارك بطريقتي… مش لازم كل المقابل فلوس."

و حين أصرّ زياد على كتابة شيك مقابل خدماته رفض بلطف

" المستشفى دي مشروع خير وأنا مش هقبض مقابل الخير."

ولازالت جملته تلك ترنّ في ذاكرة زياد للآن لم ينسَ نقاء هذا الرجل ولا الأثر الذي تركه في نفوسهم جميعًا ذلك الذي انصرف بهدوء دون أن يترك ثغره الا واتممها علي اكمل وجه ودون حتي أن يطلب شكر

ومنذ ذلك الحين ظل وجهه محفورًا في قلب زياد تواضعه، حكمته، وإيمانه بفكرته كانت من الأسباب التى جعلته يتمسك بحلمه رغم كل العقبات وكلّما وقف زياد في أحد الممرات الواسعة أو في غرفة عمليات حديثة، تذكّر لمسة عز الدين لم تكن مجرّد خطوط هندسية كانت رؤيا وكل زاوية في المبنى كانت تحمل أثره والآن بعد كل هذه السنوات يعود الاسم ليظهر من جديد ولكن كمريض تنهد زياد بمرارة يشعر بغصة في صدره كأن الدنيا أطبقت عليه للحظة

"سبحان الله النهارده انت جيت مكانك يا هندسه المكان اللى زرعت فيه النور… جاي تدخله النهارده بين الحياة والموت...إزاي حد زيه يتساب كده؟ده صاحب فضل مينفعش يتساب" همس بها لنفسه والألم يعلو صوته

ظلّ صامتًا للحظات يتأمل السقف و الفراغ من حوله أغلق الملف لكنه لم يستطع إزاحة الشعور بالالم نهض فجأة، أمسك بمعطفه الطبي، وخرج بسرعة نحو قسم العناية المركزة قال لمساعده

"الراجل ده أمانة من دلوقتي… عاوز تقرير مفصل بحالته كل ساعه الراجل ده له دين كبير علينا كلنا."

ثم تمتم في نفسه "اللي اتبرع بعمره عشان نحيي أمل مش هسيبه لوحده وهو بيصارع الألم."

قالها بلهجة قاطعة وعيناه مثقلة بالمشاعر بعرفان متأخّر بشيء من الحنين والوفاء وربما... الخوف من أن يكون قد تأخّر في رد الجميل

..................................

أما في داخل تلك الجدران التي شهدت تصدع روح

تحطّمت صرخات مصعب في صدر الليل كسكين يُمزّق كل ما يصادفه فلم تمضِ سوى لحظات حتى علا صوت ارتطام عنيف أفزع الجميع

كان أمير مذعورًا من صوت الاستغاثة فلم يُبالِ بتردد أو عُذر فركل الباب بعنف حتى انكسر ثم اندفع إلى الداخل بقلبٍ مفطور وعينين مشتعلتين وقلب يئن من الخوف دخل مهرولًا ما إن وقعت عيناه على أخيه حتى تجمّد للحظة وتجمد الزمن حوله فقد كان أخوه على الأرض مُتكورًا على نفسه ودماؤه تسيل من كفّه الملوّثة بشظايا زجاج مكسور عيناه دامعتان ونشيجه كأنّه قلب مكسور يُناديه وصدره يعلو ويهبط كأنّه يغرق في موجة من الانهيار

"مصعب" صرخ أمير وانكبّ عليه كمن يضمّ الحياة بين ذراعيه

أطبق على أخيه بعناقٍ لا فكاك منه عناق رجلٍ خاف أن يفقد نصفه الاخر ...... خاف من أن يتلاشي

بينما تحدث مصعب بانكسار وهو يُطبق ذراعيه حول أمير كمن يتمسك بطوق نجاة وهو ينتحب بقهر

«ما تسيبنيش يا أمير بالله عليك ما تسيبنيش أنا تعبان... تعبان أوي..."

