بسمك اللهمّ نستفتح الحياه ...
يا من تُبدّل الأحوال بلحظة وتُنزِل السكينة على القلوب المنكسرة يا من ترى ولا تُهمل وتعلم ما تُخفي الصدور وتُحصي الأنّات في جوف الليل والناس نيام
يا جابر المكسورين ما جئناك شاكين بل واقفين على أعتاب رحمتك نحمل بين أضلعنا وجعًا لا يُحكى وصرخةً لم يسمعها سواك... صرخة البدايات حين كان أول العهد بالحياة صراخاً وأول ما نطقت به الروح أنينًا
فاللهم إن كُتب علينا أن نعيش في واقعٍ يعصر القلوب
فلا تحرمنا من سترك ولا من لُطفك الخفيّ... وامنحنا صبرًا يليق بعبادك الصادقين وعزاءً لا يُشبه عزاء الآدمين
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
..................................
الحياة ليست كما تُصوّرها الكتب ولا كما ترويها الأفلام
فهي لا تمنح دومًا فرصةً ثانية ولا تنتظر من يتعثّر كي تُعينه فالواقع لا يعرف المجاز ولا يُجيد العزاء ولا يملك قلبًا يشعر بما نحمله من أوجاع
هو وجه الحياة حين تنزع عنها أقنعتها وتُعرّي حقائقها بلا رحمة حين تقسو الأيام وتتحدث اللحظات بلغة الخذلان وتتحوّل الأحلام إلى رمادٍ بين أصابع الندم
في هذا الواقع لا تُكافَأ البراءة ولا تُحتَرم الطيبة بل يُنظر إليهما كضعفٍ يجب أن يُستأصل بينما نحن نتعثر في دروبه ونحمل أوزارنا على أكتافٍ أنهكها التعب ونُجبر على الابتسام في وجه الألم لأن البكاء لا يُشبع الفراغ ولا يُبدد الخوف.
قسوة الواقع تتمثل في صمتنا عند الحدثو في اضطرارنا للتكيّف معه في قدرتنا الغريبة على النجاة ونحن ننزف من الداخل... ببطء دون أن يشعر بنا أحد....... فهل حقا ننجم ام ندفن في دهاليز التمني ؟
.............................
غابت الشمس وتسللت العتمة إلى زوايا البيت فتثاءب الليل كسلًا لم يكن أحدٌ يعلم ما يحدث خلف باب تلك الغرفة المغلقة، حيث جلس مصعب فوق مضجعه في ضوء خافت وستارة النافذه تهتز مع الهواء، تترك خلفها طيفًا راقصًا فوق الحائط.
رأسه يتمايل وملامحه قد خفَت منها الحياة أنفاسه متقطعة عيونه زائغة وصوته إذا نطق كأنما يخرج من قاع بئر يده المرتعشة تحمل كيساً صغيراً مملوءاً بمسحوق ابيض اللون ، يفتحه كما لو كان كنزًا لم تعد الأصوات تهم لم يعد الندم يُجدي الآن على الأقل .... سطّرَ خط البودرة على عمله ورقيه، وسحب بأنفه مقتنعا أنه يستنشق خلاصه ثم انهار مكانه وهو يضحك ضحكة ميتة... منتشيه
زاغت عيناه ودارت دنياه وشعر كما لو كان يطفو فى سحابه الوهم
هرباً مما بداخله ... من نفسه ولا يدري أنه يدفن نفسه في قاع الآثام
تمدد علي مضجعه و أثر دمعة واحدة تسقط من زاوية عينه دمعة خلاص .... ألم ..... دمعة من فقد المعنى وفقد نفسه وترك جسده في الدنيا بينما روحه تتآكل كل لحظة
فمنذ أسابيع قليلة كان ذاك الشاب الرزين قليل الكلام كثير الخجل يعيش بهدوء في بيت أهله يسهر ليدرس ويضحك مع أمير وضي ويحاول دومًا أن يحمي نفسه من مواجع الحياة لكن شيئًا ما كسره ... وشيئًا ما تسرّب الي دمه
فكان عادل بابتسامته الماكرة قد بدأ يقوده برفق نحو الحافة
في البداية كانت مجرد تجربة لشيء خفيف تحت طمئنته
"مش هتضرك صدقني دي بس تفصل دماغك شوية"
ثم بدأت البودره تدخل إلى روتينه كأنها جرعه انتعاش ...
كان يوميا يخرج ويعود منتشياً أو يثور فجأة لأتفه الأسباب
وقد أنعزل عن أهله والجميع اصدقاء الدراسه ...إخوته حتي والديه لم يسلما مما آل إليه حاله أصبح لا يطيق المنزل ولا يحتمل المزاح وصار الصوت العالي يستفزه والكلمة الحانية تزعجه وكل من يحاول الاقتراب منه يُقابل بعنفه اللفظي أو صمته القاسي
..................................