شدّه أمير إلى قلبه محيطا اياه بذراعيه بكل ما أوتي من حنان ممزوج برعب يحتضن ألمه هو الآخر وكل الصراخ الساكن في قلبه خرج دموعًا من عينيه وهو يهمس بصوت مختنق

"مش هسيبك... أنا هنا معاك ... انا معاك اهدى أنا جنبك... اسمعني أنا جمبك والله ما هسيبك يا مصعب ....والله ماهسيبك "

وعند باب الغرفة وقف ابويهما صامتين تائهين وللمره الثانيه شعر خالد ان عجزه لا يقتصر على الجسد فقط فقد طال القراروالموقف ظل شاخصًا ببصره وعيناه تملؤهما الحسرة والخوف أما ناديه فكانت تضع كفها على صدرها تخشى أن يُمزق من فرط البكاء لا تُحسن حركة ولا قولًا وتشاركها ضي الشعور

قطع أمير سكون اللحظة بنبرة هادئة صارمة دون ان يلتفت إليهم

"لو سمحتوا... سيبونا لوحدنا"

نظر خالد لناديه ثم أومأ برأسه وانصاعا له تحركا في صمت نحو غرفتهما وقد كانا يهربان من ألمٍ لا يقدران على مواجهته

ظلّ أمير محتضنًا أخاه لم يفلت ذراعيه ولو للحظة حتى حين بدأ جسد مصعب يثقل من التعب وبدأت أنفاسه تهدأ شيئًا فشيئًا لم يُبعده أمير همس لنفسه وهو يتفقد آثار الجرح في يده

"ايه حصلك بس ارمي عليا والله هشيل عنك حتي لو النتيجه روحي "

غفا مصعب أخيرًا ظل ممسكًا بأمير كطفلٍ تاه طويلًا لا يريد أن يُفرّط في الدفء والأمان ثانية حاول أن يرفعه برفق ووضعه على الفراش ضمد جرح يده بشكل عشوائي ثم تمدد بجانبه دون أن يتركه بينما ذراع مصعب تطوّقة وتمسكه بقوه وكأنها سلسلة نجاة

وفي العتمة ظل يهمهم بكلمات متكسرة ودموعة تهرب من عينه كان صدره يرتفع ويهبط كأنه في حرب خفية

ظل أمير مستيقظًا يتأمل ملامحه يتتبع آثار الجرح في يده ووجهه ثم حدق في السقف وذهنه يغوص في احتمالاتٍ مؤلمة… هو متأكد أنّ شيئًا ما قد كسر أخاه كسر قلبه من الداخل…ليس مجرد هواجس...... لكنه سيعرف… سيعرف مهما طال السكوت

كان الليل طويلًا وفي حضن الأخوة كان الألم يروي قصة مازالت لم تُحكى بقي امير حاضرًا فأحيانًا يكون الحضور وحده كافياً لإنقاذ قلبٍ على وشك الانهيار

في صباح اليوم التالي…

تسللت أشعة الشمس من بين فتحات الستائر تلمس أطراف الطاولة المستطيلة حيث جلسوا جميعًا يتظاهرون بالاعتياد بينما قلوبهم مازالت تئن كان أمير قد سبقهم وأخبر والده ووالدته

«بلاش النهاردة نفتح مع مصعب أي حاجة عن اللي حصل امبارح خلّوه ياخد نفسه… وهنشوف.»

أومأت الأم بتردد والقلق لا يزال يسكن ملامحها أما الأب فكان سكونه أبلغ من الكلمات

دخل مصعب بعد دقائق وجهه شاحب وعينيه متورمتين من البكاء يجرّ قدميه جَرًّا فقابلته ناديه وهى تضع له الطعام

«صباح الخير يا حبيبي… يلا كُل لقمه تقويك»

أجابها بابتسامة مرتجفة «صباح النور يا ماما…»

ثم جلس مكانه وحاول أن يبدو طبيعياً رغم كسره لاحظ أمير ارتجاف يده فسكب كأسا من الشاي له

كان الصمت يسيطر على الجلسة فقرّر أمير كسره

«بصوا… أنا حلمت إني فتحت محل كشري بس المصيبة إن مافيش غير زبون واحد جه»

نظروا له جميعا متعجبين كلماته فتابع بعدما جذب أنظارهم جميعا لما في ذلك ضي "بابا ...... الزبون كان الحاج خالد "

انفلتت ضحكه من الجميع عدا مصعب فحاول الابتسام تحت نظراتهم فخجل من نفسه وقال بصوت هادي مختلقا بكذب

«أنا آسف عاللي حصل امبارح… أنا… بس صاحبي مات في حادث وما كنتش قادر أستوعب… الموضوع خضّني شوية بس… أنا بخير.»

كانت الكذبة الثانيه ثقيلة عليه كأنها حجر حُشِر في حلقه لم يستطع النظر في عيني والديه أو حتي اخوته خاصه بعدما لمح نظره امير الغير مصدقه لما يقول ورغم ذلك لم يتفوه امير بحرف

انتبه مصعب علي والده وهو يربت علي كتفه قائلا

«ربنا يرحمه يا ابني… ويصبركم الموت علينا حق… بس خليك قوي.»

بينما والدته قالت «ما تزعلش نفسك يا حبيبي… إحنا كلنا معاك»

هنا تدخل أمير بصوت دافئ حنون

«بص يا مصعب… لو في أي حاجة جوّاك .... لو في حاجة تعباك أو مخوفاك إحنا معاك صدقني مش لوحدك .... أي حاجة انا هنا.»

هز مصعب راسه بالإيجاب وقد كان الكلام بيريّح قلبه لكن ضميره أخذ يصرخ داخله متزرعا بالشوك في حلقه

...............................

مرّت أيام قليلة منذ أن اصطدمت إباء بنتائج التجربة الجديدة. كانت تتوسّع بخطى ثابتة تعيد صياغة ما بدأته، تقرأ المؤشرات الجينية تحت تأثير المركّب، وتقارن النتائج بمجموعات مختلفة من الخلايا، لكن ما أربكها أنّ أحد الجينات أظهر مقاومة شديدة، كما لو أنّه يُعلن رفضه الصريح لأي تدخل خارجي

ذلك التضاد كان بابًا جديدًا فُتح على مصراعيه، ويحتاج لأعين أخرى تنظر من زوايا مختلفة زوايا لا تعلمها اباء

في إحدى الجلسات داخل قاعة النقاش العلمية كانت إباء قد جمعت الفريق واعينهم معلقة على شاشة العرض حيث ظهرت البيانات الكاملة للتجربة .... الجدول ممتلئًا بالملاحظات واللوحة البيضاء خلف إباء تغص بالأسهم والمسارات الكيميائية المعقدة التي رسمتها وهي تشرح فرضياتها حول الارتباط بين تركيب المركبات وتأثيرها على التعبير الجيني وبعد جلسة مطولة عن تقاطعات الكيمياء مع الوراثة أنهت شرحها ورفعت نظرها نحو د. جون تنهدت وهى توضح ما توصلت إليه

"بصّوا… أنا وصلت للنقطة دي بعد ما عملنا تكرارات كفاية… والمركّب فعلاً بيشتغل بس الجين دا بالتحديد بيقاوم ما بيتأثرش بنفس الطريقة"

تعجبت د. هيلين (إحدى أعضاء فريقها العلمي)

"لكن كل المؤشرات بتقول إن المركب ليه قدرة على التثبيط.. إزاي الجين ده بالذات رافض التأثر؟"

اقتربت إباء من الشاشة وهى تفسر ما يشغل تفكيرها

"أنا بدأت أشك إن في حاجة في تركيبة المركّب نفسها بتتفاعل مع التركيب البروتيني للجين دا مش مع وظيفته... حاجة في تكوينه مش في سلوكه"

لتتسائل د. جوانا (إحدى أعضاء فريقها العلمي أيضاً)

"يعني المشكلة كيميا أكتر منها وراثة؟"