وعلى الجهه الاخري كان الجو مُحمَّلًا بضجيجٍ خافت و موسيقى غربية تدور في الخلفية والجو مشحون بينما دخان السجائر يتصاعد في الهواء كضبابٍ كثيف وأضواء باهتة تتراقص على وجوه الحاضرين ....... الأجواء في أوجها
وفي ركنٍ بعيدٍ بالكازينو وعلي طاولة منخفضة تتناثر عليها أكواب المشروبات وزجاجات المياه الغازية وبعض الأوراق القديمة والمكان يعجّ بأحاديثٍ متداخلة وضحكاتٍ باردة لا تنتمي إليهم جلس عادل مستلقٍ إلى الوراء يتأمل السقف بكسلٍ وفي عينيه بريق غامض يقلب مشروبه بين يديه وبالاخري يضع عقب سيجاره مشتعله بين اصابعه وجهه لا يخلو من الخبث
أما إياس فكان متحفزًا يجلس على حافة الكرسي وشيئًا ما داخله على وشك الانفجار بينما جلست ندا على غير عادتها في صمت وهي تتابع ما يحدث أمامها تنظر إلى عادل وهو يتكلم كأنها تنتظر سقوط قناعٍ كانت تعرف وجوده لكنها تجاهلته طويلًا وقد كان اياس مضطرب صوته يصدح خارجاً عن سيطرته من شده الغضب
"إنت إيه ؟ إيه اللي بتعمله في مصعب؟ الواد طول عمره نضيف عمره ما دخل في الحتة السوده دي "
هز عادل راسه وهو يضحك بسخرية
"بلاش تهول يا إياس… هو كبير وعاقل وعارف ياخد قرارته أنا معملتش حاجه مجرد فتحتله باب وهو دخل برجليه مالك بقا ؟
هو كان حابب يدوق وداق وعجبه وسلك فالكار عايز انت اي "
تشنج إياس من فرط ما يشعر
"لأ ... إنت قاصد ترميه فالمنحدر دا وإنت عارف هو مهزوز الفترادي وبيهرب من كل حاجة فجيت إنت وكملت عليه…بتعمل فيه كده ليه؟ عايز منه إيه؟"
قال عادل بابتسامة مستفزة
"يا عم إياس متشيلش الدنيا فوق دماغك كلنا جربنا وكلنا عارفين آخر الطريق مصعب ده حب الدور ... هو اللي اختار إنت مالك؟ شايل همه ليه؟ هو بيغرق بإيده انا مالى....سيبه يكتشف الدنيا بطريقته... كلنا لينا سككنا ومحدش بيتعلم ببلاش"
رد إياس بحدة وهو يضرب كفه على الطاولة
"ازاي تقول كده؟دا كان أنضف مننا كلنا... إزاي قلبك بقى اسود كده ؟داانا اعتبرته صحبي يااخي"
أنهى حديثه والغضب يتقطر من كلماته بينما تمادى عادل بابتسامته شيطانيه الساخره بثت الرعب في صدر ندا واياس
"صاحـبك؟ طب لما هو صاحبك سايب ليه سلاح قتله فإيده ومطنش؟ اللي زيه... كنز سهل يتشكل... سهل يضيع وأنا بحب أتعامل مع النوعية دي .... نوعيه مفكره أنها فوق الكل عشان بس ملهاش في طريقنا مفكرين أنهم لو جتلهم الفرصه هيرفضوا .... ومنهم مصعب اللي عامل فيها ملاك طاهر وطلع فشنك ...اغبية"
نظر لهم عادل بحده وكره يتساقط من عسليتاه وتابع
"أنا قلتلك من الأول مفيش حد نضيف أوي وكنت متأكد إنه هيقع ..... ووقع"
انفعل اياس بشده اكبر وصرخ فى وجهه "لا هو ما كانش كده انت اللى رميته فنص البحر مربوط أنا شُفته بنفسي وهو بيرفض ....دا كان حافظ كتاب الله وبيصلي" تهدج صوته والتمعت الدموع في عينيه وغص حلقه بينما ضحك عادل فجأة ضحكه حادة وساخرة
"كان...كلهم كانوا ... و محدش بيرمي حد... هو اللي مشي برجليه يااياس الوشوش اللى زى دي بتقع بسرعة وساعتها بتشوف البني آدم على حقيقته... غرقان وهو لو كان عايز يبعد كان بعد... بس هو لقى نفسه أخيرًا في المكان اللي يشبهه"
لتقاطعه ندا بصوت خافت "كفاية يا عادل…"
لم يلتفت لها وأكمل بث سمه بعدما مال للأمام ينفث الدخان من فمه في وجه إياس وقال بنبرة ساخرة
"اللي إنت بتدافع عنه ده خلاص ماعدش مصعب خلاص خرج من الخدمة ... بقى بتاعي دلوقتي فاهم؟ كل يوم بيطلبني كل يوم عايز جرعته وانت ........إنت جيت متأخر يا إياس "
همّ إياس أن يرد لكن صدح صوت هاتف عادل نظر إلى الاسم، ثم وقف بسرعة وهو يقول
"عن إذنكم... شغل مهم ربنا يسهل لك يا إياس"
انهي كلامه بسخريه شديده وغادر بخفة كما يفعل دائمًا حين يُلقي قنبلته ويهرب بقي الصمت معلقًا في الهواء فقط احتكاك الكؤوس من الطاولات الأخرى يملأ الفراغ بينما اياس ينظر له بنظرات لو كانت تقتل لأردته قتيلا نظر بعدها الي ندا يتساءل
"ساكته ليه؟شايفة بعينك ساكته كأن اللي بيحصل ماهزكيش؟"
التفتت ندى إلى إياس ثم بهدوء وعين مكسورة فارغه لا تحمل شيئا قالت كمن يلقي بحكم الإعدام
"أنا هعمل اي يعني ...أناشفت اللي يخليني أصدق إن مفيش فايدة شفت مصعب بعيني يا إياس هو خلص خلاص… قولي اي ممكن اعمله مصعب بقى في حتّة تانية مش سهل يرجع اصلا لو حاول مش هيعرف اللي هو فيه دلوقتي صعب يبطله ... صعب قوي"
ثم اكملت بهدوء وعيونها معلقة في اللا شئ
"ساعات بحس إنه مش هو لا في كلامه ولا في عيونه مصعب راح وإنت... شكلك موجوع عليه بس خلّي بالك... اللي زي عادل مش بيسيب حد إلا لما يبوظه خالص."
ابتلع إياس ريقه وشد على أصابعه حتى شحب لونها وصورة مصعب تدور في رأسه ثم قال وهو ينظر للأرض بصوت مبحوح
"أنا صعبان عليا …مش قادر أتقبّل إن دا مصعب اللي شُفته في الأول بس أنا مش هسكت صحيح معرفش أنقذه إزاي دلوقتي بس مش هسيبه ليه… هيتحاسب والله هيتحاسب"
رفعت حاجبها بدهشة بسؤال غير منطوق ليكمل وعيناه تلمعان بإصرار رغم جمود ملامحه
" مش هاسيب اللي ورا اللى بيحصل ..... عادل دا بايع الكل.... لازم أعرف ليه بيعمل فيه كده؟ بيكرهه ليه؟"
سكن لحظة ثم أضاف كأنّه يحدث نفسه
"وأنا... أنا هعرف حتى لو اضطرّيت ابقي وراه لآخر الضلمه في الوساخه دي"
اشتدت ملامحه وهو يتذكر ذلك اليوم وكأنه يحياه الان
ففي أحد أركان الكازينو المزدحم كان مصعب غائبًا عن الوعي تقريبًا ممددًا على الكنبة الجانبية رأسه مائل إلى الخلف عيناه نصف مفتوحتين يُخرج أنفاسًا ثقيلة بطيئة صدره يئن
بينما عادل يتحدث بمرح مصطنع ينظر للجميع ثم يضحك ويشير بإصبعه إليه
"بُص عليه… والله بقى زي العيال الصغيرة ....ههوله عايز له ملاية يتغطى بيها"
ضحك أحد الجالسين بافتعال وتجاهل الآخرون لكن عينا إياس لم تفارق مصعب وحاجبيه يعلوهما قلق قال بهدوء شديد يخفي تحته بركانًا "هو كده كل مرة؟"
رد عادل باستهزاء
"وإيه يعني؟ بيكيف دماغه… سيبه ينبسط ياعم"
اقترب إياس قليلًا من عادل صوته بارد وشرارة نادرة تلتمع في عينيه "هو عارف هو بيعمل إيه؟"
اخذ عادل رشفة من كأسه ومسح فمه بطرف ثيابه ثم قال بتحدٍ
"إنت شايف ايه؟ وبعدين هو انت مخلّص أرواح؟ مالك وماله؟هو كبير كفايه مش نغه " انهي كلامه بسخريه ثم دفعه مغاردا الساحه تاركا إياه ينظر في أثره وهناك ثقل جبل علي صدره وهو يشهد انكسار روح بريئه كانت من النقاء ما مسه وأحيا به ضميره
نظر تجاه مصعب واعتصر الالم قلبه وانتبه لندا وهي تبتسم بألم غير مفهوم وتقول " خلي بالك يا اياس"
لم يفهم مقصدها ورغم ذلك أومأ برأسه ببطء دون كلمة ركز نظره مجددا تجاه مصعب وقد تغضنت ملامحه بأسي تحول في لحظه الي عزيمه ووعد صامت أنه لن يتركه ... الضياع طريق وعر وحكم عليهم سلوكه منذ زمن أما مصعب ...... فهو مازال أمامه فرصه ...... وربما ضاعت
يومها عاد مصعب إلى البيت متأخرا متثاقل الخطى قدماه بالكاد تحملانه كأنما يحمل على كتفيه أوزار العالم كلّه وعيناه شاردتان في العدم كان جسده لا يزال تحت تأثير ما تعاطاه والذي بدأ يخفت أثره شيئًا فشيئًا لكن وعيه المتأخر كان يصفعه من الداخل فتح الباب بصمتٍ و تمنى لو لم يره أحد، أن يمرّ كخيال، ويختفي داخل جدرانه التي لم تعد تشعره بالأمان كان الضوء في الصالة خافتًا، ووالدته الحاجه ناديه مازالت ساهره تقرأ وردها
رفع عينه نحوها وارتبك للحظة بينما هي نظرت إليه نظرةً طويلة ولم تقُل شيئًا مرّ من أمامها واكتفى بكلمة مقتضبة
"السلام عليكم ....أنا طالع أوضتي."
فتح باب غرفته ببطء، وكأنه يخشى أن تصرخ المقابض اثر لمسته وأغلق الباب برفق مصاحبا لتنهيدة ثقيلة وكان يجثو علي صدره جبالًا لا تُرى ثم ألقى بجسده على السرير يُسلم نفسه لعجزه كمن سقط من ارتفاعٍ شاهق لم ينزع حتى حذاءه لم يُشعل الاضاءه
فكانت الغرفة شبه مظلمة الا من ضوء خافت تسلل من النافذه
تسلطت عيناه علي تلك اللوحه التى تحمل صورته بالمدرسه وهو يرتدي زيها ضاحكًا ببراءة.... ظل يحدّق في اللوحه كأنها شاشةً تعرض له ما فقد يبحث فيها عن مخرج عن أحدٍ ينقذه... أو حتى يلعنه علّه يصحو تمرد وجهه في الصورة على ملامحه الآن وكأنهما لا ينتميان لنفس الجسد أغمض عينيه، فهاجمته ذكريات أوضح من أن يغمرها ظلامه
مرّت دقائق ثقيلة بدأ فيها الضجيج يعلو في داخله صور قديمة تنهال عليه كالسياط من زمنٍ كان فيه صبيًّا طاهر الروح ضاحك القلب صافِي النظرة تذكّر صلاته، وتذكّر ضحكته تذكّر طهارته... تلك التي ضاعت كان يحمل شهادته بفرحة راكضاً ليُريها لأمه كانت تبتسم بفخر وتدعو له وتُقبله في جبينه تذكّر قلبه الذي يخشي ان يوجع احد حين كان لا يعرف ما يُثقل كاهله اليوم
ارتجف صدره وسرت قشعريرة في أطرافه، فضمّ نفسه بذراعيه كمن يحاول النجاة من عاصفةٍ داخلية ثم... انهار وانفجر بكاءه مكتومًا، محبوسًا بين عضلات وجهه وصدره المنقبض كان يخنق شهقاته يريد أن يصرخ لكنه يعلم أن لا أحد سينقذه دموعه تنسال فوق وجهه بلا توقف همس بصوت مكسور متهدج
"اي اللى حصل ؟"
شدّ على شعره يُريد أن يوقظ نفسه من غيبوبةٍ طويلة غطّى وجهه بوسادته وبكي بصوتٍ حاول أن يُخفيه اهتزّ جسده و صوت نشيجه مازال مكتومًا يكاد يخنقه أكثر مما يحرّره خشي أن تسمعه أمه أو أحد من إخوته لم يعد يحتمل نظرات الشفقة... ولا نظرات الخوف او القلق تمتم بين دموعه كأنّه يعترف لأول مرة
"أنا ضايع... والله العظيم ضايع... مش عارف افتكر .. انا عارف اني استاهل بس هى اى ذنبها أنا آسف ..... اسف "
ظل هكذا طويلًا يحاول أن يتذكّر أول لحظة ضعف… كيف بدأ الأمر؟ من أين تسلّل الظلام؟ ومن هو الآن؟ كان الصمت يطبق على الغرفة إلا من تنفسه المتقطع ودمعة تنزلق كل لحظة دون استئذان وبين كل تنهيدة وأخرى ترددت داخله رغبة مشتعله خافتة "يارب سامحني واسترها يارب "
انتشله من جحيم افكاره طرقٌ خفيف على الباب وصوت ناديه الحنون "مصعب؟... إنت كويس؟"
سكت فجاه وقد مسح دموعه بسرعة، وحاول تغيير نبرة صوته لطبيعتها قائلا "آه يا ماما.. نعسان بس."