"بالضبط... إحنا اشتغلنا على المسارات الجينية لكن حصل تعارض واضح في نوع معين من الأحماض الأمينية ودا محتاج تحليل مختلف"

أومأ د جون برأسه بإعجاب ثم قال بنبره هادئة

"أداء رائع يا إباء لكن بما إننا على وشك دخول مرحلة التجريب المشترك فأعتقد إننا محتاجين دعم متخصص من الكيميائيين حد فاهم كويس في التأثيرات الدقيقة لتركيب المركبات ومواكب للتطورات الجزيئية في الجانب الوراثي ... دي مش أول مرة نشوف نوع من الارتداد الجيني ضد مركب معين بس الحالة دي مميزة… التركيب هنا شائك"

لتجيب إباء بنبرة مليئه بالتصميم ل د جون و د مارفيل

"عايزاكم ترشّحولنا حد من الكيميا الحيوية أو التحليل البنيوي يكون فاهم كويس ميبقاش مجرد تحليل كده نظري"

تساءلت د جوانا "تقترح مين د جون ؟"

شرد د. جون يفكّر قليلا ثم ابتسم بثقه قائلا

"عارفة…فعلاً الدمج بين التخصصين هو اللي هيخلينا نوصل لنتيجة متكامله وعشان كده في حد أنا أعرفه كنت بتمنى ينضم لفريق زي ده وهو يمكن أنسب شخص للحالة دي… من ضمن أفضل العقول اللي تعاملت معاها من مصر اسمه د طارق خالد هو باحث شارك معانا في البعثة كان مع إباء وقتها وبصراحه دماغه فيها حِس بحثي نادر كل الفريق هناك فخور بيه عبقري في الكيمياء حرفيا وله أبحاث منشورة حتى قبل ما يكمّل دراساته العليا"

في اللحظة التي نطق فيها الاسم تفاجأت إباء اتسعت عيناها قليلًا كأن شيئًا قديمًا عاد فجأة من الذاكر استندت للكرسي ببطء وكأن قلبها تلقى إشعارًا لا تراه العيون وهمست. "طارق؟"

أومأ د. جون برأسه

"أيوه هو كان عامل مشروع مهم جدًا عن مركّبات تشتغل في خط متوازي مع الشفرة الوراثية… نفس النوع اللي إحنا بنبحث عنه وهو بالضبط الشخص اللي محتاجينه"

تدخلت د. هيلين بابتسامة

"أنا سمعت عنه دا حتى في ورقة نُشرت له من فتره قليلة عن التعامل مع التضاد الجيني عبر المسار الكيميائي"

تطلعت إباء بنظرة بها بصيص من الامل

"لو فعلاً فاهم النوع دا من التضاد… يبقى لازم نتواصل معاه أنا محتاجة خبرته"

ليهتف د. جون وقد راقه العمل مع كليهما

"هكلّمه بنفسي… هو موجود حاليًا لو وافق هيكون معانا في الاجتماع الجاي"

تنهدت إباء بعمق

"يبقى دي أول خطوة حقيقية في المواجهة مع الجين العنيد دا… وإحنا مستعدين"

ظهر في عينيها لمعه من الفضول الحقيقي ... إيمان بأن الخطوة القادمه ليست فردية هناك عقل آخر سيطرق الباب وقد يكون ما ينتظرها أبعد من مجرد حل لمشكلة بحث… ربما بداية طريق مختلف تمامًا

استعادت شبح ابتسامته لها وهدوئه وهو يربت على يدها فالطائره شعور خفيف بالطمأنينة مر بها دون استئذان نفضت كل ذلك عن كتفها تستعيد تركيزها فتفاجئت بميل د هيلين عليها تتسائل بهمس "تعرفيه؟"

كان آخر عهدها به في الطائرة حين ساعدها لتخطى أزمتها ثم لمحته في المؤتمر لم يتبادلا الحديث لكنه ترك فيها انطباعًا غريبًا… ارتياح لا تعرف له اسمًا

أجابت بفتور ظاهري

"أيوه كنا فى نفس الرحله وشفته بعدها في المؤتمر بس معرفتي بيه سطحية." التفتت بعدها الي د جون تقول

"ده هيكون مفيد… لو وافق طبعًا."