لاحظ سكونها لحظه قبل أن تقول
"طب هسيبك ترتاح .. تصبح على خير يا ضنايا "
سمع صوت خطواتها يبتعد وكذلك تنهدها الموجوع .... شهيقها المرتجف كأنها بتقاوم شيئا غير مرئي تشعر به .... تشعر بشيء سئ يحدث معه تدفقت عبراتها وهي تبتعد تنظر للفراغ وهي تدعو الله أن يحفظ لها وليدها
"يا رب طيب قلبه.. وطهره من الدنيا .. واجعل الفرحه والهنا طريقه ...متوجعنيش فيه يارب لأجل حبيبك المصطفى"
ظلّ على حاله حتى خدرته دموعه ونام بإنهاكٍ داخلي غائر كمن نام فوق حافة قبره .... فهل حقا فعل ؟
..................................
الصرخة الأولى هي إعلانًا مبكرًا عن معركة طويلة مع هذا العالم فيولد الإنسان صارخًا لإنبثاث الروح وفي لحظتها الأولى تدرك أنها انتُزِعت من رحم الدفء إلى صقيع الواقع
الصرخة الأولى تظل محفورة في أعماقنا كوشمٍ خفيّ يُذكّرنا دومًا أن هذه الحياة تُنتزع من أكباد الآثام وأن الواقع لا ينتظر منّا نضج فقد يُلقي بك وسط الزحام لتحارب فتنهض وتسقط ثم تُجبر على النهوض من جديد دون إرادتك
تبدأ الحكاية حيث الألم... من لحظةٍ غيّرت كلّ شيء
لحظة كانت فيها الصرخة الأولى بداية الخسارة
بداية الوعي بأن الطفولة ليست حصنًا
وأن القسوة لا تُمهل أحدًا حتى ولو كان في أول العمر.
..................................
ما الذي حدث الان ؟
هل يبصرها حقا امامه ؟ هل هذه ابنته؟
ألم يكن اليوم اولى ايامها بعد الزواج أمس
كيف تركت فراشها واحضان زوجها وأتت عبر بلاد لعقر دار ابيها ؟
توسعت عيناه فجاه وتسلم الشيطان دفه الحوار مكملا حديث العقل الخبيث هل وجد زوجها بها مالا يسره؟ وما الذي لا يسر رجلا لايعيبه شيئا في عروسه سوا أنها ..........
ترك الحاج بلال عقله يسبح في افكار لو طفرت علي سطح العالمين لخنقتهم خزيا والما
لكنه قطع كل هذا صارخا في ابنته بلكنته التى تظهر عند الغضب فانتفضت من مكانها وهي تحاول رفع عينيها في وجه ابيها لكنها لم تستطع ومتي استطاعت وهي الضعيفه الذليله منذ ذلك اليوم المشؤوم
"كيف چيتي ؟ واي چابك ؟وكيف هملتي فرشه چوزك من الصبح ؟ حوصل اي عاد ؟ في ايه خلاكي تعاودي ؟وكيف سمحلك راچلك ترچعي ؟"
كان ينهال عليها بالاسئله بصوت جهورى فزعت له زوجته وابنته وهو يقترب رويدا رويدا وهو يرفع رايات الاستسلام لشيطانه
وماان وصل أمامها حتي رفع يده عاليا ليهبط بها بكل قسوه علي خد تلك البائسه صائحا " انطجي ...انطجي يا به عملتي اي سودتي وشنا وعريتينا وسط الخلج عشان إكده طردك راچلك بعد ليلتك معاه ؟ چيبتيلي العار؟"
كان الألم والزهول والكره يملأ عينيها كلما تطلعت به حاولت وحاولت أن تصرخ في وجهه وتخبره انها لم يمسها شخص من قبل حاولت أن تدافع عن شرفها وتهب منتفضه لاسترداد كرامتها وعزتها منه
منه ...حقا ؟ أليس من المفترض أن يكون عزتها وكرامتها منه هو ؟أوليس هو من أتي بها لهذه الحياه وعليه أن يكون حاميها ؟
كل ذلك لم يتخطي حاجز القلب في صدر تلك المسكينه التي شهدت امها تحاول سحب ذلك السلاح من والدها ؟ لم تستوعب كيف وصل لسلاحه في غمره ما شعرت به وقفت أمامه ثابته ولأول مره تتجبر وتصرخ ولكن هذه المره كانت الصرخه بصوتها وليست فقط داخلها " سيبيه يا اما."
سحبت مزن امها من الخلف تبعدها عن مرمي السلاح ووقفت أمامه ثابته وصاحت بقهر
"اقتلني.... معنديش مشكله اموت واصلا نفسي اخلص من الحياه دي .... اقتلني وانا هسامحك قدام ربنا علي ظلمك ليا ده من غير ما تسمعني ....اقتلني وانت مفكر اني خاطيه وحطيت راسك فالوحل ولف علي أهل البلد كلهم قولهم انك غسلت عارك بايدك زى ما قلت علي اختى ... بس افتكر انك هتقف قدام اللى خلقك وهتقوله كمان انك قتلت روح وهي مأذنبتش في شئ وكان كل جرمها انها رجعت من صباحيتها لما عرفت أن جوزها مكنش راجل معاها وأنه كان جايب صاحبه يدخل عليها بداله عشان يداري علته
اقتلني يلا مستني ايه اضغط علي الزناد ده وخلصني وخلص روحك من كلام الناس "
كانت تصرخ وعيناها جامده فارغه مجوفه وكأنها فقدت كل ذرات المشاعر الساميه داخلها وتركز فقط شعور الكره لهذا الظالم وامامها كان يقف حاملا بين يديه سلاحه (طبنجه ) وبينهما امها تحاول أن تنأي بابنتها من بين براثن غضبه الاعمي تقف أمامها تحاول تغطيه كافه جسد ابنتها الصغير بجسدها الهزيل وهي تنوح بقلبها وتناجي الله أن يبعد غضب زوجها عنهم لتفهم ما حدث وما يعنيه كلام ابنتها فهي لم تفهم كلمه مما قالت إلا أن قلبها أخبرها بكل صدق أن ابنتها كادت أن تطلخ بدناسه أشباه الذكور لولا ان من الله عليها بالفرار
استفاقت الست نعمه علي صرخه زوجها وقد انقض يمسك بخصلات ابنته جارا إياها تجاه غرفتها
"لا اني لازم اكشف عليكي كيف اصدج الحديت ديه ؟ حديتك ميدخلش الراس ...اني لازم اتاكد قبل ما ادفنك انك خاطيه وبعدها هخليكي تتمني الموت ومتنوليهوش يافاجره "
تلوت ابنته بين يديه وهي تحاول أن تخلص نفسها من سواد القادم فقط تريد أن يخترق جسدها المئات بل الآلاف من الرصاصات ولا تقتل بتلك الطريقه علي يده
صرخت وصرخت ونادت امها ولكن أويسمع الحجر النداء ؟
دفعها بكل قوته داخل الغرفه واغلقها عليها جيدا والتفت لزوجته مهددا إياها بصوت زلزل قلب تلك المنكوبه في الداخل
" تشيعي تچيبي ام خالد تكشف عليها وتتوكد انها خاطيه وحسك عينك المحك بس جريبه من الباب ديه حسك عينك اشوفك بس ف الناحيه دي كلها سامعه والا مش سامعه ؟"
اخذت تنتحب باكيه هي وتتوسله ان يسمع من ابنته وهي ستراها وتري ما حدث كادت تهبط لتقبل قدمه أمامه وتتوسله الا يظلم ابنتها ويترك لها إذن معرفه ما الذي اوصلها الي هنا
حاولت أن تذكره أنها ابنته ليرق قلبه فما زاده هذا الا قسوه وهو يخبرها
" ماعاش لسا من يكسرلي شوكه ودي مش چايه تكسر شوكتي دي ناويه علي كسر ضهري ورجبتي وسط ناسي بس واللي خلج الخلج كلهم لدفنها حيه واخليها تطلب الموت ولا تطولوش من اللي هتشوفه .... انكشحي يا مره من جدامي ونفذي اللي أمرتك بيه ..يلاا"
انتفضت نعمه اثر صرخته مهروله للخارج وهي تبكي بصوت يقطع نياط القلوب أما عنه فاستدار ينظر إلى باب الغرفه وعيناه تخرج من اللهيب أشده وهو يتوعد لتلك المسكينه هامسا لنفسه
"مش هكرر غلطي تانى واللى خلجنى ما هكرره واللى معملتوش من زمن وجولت انه غلط هعمله دلوق معتفرجش السن هيفرج الشرف وبس ... ياريت تبجي صادقه كيف ماوجولتى .... ياريت "
أما عنها فمنذ أن أبلغت الغفير باستدعاء ام خالد هرولت تصلي لله كي ينقذ ابنتها من شر ابيها اخذت تضرع منتحبه
" يارب مليش غيرك اهرب إليه ....قولى اعمل اي يارب الهمني الصواب ..... بنتي هتضيع مني ...هتضيع علي ايد ابوها زى ما ضاعت بكرتي ... مش ناقمه ولا حاقده انا راضيه باختبارك راضيه بكل اللي بتبليني فيه .... حنن قلبه وطييبه علي بنته يارب احفظ بناتي ونجيهم من المهالك نجيهم من شر المستخبي يارب " وسجدت لله باكيه وعقلها يسرد خلاله مشاهد ابنتها الأولى زهره حياتها كيف قُطفت من احضانها
وفي الناحيه الأخري جلست مزن على ارضيه الغرفه تستند برأسها علي ركبتيها تبكي .... تبكي ألم ما مرت به فهي مازالت صغيره تتذكر كيف اجبروها علي التخلي عن حلمها فاستكمال تعليمها وكيف البسوها قسرا حله زفافها واصطحبوها لرجل لم تعرف اسمه الا عند العقد كيف زجوها بين جدران بيت واوهموها أنه بيتها وأن ذلك المخنث زوجها
بكت تتذكر تلك اللحظات التي جلست فيها علي فراش الزفاف تنتظر زوجها كما اخبرتها امها ليتسلم ضفه الشرع في إتمام زيجتهم تحاول أن تصبر وتقتنع أنها قد تسقط صريعه عشقه وان حياتها ربما تكون مستقره معه تتذكر حديث امها وهى تقنعها ان الحب وهم وان العشره تولد الاحترام والموده والرحمة تحلم وتتعمق في أحلامها تتذكر حديثه معها فالطريق لمنزلهم تحاول تجاهل تلك الغصه في صدرها منذ كتب كتابها وفجاه تصطدم بصخره الواقع الاليم ... من؟ من هذا الرجل ؟ واين ...... زوجها ؟
تتطلع إلي ذلك الكهل الذي اقتحم الغرفه عليها ينظر لها و يلتهم براعمها الأنثوية التي بدأت من القليل في النضج والاستواء بنظراته ممررا لسانه علي شفته السفلي في بادره بعد أن تحركت ذكورته نحوها أخذ يقترب شيئا فشيئا مترنحا يحمل في يده كأساً تجرعه دفعه واحده أما عنها ارتجف جسدها وهى تقف متراجعه للخلف وتساءلت
" انت مين ؟ جيت هنا ازاى ؟ وفين فين ...فين زوجي ياراجل انت ؟ وازاى تدخل عليا اوضتي ؟انت عايز مني ايــــ...."