ابتسم د.جون وهو يدوّن شيئًا في ملاحظاته.

" طارق دايمًا بيحب التحديات… وأنا متأكد إنه هيكون إضافة قوية ليكي وللفريق كله."

لم تكن تعرف لما تسللت لها رائحه الوطن لكنها ولأول مرة منذ بدأت المشروع شعرت أن خيوطًا ما بدأت تتشابك بطريقة جديدة وأن لقاءً غير متوقع قد يُحدث فرقًا وأن وجود أحدهم في الفريق...قد يصنع فرقًا علميا ..... ومعنويا

..................................

كان الليل قد بدأ يسدل أستاره على المدينة والسكون يخيم على الطرقات إلا من أصوات خافتة لخطى المارة أو همهمات الزبائن في المقاهي جلس أمير في المقعد المقابلِ للؤي داخل المقهى الذي اعتادوا ارتيادَه سويًّا مع طارق كان المكانُ مزدحمًا بأحاديثٍ متناثرة ورائحة البنّ الدافئ تتصاعد مع أنفاسِ الانتظار نظر إلى لؤي طويلًا ولم يتكلم وعلى وجهه ملامح جادّة لم يعتد لؤي رؤيتها

رفع أمير كوب الشاي إلى شفتيه يرتشف منه القليل قطّب لؤي حاجبيه قائلا بتوجس

"مالك يا أمير؟ شكلك مش طبيعي… فيك حاجة؟"

تنهد أمير ثم أنزل رأسه قليلًا وقال بنبرة مترددة

"أنامحتاجك في موضوع مهم ومش لاقي حد غيرك أحكيله."

أومأ لؤي برأسه ثم اعتدل في جلسته

"خير يا مُرّ قلقتني… احكي"

رفع أمير عينيه وقال بصوت خافتٍ مرتجف

"مصعب… أخويا… أنا شاكك فيه."

ظهرت الدهشة على وجه لؤي كأنّه تلقى صفعة ثم قال بسرعة

"شاكك فيه؟ اخوك؟ مصعب؟"

رد أمير بحزن

"اه أخويا… بس فيه حاجات مش مبلوعه تحركاته طريقته في الكلام مؤخرًا صحابه الجداد اللي معرفهمش… حتى عيونه يا لؤي… فيها حاجة مش طبيعية."

نظر له بألم وتابع بنبرة هادئة تخفي اضطرابه

«أنت مشفتوش يا لؤي انا حاسس إني لو سكت هندم العمر كله.»

صمت لؤي قليلًا ثم قال وهو بيحاول الفهم

"تندم إيه يا أمير؟ بتتكلم كده ليه؟ طيب يعني… شاكك فيه بيعمل إيه؟"

ابتلع أمير لعابه وقال بصوت منخفض

"مش متأكد… بس قلبي مش مرتاح… وكل يوم بيعدي إحساسي بيزيد إنه ماشي في سكة غلط… سكة سودة."

خفض لؤي نظره وتذكر وجه طارق وكلماته الأخيرة قبل ما يسافر

"لو جرالي حاجة يا لؤي… خلي بالك من إخواتي… بالذات مصعب." رفع عينيه فجأة وسأل

"هو… هو عمل حاجة محددة؟"

أخذ أمير نفسًا عميقًا ثم بدأ يروي كل ما رآه من تصرفات مصعب منذ أن لاحقه في الشارع حتى لاحظ دلوفه المريب مع شخص غريب وما شعر به من شكّ وخوف

"أنا شُفتُه ماشي… ماشي لوحده ومش واخد باله إني وراه كان متوتر… دخل حتة مش تمام وقابل مع ناس شكلهم مريب فشقه معرفش لمين اصلا … ومن ساعتها وأنا دماغي مش مرتاحة و مش قادر أقول ده لأبويه ولا حتى لأمي مش عايز أظلم أخويا ومش عايز أسيبه يضيع قدامي.»