توقف الكلام بحلقها عندما اصطدم ظهرها بباب الشرفه خلفها اتسعت عيناها بهلع وهي تراه يتجرد من ثيابه العلويه ويبتسم لها بقماءه ويهمس
" ايه يا كتكوته مالك بس ؟ دا حاجه بسيطه خالص هنقضي ليلتنا سوا وبعد كده هتعيشي مع شريف براحتك ...."
أخذ يقترب منها وهو يردد " متخافيش مني انا مش هوجعك اوي زيه انا بس ......"
ونظر لجسدها الغض بنظرات منفره مليئه بالشهوه وهو يتنفس بوتيره بدأت تتسارع
وما أن وصل صوبها حتى دفعته بكل قوتها صارخه باسم زوجها تحاول أن تكذب ما فهمته الان وهي تهرول خارجا
"شريف ..... شريف الحقني "
لم تكد تخرج من ممر الغرفه حتي اصطدمت بصدر عريض نظرت له بهلع وهي تهتف برعب حل باوصالها
" شريف الحقنى ... الحقني فيه ... فيه ...فيه راجل غريب جوا بيقول ....بيقول ..الحقني منه ده...... ده ايه جابه ده ؟و و و "
رفعت نظرها صوب زوجها لتصطدم بملامحه المكفهره و نظراته العدوانية اتسعت عيناها بعدم تصديق وهي تبتعد عنه برويه تحاول أن تفهم تلك النظرات ليقطع عليها شريف جمه أفكارها التي مازالت لم تستوعب قذارته
"ايه في ايه ؟ شريف شريف شريف جرا اي لكل دا ؟ مش اتجوزتك وخلاص خايفه ليه؟ هتفرق في ايه أن كنت انا والا غيري يعني....."
لم يكمل كلماته بسبب ذلك الصوت العجيب والتفات وجهه في جهه أخرج إثر صفعتها التي رنت صداها في أرجاء البيت
وهي لم تنتظر ولم تترك نفسها للحظات الصدمه التي قد تذهب هي ضحيتها إذ أمسكت أقرب شئ ولحسن حظها أنها كانت مزهريه فخار ثقيله ولم تتردد للحظه وهي تنهال بها علي رأسه ليسقط صارخاً أرضا ودماؤه تتدفق من رأسه وهو يشعر بالدوار بدأ يتملك منه
تحركت مزن بسرعه وخفه وهي ترفع طرف فستان زفافها تحاول الهرب حتي وصلت للباب وماكادت تتجاوزه حتي شعرت بمن يجذب ثيابها من الخلف اتسعت عيناها والتفتت بسرعه لتري ذلك المتمايل يحاول جرها ويظهر عليه علامات السُكر دفعته عنها بكل قوه صارخه
"ابعد عني يا حيوان....ابعد ايدك دي"
وفرت هاربه تهبط السلالم بكل سرعه حتي تجاوزت بوابه العماره الخاصه بهم وهي تهرول وقد تساقطت دموعها بغزاره وجسدها مازال يرتجف
لا تشعر بشيء ... لا ترى شي أمامها...... لا تميز تلك الطرق فقط عروس بثياب زفافها تركض حافيه القدمين وسط شوارع مليئه بالعامه ودموعها تشق أنهارا علي وجنتيها وصوت بكائها يصم الآذان ..... كادت تعبر الطريق هربا من كابوسها التي نجت منه برحمه من الله ليستمع جميع الماره لصوت بوق احدي السيارات بشكل هستيري مع ارتفاع اصوات احتكاك السياره بالأرض أسفلها
صرخات جميع من بالشارع أن تنتبه وفجاه صرخه رجل قريبه جدا منها أن تنأي بنفسها بسرعه
وفجاه يتوقف كل ذلك ليحل الصمت علي الجميع لحظه تهاوي جسدها أمامهم علي الارض فاقده وعيها ..... تنزف.
..................................
بعد العرض اللافت الذي قدّمه طارق في المؤتمر وبينما لا تزال الأنظار تلتفت نحوه بإعجاب ودهشة جلس في ركنٍ هادئ من بهو السرح الكبير يطالع بعض الأوراق التي جمعها عن المختبرات المتاحة لم يكن يدرك أن تلك اللحظة ستقوده إلى مفترق جديد تمامًا تقدم د جون بابتسامته الواثقة المعتادة وجلس إلى جواره
“ سبت انطباع رائع عند لجنه الدكاتره الموجودين هنا يا طارق كلهم مبهورين بيك ومنتظرين نتائج دراستك الفعليه”
ليجيب بهدوء واحترام
"الحمد لله أنه ثبتنى دا فعلا يسعدني ويخليني اتقدم اكتر واكتر"
ثم نظر إليه بود وهو يشكره
"شكرا د جون لولا نصائحك مكنتش ثبتت كده "
ابتسم د جون وهو يتابع
“ مفيش شكر دا حقك عليا ... المهم المعمل اللى هتبدا فيه مرحلتك العمليه هادي وآمن وتم تجهيزه بالكامل هيتيح ليك إمكانية الوصول إلى دراسات متقدمة والأهم من دا ..... "
ترك الجمله مفتوحه ليجذب انتباه طارق بشكل اقوي ويجعله يتوقع القادم حيث تساءل "تيم ؟"
ليأتيه الرد من د جون بابتسامه وهو يربت علي كتفه وقد توقع بشكل سليم
"بالظبط واحد اسمه ميشيل عزرا ودا هيساعدك بشكل مميز هو فرنسي إسرائيلي .... ونصيحه هنا بلاش تخلي السياسة توقف طريقك وكمان هو بارع في مجاله ودا هيفيدك "
أومأ طارق في صمت محاولا إخفاء الحذر في بؤبؤيه مستمعا له وهو يكمل
"والشخص التانى أعتقد أنكم هتتفقوا مع بعض اسمه د سفيان الرياحي سوري الأصل ومقيم في نيويورك من أكثر من عقد أبحاثه في مجال استقرار وتفاعل الأدوية هيضيفلك جدا ....