أطرق لؤي رأسه وقد بدا الذهول في عينيه. ثم قال بعد صمت قصير

«أمير… ده مصعب… أخوك الصغير اللي طارق كان دايمًا بيوصيك عليه ... إنت متأكد إنك مش بتتوهم؟»

رد أمير بصوت متهدج

«أنا مش بتوهم حاجة بقولك شايفه بعيني في حاجة غلط… وأنا مش عايز أقف اتفرج»

هزّ لؤي رأسه ببطء كأنّه يحاول أن يستوعب ثم قال بحذر

"وأنت عايز مني إيه؟"

نظر له أمير بصدق وأمل

"أراقبه… بس مش هعرف لوحدي محتاجك معايا أنت تعرف تتصرف… ولو فيه حاجة فعلاً نبقى نلحقه قبل ما يتورط من غير ما هو يحس ومن غير ما حد يعرف مش عايز أكون لوحدي في ده ولو طلع شكي غلط…يبقي خلاص بس اتطمن "

صمت لؤي قليلًا يستعيد آخر ما أوصاه به طارق يومًا ما… حين أمسك بيده بقوة وهو يوصيه

«خلي بالك من إخواتي لو جرالي حاجة… خصوصًا مصعب قلبه طيب وسهل يتخدع…» تنهّد لؤي ثم قال وهو يرمق أمير بنظرة جادّه

"عارف آخر مرة كنا قاعدين هنا؟ كان طارق قاعد على الكرسي دا… وقاللي نصًا (مصعب لسه صغير بس خايف عليه… ما تبعدش عنهم يا لؤي لو سافرت) سكت يتنفس بعمق وقال

"أنا معاك يا أمير… هنراقبه وهنشوف وراه إيه بس بهدوء بلاش حد يعرف غيرنا ولازم نكون عقلانيين"

ابتسم أمير بخفه لأول مرة منذ بداية الحديث ينظر له بامتنان

«مش عارف أقولك إيه… ربنا يخليك ليا كنت واثق انك مش هتسيبني خايف كده»

«إنت أخويا ياض زيك زى طارق…"ثم ضحك وهو يتابع

"أنا خايف أكتر منك والله… بس لو حد لازم يراقبه يبقى احنا… عشان طارق… وعشان مصعب نفسه هنخلّي عينينا دايمًا مفتوحة عليه وربنا يخيب ظنك»

مرّت لحظة صمت قطعها صوت بائع يمر بالقرب منهما ينادي على الحمص تبادلا نظرة خفيفة ثم نهض لؤي وقال مبتسمًا

«يلا بقى ناكل شوية الدنيا مش كلها دِلعه يامُرّ.»

ضحك أمير بخفوت وأومأ برأسه بينما تسللت إلى قلبه راحة خفية رغم العاصفة التي لم تهدأ بعد نهضا معًا وخرجا من القهوة وكلٌ منهما يحمل عبئًا في قلبه..... وشعر انه لم يخطئ حين مال علي صديق اخيه طالبا عونه.

..................................

داخل المعمل فالجهه الاخري من نفس المبني

كان طارق واقفًا أمام حوض التفاعل يراقب أنبوبًا رفيعًا يتصاعد منه بخارٌ خفيف وبين يديه ورقة ملاحظاتٍ صغيرة وخطٌ عربي ممزوجٌ ببعض المصطلحات اللاتينية تكلم دون أن يرفع عينيه عن المركّب

"أنا قلتلك المركب دا هيفرق.. مجرد ما جربنا وطلعت النتائج عرفت إننا قربنا نمسك خيط جديد."