ويكون في معلومك يا طارق دا شغله مناسب وقريب جدا من شغلك وعنده أطروحات قريبة من فكرتك وهو مخلص وخدوم وعقله كبير وبعيد كده دا ودا .... هو عربي زيك وانتو كعرب بترتاحوا لبعض"
ابتسم طارق وهو يستمع لتلك النبره المحمله بالفخر في نهايه كلامه عن العرب وقد لاحظ أنه يكن لسفيان الاحترام الشديد وقد سبق اسمه لقبه بينما ميشيل جرده من اللقب وتحدث عنه ببرود
رغم احترامه لمكانته فقط
شيئا ما في قلبه جعله غير مرتاحاً لهذا الميشيل رغم أنه لم يلتقيه بعد وهذا جعله أكثر حذرا مما هو قادم انتبه من شروده علي
د جون وهو يتابع ويمد يده ببطاقه خاصه
"دى بطاقه الدخول واعتقد الرمز الخاص بيك هيوصلك خلال الساعه سجّل حضورك يا طارق انا واثق انك هتحقق نجاح جم في المجال هنا"
ابتسم طارق ابتسامة صغيرة وهو يقف ويصافحه شاكرا
"إن شاء الله مش هخذلك وهكون قد ثقتك دى شكرا لحضرتك "
تحرك طارق لإحضار قهوته وفي قلبه مزيج من الامتنان والتوجّس المعمل الذي انتظره عمرًا قد صار حقيقة والباب الذي كان يحلم بفتحه قد انفتح لكن لم يكن يدري الأيام القادمة ستضعه في مواجهة مع ما هو أبعد من الكيمياء... وربما الجانب الاسود من العلم
في صباحٍ اليوم التالى وقف طارق أمام مبنى زجاجي ضخم تتعالى منه رائحة كيمياء مختبئة خلف الغموض البرد يلامس عنقه وذلك لم يخفت من توهّج الحماسة بداخله تقدم د جون بخطواتٍ واثقة يحمل كوب قهوة وابتسامة دافئة
"صباح الخير يا طارق جاهز؟"
حياه طارق بابتسامة خفيفة وحماس اكبر
"صباح النور يا دكتور جاهز إن شاء الله."
"ممتاز حاليا انا هرشدك لكل التفاصيل اللى هتحتاجها وهعرفك علي مساحه العباقره الحره زى ما بسميها ... وأنت لازم تثبت إنك واحد منهم المعمل دا هتشتغل فيه طول فتره مشروعك ومعاك الموافقة من اللجنة بالكامل على استخدام كل الوسائل والأجهزة المطوره اللى ممكن تحتاجها وتساعدك ."
زاد الحماس فى قلبه وقد تاقت أصابعه للبدء في مهمته
"ربنا يكرم يا دكتور"
تقدم جون وهو يفتح الباب بعدما وضع بطاقته وادخل كوده الخاص وكذلك فعل طارق
"تعال أعرّفك على الفريق اللي هيشتغل معاك اكيد فاكر كلامي والا انت بتنسي"
انهي كلامه بضحكه خفيفه ليبتسم طارق وهو يجيبه
"فاكر طبعا ومتقلقش انا مش بنسي بسهوله " اتبع كلامه بغمزه من عينه جعلت ضحكات د جون ترتفع قليلا وهو يقول
"واضح انك مش سهل يا طارق .... شكلك بارح"
تعجب قليلا من الكلمه ولم يفهم و تجلت علي وجهه إمارات البلاهه ليسارع جون في إفهامه مقصده
"دى كلمه عندكم معناها مش بيعدى حاجه وفاهم كل حاجه"
انبسطت ملامح طارق قليلا قبل أن يغرق في موجه من الضحك وهو يصحح له " قصدك قارح"
ليتفاجأ جون وهو يتنهد " شكلى هرجع للانجليزى افضل انا كده هبهدل الدنيا "
فمازحه طارق قليلا " لا لا خليك كده بارح او قارح مش فارقه كلهم لغه دارجه"
ليضحك جون وهو يقول "يبقي عليك تصلح كلامى وتضيفلي بعض المصطلحات بقا "
وتقدما معا فى جو من الالفه بينهم دلف طارق مع جون إلى قلب المختبر حيث رائحة الكيمياء تمتزج بضجيج الأجهزة وأصوات العقول المنهمكة وقع بصره على أحدهم فعرفه من هيئته..
..ميشيل
أما د سفيان في بداية الثلاثينات ملامحه الدمشقية الدافئة تُشعرك بالألفة فورًا تقدّم إلى طارق وابتسم وبدأ سلاما بسيطًا كما لو كانا يعرفان بعضهما منذ زمن ... وهكذا العرب.
و رغم انشغاله الظاهري بالتعارف كان طارق يدوّن في ذهنه كلّ لمحة كل نبرة كل ردّة فعل... خاصةً من ميشيل.
كانت الأرضية لامعة وجدران المعمل بيضاء مع لمسة من الزجاج تعكس ضوء الشمس الداخل من النوافذ العالية صوت أجهزة القياس الخافت وخرير أجهزة التبريد يمنح المكان رهبة كأن كل ذرة فيه تنتظر معادلة جديدة تُغيّر وجه العالم
جذبه د جون من شروده وهو يشير نحو القسم الأيمن من المعمل
وبابتسامة هادئة
"هنا هتبدأ خطواتك الأولى الفعلية يا طارق ده المعمل اللي هتشتغل فيه على مشروعك زى ما قلتلك والتجهيزات اللي طلبتها تقريبًا كلها هنا ودول دكاتره زملاء هيكونوا معاك بشكل مباشر ده ميشيل عزرا وده د سفيان الرياحي"
التفت طارق بحذر ليعيد بصره أولاً على ميشيل شاب في أوائل الثلاثينات طويل القامة عيناه رماديتان باردة بدا جامد الملامح يرمقه بنظرة تحليلية كأنما يزن كفاءته قبل البدء يده ممدودة وتلك الابتسامة الجامدة مازالت على وجهه تحدث ميشيل بلكنة أمريكية خفيفه
“So, you’re the Egyptian genius they’ve been whispering about, huh?”
(إذا أنت العبقري المصري الذي يتحدثون عنه همسًا أليس كذلك؟)
ليرد طارق بهدوء مغلف بالحذر
"Maybe, I try to work conscientiously."
( يمكن انا بس بحاول أشتغل بضمير.)
ابتسم ميشيل ابتسامة خفيفة لا تصل لعينيه
“Modesty....That’s charming But modesty doesn't win patents, right?”
(التواضع هذا ساحر لكن التواضع لا يَجلب براءات الاختراع أليس كذلك؟)
نظر طارق له برهة دون أن يبتسم أو يرد ليكمل الاخر
" Nice to meet you, Dr Tarek Heard a lot about your model."
الترجمه (سررت بلقائك د طارق سمعت كتير عن مشروعك )
اجابه طارق بلغة مهذبة باردة نوعًا ما مما لفت نظر جون جواره
"Thank you, I hope we can work well together."
(شكرا لك اتمنى أن نعمل جيدا معا ).
ثم انتقل نظره نحو سفيان ذو لحية خفيفة وعينين فيهما دفء واضح جسده الرياضي بشرته الداكنة عيونه المليئة بالحياة ارتاح له قبله وبابتسامة واسعة صادقة بادره بالعربية
" دكتور طارق والله شرف كبير اشتغل معاك أنا تابعت جزء من ورقتك البحثيه وشايف إن في تقاطع كبير بين فكرتك وبين شغلي ودي حاجة متحمّس لها جدًا "
ابتسم طارق ابتسامة حقيقية وهو يحتوي يده في سلام قوي
" وأنا كمان سعيد بوجودك وجود حد فاهم الخلفية من منطقتنا بيساعد كتير."
تدخل جون مقاطعًا بلطف
"ميشيل مسؤول عن الجانب العملي الدقيق ود سفيان هيساعدك في تحليل النتائج والتطبيقات الحيوية بس زي ما اتفقنا يا طارق كل حاجة لازم تبقى موثقة بدقة ومفيش خطوة تتنفذ إلا بخطة واضحة ومراجعة ثلاثية "
اجابه طارق بجدية
"تمام أنا بطبعي دقيق ومباخدش خطوة إلا وأنا واثق منها"
قال كلامه الاخير ناظرا لميشيل بعدها غادر د جون اقترب ميشيل قليلًا ووقف بجوار طارق يشير إلى أحد الأجهزة وبصوت خبيث
" I heard your formula includes
nanocarriers ambitious, but risky You sure it’ll work?"
(سمعتُ أن تركيبتك تتضمن ناقلات نانوية محفوفة بالمخاطر هل أنت متأكد أنها ستنجح؟)
رد طارق مباشرًا دون عدائية
"I’m sure of the science and I’m here to test it, not to gamble"
(أنا واثق فالعلم وانا هنا عشان اختبر دا مش اقامر بيه)
اقترب ميشيل عيناه تدوران في تفاصيل الملصق ثم قال بابتسامة صغيرة لا تصل عينيه
"Interesting... But don’t you think this concept is a bit… idealistic?"
(مثير للاهتمام لكن ألا ترى أن هذا المفهوم مثاليّ بعض الشيء؟)
حافظ طارق على ابتسامته البارده رغم انكماش قلبه من نبرة الاستهزاء المستترة وقال بثبات
" Idealism paves the way for breakthroughs. And this model has already been tested under limited conditions with good results"
(المثالية تمهد الطريق للإنجازات وهذا النموذج تم اختباره بالفعل في ظروف محدودة وأظهر نتائج واعدة.)
"I do not deny that Your approach to molecular stabilization is unconventional but good."
( لا انكر أن طريقتك في تثبيت الجزيئات غير تقليدية لكنها جيده)
اجابه طارق بتحفظ واضح
Thank you, I tried to make the theory applicable.
(شكرًا انا حاولت أخلي النظرية قابلة للتطبيق.)
بابتسامة فيها خبث خفي تساءل ميشيل
"And why exactly did you choose this model? It’s rare… almost too ambitious for a student project."
(ولماذا بالضبط اخترت هذا النموذج؟ إنه نادر طموح جدًا لمشروع طالب )
شعر طارق بغرابه نبرته كأنه يختبره او ربما هناك ما يضمره ورغم ذلك اجاب بنبرة ثابتة
" I’ve been working on it for years. It’s not ambition. It’s necessity."
(أنا شغال عليه بقاله سنين مش طموح دا ضرورة.)
رفع ميشيل حاجبيه باستهانة طفيفة وتابع
"I see. Let’s hope that your heart holds under pressure, Dr. Tarek and .....Let’s see how it survives in the real world"
(أفهم نأمل أن قلبك يتحمل الضغط د طارق و دعنا نرى كيف سيصمد في العالم الحقيقي)
كان سفيان يراقب الموقف من بعيد يري حساسيه الموقف اقترب
وقال بمزاح خفيف
"أول مواجهة علمية ... شكل الشغل هيبقى حامي هنا."
ضحك ثم أردف وقد نظر إلى ميشيل
"But I know when to keep my mouth shut. Unlike some people."
"بس عارف امته المفروض اسكت على عكس بعض الناس."
تعجب طارق طريقته ورغم ذلك ضحك بخفة بينما تراجع ميشيل وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة فمال سفيان على طارق هامسا
"هو متعجرف ماتشغلش بالك بيه ركّز على شغلك"
أومأ طارق بهدوء وهو يسجل كل شئ في ذاكرته وأجاب بالعربية
"أهم حاجة نشتغل بضمير العلم الحقيقي محتاج صدق قبل أي حاجة تانية"
انهي كلامه ينظر لميشيل و داخله شيئا ما لا يرتاح لطريقة ميشيل في النظر في انتقاء كلماته كأن خلف تلك الدقة نية لا تُقرأ بسهولة
كانت القاعة أشبه بحلبة أفكارٍ تشتعل خلف وجوهٍ باسمة
وقف طارق جوار الملصق العلمي الخاص به متعمقا في مشروعه بعين واثقة رغم اضطرابٍ داخليّ خفيّ لم يُفلِت من عين ميشيل
.......................................
تفتكروا اي حصل لمصعب ؟ واياس ناوي علي اي ؟
مزن تفتكروا اى حصلها ؟
ياتري ميشيل وراه ايه ...... او مين ؟
.......................................
#يتبع
#فاطم
ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه
fatma Elabd