ضحك سفيان وهو يقترب منه يضع كوبًا من القهوة على الطاولة

"قسَمًا بالله المركّب دا لو اشتغل زَي ما بنحلم هنِحاضر في نوبل نفسها وهتظهر في الجورنال مرة تانية ابسط ياسيدي مش ملاحقين على شهرة حضرتك"

ابتسم طارق بتواضع لم يغادره يومًا

"يا عم بلاش هري.. الجورنال دا نشره كان توفيق من ربنا مش أكتر وبعدين أنت عارف احنا اشتغلنا ليل ونهار عليه.. تعب فريق كامل وبعدين تِحاضر إنت وأنا هقعد أترجملك من كتر اللخبطة اللي فمخك... بس بصراحة؟ المركّب دا واعد جدًا العيّنة اللي طلعت من يومين بتِقول كده"

جلس سفيان على الكرسي المقابل وأخذ يرتشف من قهوته ثم أشار نحو أحد الأنابيب قائلاً

"والمركّب الجديد دا.. شكله غريب."

رد طارق وهو يقرب الأنبوب من الضوء

"أيوه عشان ضفت مجموعة سلفونيل ودي اللي خلت التفاعل يدي ناتج مختلف بس لسه محتاجين نكرّر التجربة تاني على نِسب مختلفة."

اتكأ سفيان على الطاولة يمازحه

" كنت بقول للفريق امبارح والله يا أخي لو تعرفوا طارق دا وِلد ما يتعوضش دماغ وأخلاق وضحكة تشيل عن القلب همّه"

ضحك طارق بخفة وهو يهز رأسه متابعا بفكاهه

"بس خلاص كده؟ زود شوية كمان يمكن يصدقوا إننا أصحاب ويجيبولى عروسه "

انفجر الاثنان ضاحكين في جوٍّ من الألفة لا يُخطئه أحد

بينما في الزاوية البعيدة كان ميشيل

يراقب بصمتٍ مشوب بالترقب جلس في ركن المعمل يتظاهر بالقراءة أمام حاسوبه يتابعهم بتركيز ممتزج بالتوجس بينما عيناه تتنقّلان بين وجهيهما ملامحه ثابتة واصابعه تضغط على القلم بقوه بدا كأنه منهمك بينما عينيه لم تفارقا طارق للحظة

نشأت بين سفيان وطارق صداقه قويه لم يحتاجا يوما إلى مقدمات أو تصنع مجرد كلمات عفوية وضحكاتهم تأتيك من القلب

وفجأة فُتح باب المعمل بهدوء ودخل د جون بخطوات واثقة يقبع بين يديه ملفًا أسود نظرته التي تجمع بين الدقة والاحتواء ألقى التحية بصوته الهادئ

"صباح الخير يا شباب... واضح إني دخلت وسط نُكتة من بتوع سفيان"

اجابه طارق مبتسمًا وهو يحييه

"صباح النور يا دكتور جون... كنا بنقول كلام كبير أكبر من النوبل نفسه"

ضحك د جون وهو يتأمل التفاعل بينهما ثم قال بنبرةٍ خفيفة تحمل مزيجًا من الملاحظة والمداعبة

"انا فرحان جدا من صداقتكم فى المعمل دا بيخليني افخر بيكم فعلا وأصدق انكم واحد ياعرب "

ضحك سفيان وهو يقول

"لو حضرتك كنت معانا يوم ما النتائج نزلت كنت شفت الفرحة بعينها"

هز جون رأسه ثم التفت نحو طارق قائلا

"طيب تعالوا بقى نرجع لأرض الواقع ...في الحقيقه انا جاي لحاجه تانيه مهمه انا راجعتُ مؤخرًا مقترح بحث تصميمه متين وذكي ووثيق الصلة بعملك السابق وعايزين إضافتك فيه"

اقترب منهما ووضع الملف على الطاولة بينما تبادل طارق وسفيان النظرات فقال سفيان "شكل الكلام كبير أوي"

"هو شغل جديد و حساس شوية اتعرض عليّا من يومين والملف ده فيه تفاصيل أولية وإنت يا طارق كنت أول اسم في بالي"

تساءل طارق وقد علت وجهه الجدية

"شغل إيه بالضبط؟"

" تطوير ماده معقدة وتوضيح تركيبها ومساراتها لان ليها استخدامات حيوية ممكن تغير من بحث تانى لسه مش هقدر أقول التفاصيل كلها بس لو عجبتك الفكرة... أنتَ أول المرشحين"

اعتدل طارق قليلًا وقد لَمَعَ في عينيه اهتمام حقيقي

"وأنا ممكن أساعد فيه إزاي؟"

مد جون ملفًا صغيرًا دون أن يفتح محتواه بالكامل

" انا رشّحتُك كمتعاون محتمل .... المشروع محتاج لشخص بخبرتك التحليلية... احنا لسا في مراحله الأولى وانا محتاج رايك و هل عندك اعتراض عليه أو لا "

تصفّح طارق بعض الأوراق بسرعة ثم قال

"أنا مبدئيًا مهتم الفكره شكلها حلو ... بس محتاج أفهم أكتر وعايز وقت أقرا الكلام دا على رواقه.. بس اسم الباحث مش مكتوب..... هو مين ؟"

رد جون بهدوء

"مش مهم حاليًا ركّز في المحتوى لو شُفت إن عندك استعداد مبدئي نكمّل ... بس حط في بالك إننا محتاجين نبدأ بسرعة"

أومأ طارق برأسه وعاد لمزاحه سريعًا كأنه يُخفف وطأة الجدية "يعني داخل تقولّي خُد الحلاوة من غير ما أعرف مين عملها؟"

ضحك جون ثم رفع يده مودّعًا وهو يقول

"مستنى ردك بكره بالكتير يا طارق."

غادر د جون تاركًا وراءه فضولًا مثيراً وما إن أغلق الباب خلفه حتى التفت سفيان إلى طارق وغمز له.

"بقولك إيه؟ الشغل ده وراه حكاية أنا حاسس وقلبي ما يغلطش .....ولا اكون بتوهم؟"

ضحك طارق بقوه وهو يقول

"قلبك مبيغلطش تانى ؟ نسيت وداك فين .... دا بيشتغل علي 60 درجه يا طارق .....طلعت بتطبخ بطاطس "

تذمر سفيان بسببه وهو يتذكر أنه كان يتابعه نائما ويدلي عليه بيانات خاطئه حتى ضحك عليه كل الفريق وقد لاحظ طارق وهو

يتنهد بقوه متابعاً بحالميه

"في حاجات كتير يا سفيان أهمها النوم اللي واحشنا من سنة."

نظر بعدها لسفيان فوجده شاردا وعلى ملامحه ابتسامه بلهاء

تغضن حاجبيه وهو يتسائل "سرحان فى اى ؟"

عاد سفيان من رحله شروده وابتسامته تتسع اكثر

"أنا معاك فالمشروع بس لو لقينا إن فيه تمويل من اللي بيخلّي الواحد يعيش في جزر المالديف قوللي من بدري"

ضحك طارق بصوتٍ عالٍ هذه المرة «إنت مش هتتغير»

ليجيبه سفيان بحنان وصدق وهو يضع ذراعه على كتف طارق

"بس هفضل صاحبك مهما الدنيا تغيّرِت فاهم؟"

نظر له بامتنان ومحبه وعادا للضحك من جديد بينما كانت صداقتهما تكبر أمام ناظري ميشيل الذي لا يزال يراقب ولم يَفُتْه شيء ظل واقفًا يعدّل من شاشة حاسوبه وجهه خالٍ من التعابير رغم ان داخله يشتعل ويتمتم

"لازم أتابعه أكتر.. طارق بدأ يلفت الأنظار ودا مش في صالحنا نهائي لازم أقرّب منه... لازم أعرف نقطة ضعفه."

وظلّ الضوء الأبيض ينكسر فوق الأدوات الزجاجية، بينما اسفل السطح، كانت التغيرات تتراكم كالعناصر في تفاعلٍ كيميائي... لا يُرى لكن أثره قادم لا محالة.

..................................

ماهي توقعاتكم في الفصول القادمه ؟

رأيكم في الفصل ؟

دمتم سالمين

#يتبع

#فاطم

ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شاردتي

المؤلف fatma Elabd
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة