بين النجاه و الغياب
الكَسْر الحقيقي لا يأتيك كصاعقة مفاجئة تقتلعك من الجذور،
فهو فن الانهيار الصامت
سلسلة انهيارات وتراكمات خفية
تتسلل إلى روحك كالنَّمل الأبيض،
فتنخرها بهدوء مُريب وتنهشها في غفلة من العالم.
تبدأ بـ خيبة ترمي بظلها ، ثم خذلان يترك وراءه فراغًا،
يليهما صمت طويل
تدرك أنك لم تعد أنت،
حين تجد نورك الداخلي يخفت تدريجيًا كشمعة في مهب الريح،
ويتلاشى حماسك ببطء. وتغدو غريبًا على مرآة قلبك،
وتكمل المسير على هذا الطريق القاتم ، كما لو كنت تسير على شظايا
تطمث الألم بابتسامة، وتنجز كل ما يُطلب منك ببراعة
بينما يتناهى إلى سمعك صوت داخلي خافت يتهامس :
"لقد حطموا الروح... وما زلت أبحث عن بقاياها".
في الحقيقة، أنت لا تعيش، بل تصارع بما يسمونه "حلاوة الروح".
ولكن، من المسؤول عن هذا التآكل الصامت؟
وهل نستطيع حقًا أن نُرمِّم ما تهدّم داخلنا؟
هذا ما سنبحث عنه، محاولين فك شفرة الخيبات المتراكمة التي تجعلنا نصارع للبقاء، دون العيش.
......................................
بعد منتصف الليل،
خمدت العاصفة في الخارج، غير أن الغرفة كانت ما تزال تئنّ تحت وطأة الصمت الذي يحمل بين طيّاته أنين النفوس الجريحة.
جلست إباء بظهرٍ مستقيم، تحاول أن تتماسك، والضوء الخافت المنبعث من المصباح الجانبي يُلقي بظلٍ باهتٍ على وجهها الشاحب.
مسحت آثار الدموع سريعًا، تخجل أن تُرى ضعيفة ولو للحظة
إلى جوارها جلس إياد، وعلامة كفّ أبيه ما تزال حمراء على خده الأيسر، بينما كانت مزن جاثيةً على الأرض أسفل النافذة،
تضمّ ركبتيها إلى صدرها، تحدّق في الفراغ بعينين زائغتين
تترك لدمعها حريه السيل دون مقاومة.
قطعت إباء الصمت بصوتٍ واهنٍ مكسور:
"ما تعملش كده تاني يا إياد... أنا مش عايزة حد يتأذّى عشاني،
ولا عايزة حد يدافع عني منكم ، مقدرش أشوفك بتتئذي."
رفع رأسه إليها، نظراته مشتعلة، وعيناه تنظران في عينيها بحده:
"يعني كنتى عايزانى أتفرّج عليه وهو بيكسرك؟ إزاي أسكت وهو بيهينك؟ إنتى أختي يا إباء... يعني عرضي،انتى نفسك عمرك ما سبتيني، إزاي أسيبك أنا؟"
نهضت ببطء، خطت نحو منتصف الغرفة،
وقفت أمام المرآة تتأمّل انعكاس وجهها ، ترى قلبها العاري أمامها
استدارت نحوه ببطء، وفي عينيها بريقٌ غامض بين القوة والانكسار،شيء لا يُوصف ثم قالت بصوتٍ مهموم اثر الصراع المرير الناشئ بصدرها :
"أنا مش خايفة منه... أنا خايفة عليكم ، عليك يا إياد، وعلى مزن، وعلى أمي ، بقيت مش عارفة أحمي نفسي... ولا أحميكم من جبروته."
ارتعش جسد مزن ارتعاشة خفيفة، وكأن اسمها وحده كان كفيلًا بإيقاظ خوف قديم يسكنها، تمتمت بصوت بالكاد يُسمع، وكأنها تتحدّث سرًا لنفسها:
"أنا خايفة زيك يا إباء ... كل شيء عنده حرام، الضحكة حرام، الخروج حرام، التعليم حرام... وأنتِ كنتِ الوحيدة اللي بتردّي عليه ظلمه، ودلوقتي ..... حتى دا مبقاش نافع."
اهتزّ صدر إياد لكلماتها التي سبّبت صدعًا مؤلمًا في قلب غيرها، استدارت إليها بخطوات بطيئة ومتثاقلة، كأنها تسير على شظايا زجاج، حتى اقتربت منها ولمست كتفها بحنان وهى تهمس بعمق:
" إنتي اللي ضعيفة يا مزن متخافيش ومتخليش الخوف يوقف طريقك ولا حلمك اجمدي وواجهي خوفك "
وعلي حين غرة، فُتح باب الغرفة ببطء، ودخلت السيدة نعمة بوجهها الشاحب كلوح الطباشير، وعيناها دامعتان تحملان ألم سنين، تقدّمت نحو إباء ودون أن تنطق بكلمة واحدة، ضمّتها إلى صدرها في عناق، كأنها تعتذر عن عمرٍ بأكمله، وعن كل ليلة سكتت فيها وهي ترى القسوة.
ثم مدّت ذراعها الأخرى واحتضنت إياد من جانبه، وجذبت مزن إليهما أيضًا، في محاولة يائسة لاحتضان البيت كله قبل أن تتناثر شظاياه، والدموع تنحدر بصمت على وجنتيها، حاولت النطق، فخرجت الأحرف بصوت متهدّج يرتجف:
"حقكم عليّا يا ولادي سامحوني أنا كنت ساكتة كل السنين دي عشانكم، ما كنتش عارفة أعمل إيه بطولي لو طلبت الطلاق، بس والله قلبي كان بيتقطع وأنا شايفة القسوة دي، آسفة، أسفه إني معرفتش أكون الحِضن اللي يحميكم منه "
لم تتمالك مزن، بل تطايرت سيطرتها كرماد في مهب الريح، وانهارت بشكل مُفجع يمزق القلوب، دافنة وجهها في حضن أمها تبحث عن ملجأ أخير،
فيما خرجت كلماتها حارقةً من بين شهقاتها، كخناجر تستقر عميقًا في صدر نعمة:
"ليه كل دا يا ماما؟ ليه بيعمل فينا كده؟ ليه سبتيه يظلمنا؟ "
تصلبت نعمة وهي تعتدل بصعوبة، ومسحت خطوط دموعها بأكمام جلبابها وأجابت، بصوت مُقيد ومختنق تعترف بخطيئتها:
"أنا قلبي كان بيتقطع، وكنت خايفة يظلمكم أكتر ويطردني، كان هيحرمني منكم، وهيحرمكم من التعليم، كنت بقول أصبر يمكن ربنا يهديه…بس واضح إن الأمل معدوم، ربنا يكتب لكم طريق أرحم من اللي أنا مشيت فيه، ويكفيني منكم رضاكم يا نور عيني."
خيم الصمت وهذه المرة، كان سكون ما قبل العاصفه، يحمل في طياته ثمن التغيير
وفجأة، انشقّ خيط رفيع من نور بدأ يظهر وسط هذا الليل الخانق، لم تنبت إباء ببنت شفه، لكن عيناها شردت بعيدًا… بعيدًا جدًا
وهي تُرتب شيئًا في داخلها لا يقبل المساومة.
كانت نظرتها الأخيرة من النافذه إلى السكون الليلي تحمل قرارًا بلا رجعه…قرارًا لا يحتاج موافقة أحد، وقفت بصمت شدّت بقبضة قاسية على يد إياد، ثم وجهت نظرها إلى عيني أمها، نظرة تجمع بين العزم والحب الموجع والوداع النهائي، ثم همست:
"سامحيني يا أمي… بس أنا مش هنساكم …مش هنساكم أبدًا."
فوجهتها لم تكن في الخارج، بل في داخلها ،طريق قد رُسم بإصرار ودقة لا تعرف التردد
.....................................................
تحرّك طارق في الردهة بهدوءٍ بالغ، خطواته وئيدة كأنها تسير على حافة الأمل ذاتها، وقف للحظة في الممر المظلم، وأغمض عينيه يتنفس بعمق، يستجمع قواه قبل أن يواجه هدوء غرفته
وقبل العودة، كان لا بد له أن يطمئن على قلب البيت، دلف أولًا إلى عالمه الحقيقي... إلى من يعيش من أجلهم، ومن يسكنون صميم صبره وحلمه.
اقترب من غرفة مصعب، شقيقه الأصغر، وفتح الباب برفق، كان الصغير غارقًا في النوم على جانبه، وجهه نصف مدفون في الوسادة، يتنفس بانتظام بعمق رتيب، جسده كله ملفوف بالغطاء، لا يظهر منه سوى نصف وجهه البريء.
اقترب طارق منه، وجثا على ركبتيه يتأمل ملامحه الهادئة التي لم تعرف بعد قسوة الحياة، قبّله في جبينه بحنان، ثم همس بصوت دافئ:
"ربّي ينوّرلك حياتك يا حبيبي... وتكبر وأشوفك في أعلى مقام."
تأكد من أن الغطاء محكم حوله، لم يترك أي ثغرة قد ينكشف عنها، ضحك بخفة على حرص الصغير، ثم خرج في سكون، مغلقًا الباب خلفه ليتركه غارقًا في أحلامه الآمنة.
توجه إلى غرفة أمير وطرق الباب بنقرات ناعمة خفيفة، فسمح له بالدخول فورًا
فتح الباب بهدوء ليجد أخاه يجلس على مكتبه، غارقًا بين الكتب والملازم، عيناه متعبتين من طول التركيز، لكنه شاكسه بابتسامة أخوية
"إيه يا هندسة؟ ناوي تكمل للصبح ولا إيه؟"
أجابه أمير ضاحكًا بتعب:
"ما هو أنا لو مربطتش الشابتر ده دلوقتي، هنسى كل حاجة بكرة."
تقدّم يربت على كتفه بدعم، محاولًا إراحته:
"المذاكرة عايزة عقل رايق ومصحصح، خدلك ساعة نوم تروّق دماغك، وخليك فاكر ،اللي هيروح من بالك سهل يرجع، لكن صحتك لو راحت صعب ترجع، نام شوية، وبعدين كمل."
ابتسم امير مجيباً بوعد:
"ماشي... هخلّص الشابتر ده بس وأنام"
لمعت عينا الأخ الأكبر بالفخر وهو يتابع:
"متتأخرش بس عشان ترتاح. يلا تصبح على خير."
ابتسم له أمير بامتنان، وراقبه وهو يتقدم هامسًا، قبل أن يطبع قبلة على جبينه:
"ربنا يكتبلك من العلم نصيب يرفع راسك... وراسي. وتحقق اللي بتحلم بيه."
وأخيرًا... وصل إلى غرفته، كانت هادئة، باردة قليلًا من أثر المطر الذي انهمر خارجًا، الضوء الخافت ينعكس على الجدران كأنها تنبض بسكينة، بدّل ملابسه ثم جلس على طرف سريره، وسحب مذكرته الجلدية، نفسها الرفيق الصامت الذي يحمل كل ما يشعر ويبغي، صندوق فضفضته السرية ومستودع شعره.
فتحها على الصفحة الأخيرة... وتأمل الكلمات التي كتبها تحت المطر، كان كل حرف بمثابة صرخة ،وكل سطر خفقة من قلبه،
قرأ الكلمات وكأنها كُتبت من روح غير روحه، في لحظة لم يكن فيها وحيدًا.
و همس بصوت خافت، يُودع أمله للسماء:
"اللهم إني مستبشر… وسايبلك بابي."
ابتسم وهو يعيد غلق المذكرة بلطف بالغ، وخبأها تحت وسادته كأنها سرّه المقدس، وقف لثوانٍ يتنفس بعمق، ثم جثا على ركبتيه وسط الغرفة، سجد طويلاً، وكأن الأرض تحت جبينه هي الملاذ الأخير والأكثر أماناً.
نهض وابتسامة هادئة على وجهه، كأن روحه قد اغتسلت بالدعاء وطُهّرت من كل قلق، تمدّد على سريره، وأطلق تنهيدة طويلة عميقة، وظل يردد في سره بإيمان مطلق:
"يا رب... زي ما كنت معايا، كُن معايا، مليش غيرك وأنا حاطط قلبي في إيدك."
بقيت عيناه مفتوحتين، لكنه لم يكن يقظًا تمامًا، بل في تلك المسافة الهادئة بين الحلم والسكينة، تذكّر في تلك اللحظة الدافئة وجه "ضي" وضحكتها المضيئة، وكلمات أمّه التي كانت ترجو الأفضل، وجملة والده التي ظلت حكمة راسخة:
"ربنا مش بيكسر اللي بيلجأ له."
ابتسم وأغمض عينيه، وقد تبدلت ملامحه بهدوء حقيقي لا مثيل له، راحة مطلقة لا يستشعرها إلا من سلّم أمره لله بصدق، وقد غادره القلق تماماً، وبقي الحُلم يراوده في هدوء.
............................................
كان النهار قد استوى على عتبة الظهيرة، والشمس ترسل خيوطها الدافئة على استحياء، بعدما غسلتها أمطار الأمس
لكن لم تكن الساعات تمر سريعًا داخل الصيدلية الصغيرة الواقعة على الناصية؛ فقد كانت تنسلّ ببطء شديد،
كان يقف خلف الكاونتر، يداه تعبثان ببعض علب الأدوية دون تركيز، بينما عقله يسرح بعيدًا، كمن يبحث عن قطعة مفقودة من روحه.
ما يزال صوت المطر والسطح حاضرًا في ذهنه، يستمع إلى صدى صوت ضي، يبصر وجه أبيه الشاحب وهو يبتسم. يشرد في الأمس، بكل ما فيه من وجعٍ جميل، وقلبه يحنّ إلى دفء العائلة الذي لا يُشترى، كان قرار السفر للعمل، الذي يلوح في الأفق، يقرع ناقوسًا عاليًا في عقله.
عيناه تائهتين، لا تريان شيئًا محددًا أمامهما، وهدوء غير مألوف يخيّم على المكان، لا زبائن، ولا حتى صوت ضوضاء من الخارج، فكل شيء بدا ساكنًا، حتى الهواء نفسه بدا محتبسًا.
وفجأة، وبانفتاح الباب الزجاجي، اندفع شاب من نفس عمره بوجه مألوف وابتسامة عريضة كاسحة. فأثار الصمت على أثر صياحه الحيوي الذي مزّق سكون الظهيرة:
"السلام عليكم أخيرًا لقيتك يا عم؟ إيه زاهد دنيتك؟"
التفت طارق بسرعة، ارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية، تحمل حنينًا لرفيق دربه الذي غاب عنه لفتره
"وعليكم السلام"
أجاب طارق بهدوء، يوازن اندفاع صديقه
"إيه الاصطباحة الحلوة دي؟"
ضحك لؤي بملء صوته، وتمدّد بارتياح وهو يتخذ مقعدًا أمامه، اتكأ للأمام وكأنه على وشك الإفضاء بسر عظيم:
"والله يا سيدي، أنا جيت بخبر هيلخبطلك قلبك لدرجة هيخليك ترقص على كل عماير الجيزة"
تمعّن طارق وجه رفيق طفولته، محاولًا أن يستشف منه شيئًا، لكنه فشل في قراءة نبرته المرحة، قطّب حاجبيه ونظر له بشكّ وهو يغلق درج الكاشير، وتابع بسخرية هادئة:
"يلخبط قلبي وأرقص على عماير الجيزة؟ لو مش حريق في الصيدلية، أو زبون جه دفع الحساب اللي فات، يبقى أكيد هتقولي إني كسبت من سيربح المليون... قول يا عم، عايزني في حتة ولا إيه؟ إيه المصيبة الجديدة؟"
ضحك لؤي مجددًا، ثم استقام فجأة ومازحه بجدية محببة، مراقبًا وقع الخبر على وجه صديقه:
"أحسن من من سيربح المليون يا دكتورنا، إحنا عايزينك في أمريكا، باسم المبعوث الرسمي من كلية علوم، قسم كيميا، ردّوا على البعثة، والموافقة النهائية وصلت، والدكتور عبد المعز بعتلي عشان توصله ردّك بسرعة، لأنك ما ردتش علي الايميل بتاعه."
سكت لؤي هنيهة، ثم تابع بمكر، قاصدًا إثارة حماسه واستفزازه الإيجابي:
"يعني بدل ما أنت بتبيع دوا وبتلف على ضغط وسكر طول اليوم، عايزين نشوفلك بقى معمل كبير، وبدلة بيضا، وناس تقفلك لما تدخل ..... قصره فوق لي كده، وشوف اللؤ حبيبك وأخباره اللي تفتح النفس"
تجمّدت ملامح طارق، وارتفعت وتيرة أنفاسه لحظات قليلة بدت وكأنّ الزمن فيها توقّف. البارحة فقط كان يفكّر: هل حقًا سيأتي يوم ينال فيه البعثة التي انتظرها لعامين كاملين دون ردّ؟ كان قد بدأ يقتنع بأن الهجرة للعمل هي خطوته القادمة… فإذا بالحلم الذي خبا بالأمس يعود اليوم ليقف أمامه في طرفة عين
تسلّل الاضطراب إلى ملامحه، واهتزّت نظراته قبل أن يرمق صديقه بنظرة طويلة، مشحونة بالذهول والإنكار في آن واحد.
"إنت بتقول إيه؟"
قالها وهو غير مصدّق، بينما لؤي يجيبه ببساطة شديدة، وكأنه يخبره بخبر عادي لا يغيّر مصير حياة بأكملها وكأنه لم يفعل شيئا:
"الدكتور عبد المعز كلّمني بنفسه، قال لي أبلّغك… البعثة اللي اتكلم معاك فيها قبل كده اتقبِلت. والردّ الرسمي وصل. والراجل مستني موافقتك."
ارتبك طارق أكثر، وانفرط صوته في همسة خافتة:
"أعمل إيه طيب؟"
ثم رفع نظره إليه مرة أخرى:
"كلّ حاجة اتلغبطت… انت بتقول الصدق؟"
ليأتيه الرد بحدّة، يشبه فيها طبعه الصريح:
"أمال يعني هكدب؟ انت متفوّق يا طارق… مش مجرد طالب شاطر. يا ابني ده مشروعك خد براءة اختراع ،والدكتور قالها قدّامي حرفياً (الواد ده ماينفعش يسيبوه هنا… ده لازمله بعثة يكمل برّه) وانت جاي دلوقتي تقول أعمل إيه؟ انت عايز تجلطني؟"
ساد الصمت
وقد سقط قلب طارق فجأة—كما لو أنه هوى من قمة جبل،
استمع للصوت داخله فانقسم نصفين مابين الحلم والواقع:
فنصف يشدّه إلى حلمٍ انتظره… ونصف يشدّه إلى واقعٍ لا ينفصل عن أهله وبيته.
رفع عينيه نحو الباب الزجاجي للصيدلية، فرأى الحياة تمضي بالخارج كما هي… وكأن شيئًا لا يتغيّر إلا داخله وحده.
ارتسمت على ثغره ابتسامة متعبة، قبل أن يجيبه بهدوء:
"أعمل إيه يا لؤي؟ كنت بفكر في شغل يلمّ معايا شوية… وطلّعت فكرة البعثة من دماغي خلاص، صحيح هي حلمي… بس هم؟
دانا لحد دلوقتي متردد… عشانهم."
ابتسم لؤي بألم يعرفه جيدًا؛ فهو رفيق عمره، ويحفظ صمته قبل كلماته:
"عارف يا طارق … بس انت اللي دايمًا تقول إن الضهر اللي بيتعب عشان أهله ربنا بيقومه واقف، مامتك هتكون فخورة، وأبوك… يمكن مايتكلمش، بس عينه هتقولك إنه رَبّى راجل وعشان كل ده، هم عايزينك تبقى الأمل الحقيقي… مش وهم، انت مش بتسيبهم يا صاحبي… انت بتبني ليهم جسر يعدِّيهم معاك. فهمت؟"
اتكئ بظهره على الكاونتر ورفع نظره للاعلي هو لا يريد رؤيه السقف الان هو فقط يريد النظر للسماء لتهدئ اضطرابه شرد بعقله الي تلك اللحظه وانفتح باب قديم سحب وعيه إلى تلك القاعة الواسعة ذات الجدران البيضاء
# 🧪 فلاش باك
كان طارق واقفًا أمام مكتبٍ خشبيّ عتيق، تتناثر فوقه ملفات وأوراق تحمل روائح المختبرات وذكريات السنوات. خلف المكتب جلس رجل في منتصف الأربعين، حادّ الملامح، يلمع في عينيه بريق فخر لا يخفى… يدعي الدكتور عبد المعز.
رفع الأستاذ رأسه إليه، وتكلّم بصوت هادئ حاسم:
"يا دكتور… مشروعك مش بس تفوّق، ده إنجاز حقيقي،
المركّب اللي عملته وطوّرته فعّال جدًا كمثبّط لمستقبلات المرض المناعي… وده مش رأيي لوحدي، ده رأي لجنة الإشراف كلها."
ظلّ طارق واقفًا، محافظًا على احترامه وتواضعه، قبل أن يجيب بصوت منخفض:
"أنا تلميذك يا دكتور… وعلشان كده انا حابب أشتغل عليه أكتر."
ابتسم الدكتور عبد المعز ابتسامة خفيفة، وقال بنبرة واثقة:
"وَهتشتغل عليه إن شاء الله…البعثة دي مخصصة للمتفوقين في الكيمياء التطبيقية، خصوصًا في مجال تصنيع الأدوية،
كلّ المصاريف مدفوعة… وليك مرتب شهري، وسكن، وتأمين صحي كامل."
تسمر طارق في وقفته ونبض قلبه بسرعه واول ما بدر بذهنه والده وإخوته فحمحم محاولا تمالك انفعالاته:
"بس يا دكتور… مش عارف .... هل هعرف؟"
قاطعه الدكتور عبد المعز بثقة ونبره عطوفه فهو يحب أمثاله من الطلبه المتفوقين
"عارف يا طارق، عارف انت بتفكر في إيه، وعلشان كده بقولك… الفرصة دي مش بس ليك، دي لأهلك، نجاحك هيعود عليهم خير، ويفتح لكم باب ماكانش هييجي غير بعلمك، بُصّ لقدّام… وافتكر دايمًا إن العلم عمره ما بيخون اللي يخلص له"
تجمّدت الكلمات في حلق طارق، ولم يستطع أن يجيبه، كان الحديث أكبر من أن يُجاب عليه
العلم لا يخون عالمه… نعم هو محق
لكن القلب… كيف يغترب عن حيواته دون أن يتصدّع؟
# عوده للوضع الحاضر
أغلق باب الماضي فجأة خلفه، وعاد طارق من غياهب ذكرياته،
تسلطت انظاره على لؤي الذي كان يراقبه بقلق، يلوّح أمامه بكفّه محاولًا جذبه إلى الحاضر.
"ايه يا عم فينك؟ سرحت في إيه كده؟ ها… طمّني هترد بإيه؟
لازم نبلّغهم خلال ٤٨ ساعة."
خرج صوته مبحوحًا، مترددًا، يحمل ارتجاف القلب قبل الكلمات:
"مقدّرش أرد دلوقتي…لازم أفكّر، في حاجات كتير لازم أحطّها في الحسبان."
تنهد لؤي وهو يعلم حجم الحمل الذي فوق كتفي صاحبه،
يعرف معنى العائلة بالنسبة لطارق… ويدرك أنه هو من رَبّى إخوته وكان السند بعد الله.
اقترب منه قليلًا وقال بصوت يستحثه علي القرار نحو الحلم:
"فاهم… بس ما تطوّلش، الفرصة دي ما بتيجيش غير مرّة فالعمر، وصدقني يا حبيب أخوك … انت تستاهل يكون دا اول طريق نجاحك، انت تعبت عشان اللحظة دي يا صاحبي، هسيبك تفكّر وتقرر … وأنا واثق إنك هتحسبها صح."
لم يزد طارق على ابتسامة خفيفة، وقد ارتعشت في عينيه غيوم القلق، راقب لؤي وهو يغادر، يلوّح له، ويعده أنه سيعود لرؤيته فالقريب ليرى ما قرّره.
جلس طارق خلف الكاونتر، سحب مذكّرة جديدة لم يُمسّ ورقها بعد، وفتحها على أول صفحة
قبض القلم كمن يقبض على قلبه… ثم كتب:
قلبي بيحلم… وعقلي بيرتّب
وخوفي ساكت… وطيف السفر بيهتف
خطوة تقرّب… وخطوة تخلّيني أتهرّب
وأنا فالنص واقف… لا عارف أقرّب ولا أتهرّب
أهلي حواليّا… بس الهمّ بيكبر
والحلم بعيد… ونصّي عليه بيكفّر
أقول هاسيبهم… دموعي تتخنق تتزغّر
وأقول هافضل… يقولولي العمر بيتبخّر
رسم خطًا مستقيمًا، يفصل بين البيتين كأنه يفصل بين قلبين… بين طريقين.
ثم أكمل:
في الشنطة أحلامي مكويّة بعِتاب
وفي الجيب صورتهم… وريحة غياب
لسّه الحنين ما وافقش على الغياب
ولسّه الغُربة… ما وهبتليش الجواب
يا حلم… كفاية تجري وتجرّح
ده الطريق مش ورد… ده كله متدبّح
ولو رجعت… الناس تقول ما هينجح
ولو مشيت… الخوف جوايا هيشرّح
وفي نهاية الصفحة، بخط مختلف… أثقل، أكثر واقعية… كتب:
"أوقات النجاح بيكون طعمه حلو…بس ريحته مليانة غُربة."
ترك المذكرة أمامه يحدّق في كلماتها مرارًا، كأن كل سطر فيها نافذة صغيرة تطلّ على قلبه.
لحظة واحدة… لحظة إدراك بأن الحلم الذي ظنّه انطفأ، ما زال يشعل صدره في الخفاء.
لحظة سمع فيها صوته الداخلي يتمرد على خوفه ويهمس:
"هبدأ من جديد… مش علشاني المرة دي لأ…
علشان أرجع ومعايا حياة تانية… حياة أحسن لناس عمري ما هعرف أديهم اللي يستاهلوه."
خرج من الصيدلية مع الغروب،
كانت خطواته بطيئة، مُجهدة، تحمل فوقها اضطرابًا يحاول السيطرة عليه
صعد درجات السلم المؤدي إلى بيته وكأنه يصعد إلى مفترق طرق لا يمكن الرجوع منه
وما إن اقترب من الباب، حتى تسلّل إلى مسامعه صوت ضحكات أخته الصغيرة ضي من ناحية الشرفة… تتداخل مع ضحكة والده الدافئة.
رسمت ضحكاتهم ابتسامتة … ابتسامة تثبت له إن البيت، رغم تعب الأيام، ما زال ملاذًا.
توقّف أمام الباب لحظة؛ شيء من الحنين لامس روحه.
أدخل المفتاح بهدوء، وطرق مرتين كما اعتاد حتى لا يفزعهما، ثم فتح الباب بحرص لا يريد إزعاج هذا السلام
ما إن لمحته ضي حتى اندفعت نحوه بكل طفولتها، وكعادتها تهتف بسعاده محببه لقلبه:
"طااااارق ... أخيرًا جيت بجد؟"
ضحك من قلبه وهو يلتقطها بين ذراعيه ويرفعها عاليًا:
"أهو جيت يا ستّي…هو أنا أقدر أتأخر عليكي؟"
هزّت رأسها بعفوية:
"أصل ماما قالت لسه بدري عليك…بس أنا حسّيتك جاي."
ابتسم وربّت على رأسها، ثم سألها وهو يشير نحو الشرفة:
"بابا هناك؟"
طوقت عنقه بذراعيها الصغيرتين، وبدأت تقصّ عليه ما كانت تفعل كما اعتادت:
"كنت بلعب مع بابا… وكنا بنضحك على موقف زمان لما إنت خوفت من صوت البرق… فبابا مسك الوردة وضربك بيها وقالك الورد مبيشوكش ورد"
تظاهر طارق بالصدمة، وكتم ضحكته بصعوبة:
"إيه ده؟ ده كان سِرّ بيني وبينك… فضحتيني"
تقدم بها وهى بين ذراعيه، يتجه نحو الشرفة… نحو والده، الذي يجلس على الكرسي المتحرك، عينيه ثابتتان، تمعنان النظر في ملامح طارق وكأنهما تقرآن ما لم ينطق به بعد.
اقترب طارق، وانحنى ليقبّل رأسه بحنان، رفع الأب يده بتثاقل، ووضعها على كتف ابنه يربّت عليه بقوة
كان يملك في الدعاء قوة لا يملكها في الحركة، فخرج صوته عميقًا مطمئنًا يدعو له دون الحاجه للكلام:
"ربنا ينور بصيرتك يا بني… ويكتب لك الخير كله."
انخفض جفن طارق بتأثر شديد، وهمس:
"آمين يا بابا…دعواتك بس."
بدا الأب كمن يراقبه بعينٍ خبيره، وكأن شتات طارق انعكس على ملامحه هو أولًا.
لم يعلّق… فقط ابتسم، واكتفى بالصمت... وكان ذلك أبلغ
التفت طارق إلى ضي وربّت على خدّها:
"ماما فين يا ستّي؟"
رفعت يدها الصغيرة نحو غرفة الأم وهي تتابع بحماس طفولي تفاصيل يومها:
"كانت في المطبخ بتعمل الأكل…وبعدين راحت ترتاح في أوضتها.
أنا قلتلها أساعدها…قالتلي لسه صغيرة…مع إني كبرت يا طارق"
ضحك وهو ينزلها إلى الأرض، ومرّر كفّه على شعرها برقة، ثم مضى بخطى أسرع نحو غرفة والدته
عادت ضيّ للعب عند والدها، بينما توقف طارق عند باب غرفة الأم، كأنه يخشى إفساد سكونها.
رفع يده ليطرق… لكنه توقّف، واكتفى بالتطلّع.
كانت الأم تقف أمام النافذة، تسقي ورودها بترتيبٍ محبّب، ثم تعدّل اتجاه كل زهرة كأنها تهتم بأبنائها واحدًا واحدًا.
التفتت فجأة فوجدته واقفًا، فابتسمت على الفور،
وفتحت ذراعيها دون تفكير، فاقترب وضمّها بقوة، بينما هي تضع رأسها على صدره ،وتتنفس بحنين لا يشيخ وهمست:
"حمد الله على السلامة يا حبيبي."
ابتعد قليلًا، وقبّل يدها بنبرة مودة:
"الله يسلمك يا ناني… عاملة إيه النهارده؟ بتعملي اي فيهم ؟ارفعهملك علي السور دا "
مسدت على كتفه، وقالت بنبرة مطمئنة:
"أنا بخير يا حبيبي… آه ارفعهم… مقدرتش أشيلهم."
ابتسم، واقترب يمسك بحوض الورد، يرفعه بحرص، ويعدّل اتجاه الأغصان كأنها شيء ثمين.
كانت يداه تعملان… لكن قلبه ساكن، مشدود بخيطٍ يربطه بفكرة واحدة منذ أيام، غارق في صوتٍ داخلي لم يتوقف
نظراته شاردة، لم تعد تلاحق الورود… بل شيئًا أبعد بكثير.
شيئًا في الغيب… في الغربة
كانت تراقبه وعينيها لا تفارق وجهه تراه ببصيرتها قبل بصرها، ترصد شرودًا خافتًا يمرّ خلال ملامحه
اقتربت خطوة، وسألته برقة:
"مالك يا طارق؟"
لم يستطع أن يواجهها، ارتجف قلبه، يعرف أنها ترى ما لا يستطيع إخفاءه، فلو أراد الكذب لكشفته ولو أراد المداراه عنها لفهمته، تمهّل وقال بصوت منخفض وهو لا ينظر إليها:
"ماما… أنا… في موضوع كده…"
توتر وانعقد لسانه، وتاهت منه الكلمات.
وضعت هي إبريق الماء جانبًا، وقد خفق قلبها وعلمت ما سيقوله،
حدّقت فيه نظرة طويلة تتوسل الصراحة، وتخشاها قبل أن تسمعها.
وقالت بصوتٍ هادئ، فيه استسلام،مليء بالخشية:
"خلاص... حددت سفرك ؟"
نظر إليها نظرة طويلة… كأنه يطلب الإذن من قلبها، تردّد… وتلعثم… وشعر بالعجز عن نطق أي شيء، ابتلع لعابه، و عينيه كانتا ممتلئتين بالأسف والقلق والخوف من الجرح الذي قد يتركه.
لم يجد الشجاعة ليجيب، فسبقته دمعة خفيفة انحدرت من عينها… مسحتها سريعًا، لكنها لم تنجُ من عينيه، فانقبض قلبه وقد آلمه.
فهو يعرف… يعرف جيدًا… أن ما يُخيفها ليس السفر، ولا البُعد…
ولكن هي تخشي عليه الغُربة. ... غُربة قد تأخذه دون عوده.
تنفّس طارق بعمق، يُفلت سرًّا ظلّ عالقًا في صدره أوقاتاً طويلة، ثم قال بصوت مبحوح:
"أنا مش عارف يا ماما… النهارده جالي ردّ البعثة واتقبِلت فيها،
مش مستوعب… امبارح بس كنت بفكّر في الشغل، وفي إني أكبر نفسي وأبقى سند ليكم، ودلوقتي… الحُلم اللي استنيته سنين بقي بين إيديا، مش عارف اعمل ايه؟ عايز احقق حلمي البعثه دي استنيتها كتير وانتي عارفه يا امي مش عايز أضيّعها وفنفس الوقت انتو ....."
تأملت وجهه، ولمعت في عينيها فرحة صافية، كأن الدنيا اتسعت حتى امتلأت بالورود، حاز علي حلمه أخيراً فابتسمت… وقد أشرق وجهها عن سعادتها، استجمعت ما تبقّى في قلبها من قوة، وقالت بصوت ارتجف فرحًا ورهبة:
"وهي دي محتاجة كلام يا طارق؟ دي استجابة دعواتي من سنين… أنا فخورة بيك من قبل ما تكبر، من قبل ما الدنيا تشهد على شطارتك، سافِر يا ابني… سافِر وكَمِّل حلمك، وإحنا هنا… هندعيلك، وهنستقوى بدعواتنا ليك، روح وكمل وانجح وعلّي اسمك… أنا عشت عمري كله مستنيا اللحظة اللي أشوف فيها اسمك بيكبر قدّام عينيّا، إحنا مين عشان نقف في طريقك؟"
كلماتها قويّة… لكن دموعها فضحت القلب الذي يخاف عليه أكثر مما يفرح له.
وقد أدرك طارق ذلك… فقد رأى كيف التصقت به الحياة، يعلم كم تعلقت به وكم من الصعاب مرت بهم وكان لها الظهر والقوه، مرت العديد من السنوات ،منذ أوّل سقوط لوالده،
ذلك اليوم المنكوب الذي عاد فيه الأب على كرسي متحرّك بعد سقوطه من الطابق الرابع في موقع البناء، حين حاول إيقاف شجار العمال، بصفته المهندس المشرف على المشروع ، كان يريد الفصل بينهم فما نال الا سقوط فوق مؤن خرسانية غيّرت حياته للأبد… أو هكذا بدا الأمر، ومنذها، أصبحت أمّه هي ظهره الحقيقي، وقوّته الوحيدة.
اقترب منها، وأخذ يدها يخبّئها بين كفّيه:
"ربنا يخليكي ليا يا أمي… أنا من غير دعواتك معرفش أعيش والله، انا هفضل علطول معاكي ومعاهم مش هغيب عنكم وعلطول هكلمكم واشوفكم واطمن عليكم مش عايزك تقلقي وتخافي انتي دعمي الوحيد دلوقتي"
انحنى يقبّل جبينها بحنوّ، ثم جذبها بين ذراعيه، يمسح على كتفيها ليهدّئ رجفة بكائها الذي أوشك أن يغلبها
وفي تلك اللحظة… شعر أنه اجتاز أصعب خطوة في طريق سفره.
....................................................
رغم ثباتنا .....نهرب
ليس كلُّ هاربٍ يعدو في الطرقات أو يطوي المسافات بينه وبين ما يخشاه؛ فبعض الهروب أدقُّ… أعمق… وأكثر خفاءً.
ذاك الذي يُمارَس تحت قناع الحياة العادية، خلف الأدوار اليومية التي نحفظها عن ظهر قلب. إنه الهروب الذي لا تُحرّكه الأقدام، إنما الروح حين تُقرر أن تنأى بنفسها عن مواجهة الحقيقة.
نهرب حين نغرق في العمل حتى الإنهاك، لأن التوقف يُجبرنا على النظر إلى ما نهرب منه.
ونهرب حين نفرط في العطاء، لأننا نخشى أن نواجه خواء الداخل.
ونهرب حين نختبئ خلف المزاح، خلف الضحكات المتواصلة والحكايات المبعثرة، ونحن نعلم في أعماقنا أن شيئًا من كل هذا لم يعد يشبهنا.
وأحيانًا نهرب بالصلاة… حين نجعلها عادة؛ لئلّا نفكّر.
فالهرب أن تتقن أداء دورك في الحياة بينما قلبك يتسلّل بعيدًا، يسكن مكانًا آخر… ينأى عن كل ما يؤلمه، حيث لا وجع هناك، لا أسئلة، ولا ذاكرة.
وكانت إباء واحدة من أولئك الذين تمرّسوا هذا الهروب الصامت؛ اتقنت دور الابنة الصالحة والطالبة المتفوقة، بينما داخلها يختنق بالصراخ، بالضيق، بسؤالٍ واحدٍ لا يهدأ ..... لماذا؟
أخفت رفضها بالصمت، وخوفها بالاجتهاد، وابتسامتها كانت الساتر الأخير أمام القهر. لكنها أدركت، بعد سنوات، أن الصمت لا ينقذ… فقد يزيد الغصّة في الحلق حتى تتراكم وتنفجر.
وحين جاءت لحظة «إعدامها بالعادات» شعرت بأن السقف قد انهار، وأن جدران الصمت لم تعد تقيها المطر.
في تلك اللحظة أدركت أن الصمت خيانة… وأن البقاء وَهْم… وأن الهروب، هذه المرة، يجب أن يكون حقيقيًا ..... أو لا يكون.
قررت ألا تختبئ بعد اليوم، أن تمارس هروبها علنًا.
أن تغادر المكان الذي علّمها كيف تنجو دون أن تُشفى… وتعيش دون أن تحيا.
اختارت نفسها أخيرًا، وهي تمضي بقلبٍ يهترئ في صمت؛ قلبٍ لا تدري… هل سيُكتب له يومًا أن ينبض بوجه الحياة، أم سيُدفن تحت ركامٍ لم يختره؟
...................................................
هدأ كل شيء.
ساد السكون أرجاء البيت كلحظات الموت المؤقت… ذلك النوع من الصمت الذي يسبق العاصفة، حتى البكاء — الذي كان يملأ الجدران قبل ساعات — صار مجرّد صدى باهت يتردد بين الجدران.
عقلها كان يشبه البحر الذي رأته عند الغروب؛ هائجًا، عميقًا، لا أمان له… لكن قلبها وحده ظلّ مستيقظًا لا يهدأ.
جلست إباء على الأرض، احتضنت ساقيها بذراعيها وأسندت ذقنها على ركبتيها، تحدّق في خطوط السجاد الباهتة كأنها تبحث بينها عن إجابة تعرف جيدًا أنها لن تأتي.
تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، والبيت ينهشه التعب… جدرانه تشهق، وأبواب الغرف تُغلق على أسرارها. كان الجميع نائمًا — إلا قلبها.
نهضت بتمهّل، كأنها تودع كل خطوة وتتركها تُعلّق من روحها شيئًا على أرض هذا البيت.
فتحت الدرج الخشبي الصغير بجوار فراشها، وأخرجت منه كشكولًا قديمًا ممزّق الغلاف. تعاملت معه كما لو أنها تمسك قلبها بين يديها، فتحته برفق و همست وهي تتذكّر أولى سنوات طفولتها مع شقيقها:
"فاكره أول مرّة كتبتلي فيها اسمي بخطك يا إياد كنت فَرحانة بيك أكتر من النتيجة نفسها."
مرّت أصابعها على الحروف المنثنية، على الرسم الذي خطّه لها يوم نجاحها في الثانوية… ثم وقفت واقتربت أمام المرآة، نظرت إلى نفسها مطولًا، لم تكن خائفة، كانت امرأة تدرك أن هذا الليل… هو آخر ما سيذلّها.
فتحت دولابها ببطء، ويدها تتحرك بتلقائية، أخرجت حقيبة جلدية صغيرة لا تسع إلا ما يكفي من الذكريات، بدأت تضع فيها قطعًا بسيطة ووضعت بداخلها أول ما يخصّ روحها،
طرحة والدتها الوردية… تلك الهدية الوحيدة، تذكرت كلمات أمها:
"دي ليوم فرحِك… بس أنا عارفة إنك هتلبسيها في نجاحك الكبير."
ضحكت يومها، والآن تبكي … والذكرى تمزّقها، ثم وضعت مصحفًا صغيرًا، ثم ورقة كتبتها أستاذتها:
"أنا مؤمنة بيكي يا إباء."
ثم صورة تجمعها بأساتذتها في الكلية؛ كانت ابتساماتهم فخرًا بها،
مسّت بخفّة عبارة كُتبت خلف الصورة:
"إنتِ مش بس متفوقة إنتِ صوت لكل بنات الصعيد اللي صوتهم ما بيوصلش."
احتفظت بالكلمات في صدرها؛ كانت المرة الأولى التي تسمع فيها أنها صوت.
أكملت تضع صورة لها مع زميلاتها أمام الكلية، ثم الكشكول… قبلته بحرقة وهى تبكي بلا صوت وهمست:
"دا اللي باقيلي."
لم تكن تحمل الكثير، لكنها لم تكن بحاجة إلى أكثر ممّا تحمله روحها من إيمان بأنّها تستحق فرصة.
أحضرت بعض ملابسها، ثم جلست وكتبت ورقة صغيرة بخط مرتب، وضعتها أمام المرآة:
"أنا آسفة يا أمي…
أنا مش بكرهكم، بس مش قادرة أعيش مدفونة وأنا لسه بتنفس.
يمكن في يوم أرجعلكم وأنا رافعة راسي… ساعتها يمكن تسامحوني، ووعد مني إني هحافظ على نفسي زي ما طول عمرك بتحافظي عليا
خلي بالك من نفسك يا امي اصبري واحتسبي، وخلي بالك من مزن… دي ضعيفة ومحتاجة حد ف ضهرها، وقولي لإياد يسامحني… قوليله إني بحبه، قوليله إنه ابني… وإنه كل حياتي."
كانت الكلمات تُكتب… والدمع يكتب معها ما لا يُرى.
رفعت عينيها ومسحت دموعها، ثم نظرت إلى الغرفة، إلى الجدار، إلى الصور التي تعرفها جيدًا — صورتها وهي ترتدي بالطو الكلية،
لمستها بطرف أصابعها وهمست:
"قالولي زمان البت مالهاش غير جوزها…
بس أنا متخلقتش عشان أبقى طيف… ولا ضلع ناقص.
أنا بني آدمة… ليّا حلم وكرامة ...... وصوت."
وقفت أمام المرآة تتأمل وجهها المُرهق.
عيناها متورمتان، لكن داخلهما وميض لم ترَه يومًا.
مرّت أصابعها على العقد الذهبي الرقيق — هدية أمها يوم نجاحها — ثم نزعته بلين ووضعته في الحقيبة.
نظرت إلى الباب… فتثاقلت خطواتها، ارتدت معطفها وحملت حقيبتيها تهمس:
"سامحيني يا مزن…"
أطفأت الضوء، ثم فتحت الباب بهدوء وقلبها يخفق بقوة.
خرجت إلى الصالة.
مرّت بجانب باب أمها، رفعت يدها ولمست الخشب دن طرق.
كادت تقول شيئًا… لكنها ابتلعت شهقتها
مشت، كأنها تمشي على حدّ السكين، وفي يدها حقيبة… وفي قلبها ألف فكرة ...... وألف وجع.
وحين فتحت باب البيت، هبّت نسمة باردة،
فلفّت جسدها، وكانت أول حضن حرّ تتلقاه منذ سنوات
وبخطى ثابتة، واثقة لم تلتفت، وخرجت متجهه نحو المجهول.
كان الفجر ينبت من طرف الليل، وقد ومضت السماء بلمعة برق خفيفة… كأنها تبارك خطوتها
همست بخفوت، وقشعريرة برد تسري في عمودها الفقري:
"يا رب… أنا خارجة من عند تجبّر عبدٍ من عبادك، داخلة في رحمتك، قوّيني، ووجّهني، وخد بإيدي.
سقطت دمعة بلا إذن…
كأن قلبها ينبئها إنها النهاية…
وأن القادم — بكل ما فيه — في علم الغيب ..... مجهول
..................................................
لم يكن ذلك الصباح كأي صباح.
فالبيت الذي اعتاد أن ينهض على وقع خطوات إباء وهي تُعِدّ القهوة لأمها… استيقظ هذه المرة على صمتٍ ثقيل، مخيف، كأنه نذيرٌ يهمس في زوايا الجدران بأن شيئًا قد حدث، وأن الأمور ليست على ما يرام.
لم توقظه أصوات الصحون، ولا رائحة الشاي المعتادة التي تملأ المطبخ كل يوم
فما أيقظ البيت… فقط كان الغياب
غياب يشبه انتزاع الروح من الجسد، وترك الغرف خاوية تتنفس الخوف… وتتقيأ الأسئلة.
خرجت الحاجة نعمة من حجرتها، تمسك طرف وشاحها، وتجرّ ثوبها، ولد شعرت أن هناك ثقلًا يطبق على صدرها.
نظرت نحو غرفة إباء… فلاحظت أن بابها موارب، فاقتربت بخطوات حذرة، تخشى يقينًا تعرفه، ونادت بصوت خافت مهتز:
"إباء؟ يا حبيبتي… فوقتي؟"
لكن… لا رد.
ارتج قلبها بعنف، وفتحت الباب
كان السرير مُرتّبًا، باردًا كأنه لم يلمس جسدًا طوال الليل، دولابها مفتوح، فارغ على غير عادته، والحقيبة الصغيرة التي تحفظ فيها أعزّ أشيائها… اختفت، والمرآة بلا أثر لعطورها، والدرج نصفه مفتوح… وورقةٌ مطوية تنتظر أن تُفضّ.
تنفست نعمة بصوت مخنوق:
"يا ساتر يا رب… يا رب استرها."
اقتربت وفتحت الورقة، وما إن بدأت تقرأ كلمات إباء حتى انفرط عقلها عن وعيه، وافتر عن الخطر
صرخة خرجت من أعماق أمٍ أدركت الفقد قبل أن تفهمه، صرخة هزّت الجدران، ألمٍ غريزي اجتاحها
خرجت مزن من غرفتها، شعرها غير مرتب، تحمل فوق وجهها كل ملامح الرعب، وعيناها متسعتان:
"في إيه يا ماما؟"
نظرت نعمه لابنتها بهلع، ورفعت الورقة بيد مرتعشة وصوتها يتشقق:
"إباء… مشيت. مش في أوضتها… وحاجتها مش في مكانها."
خرج إياد مسرعًا، عيناه حمراوان من النوم، ولا يزال يرتدي بيجامته:
"مشيِت؟ يعني إيه مشيت؟ راحت فين؟"
"معرفش يا ابني… والله ما عارفة… لقيت دي."
بسطت الورقة لابنها، فخطفها بفزع، يقرأها كأن الكلمات تلسعه، فيما كانت نعمة ومزن ترتجفان في الصالة بلا يقين
ولم يمهلهم القدر لحظة، إذ انفتح باب البيت بعنفٍ، ودخل الحاج عمر بخطوات ثقيلة، وصوت عاصف كالرياح، زمجر، وصوته يهبّ في البيت بعصبيته وبجبروته المألوف، نظر إليهم من أسفل السلم يصيح ناهرا:
"فيه إيه يا نِعمة؟ إيه الصويت اللي يهدّ البيت ده؟"
نزلت الحاجة نعمة مسرعة، تخبّئ توترها بطرف ثوبها، ولسانها يتلعثم وهى تنطق:
"إباء… مش في البيت يا حاج. شكلها خرجت من بدري…ومشيت."
حدّق فيها بنظرة كأنها وصمة على اسمه، كان صوته باردًا، مذيبًا لأي محاولة للتبرير:
"خرجت؟ ومين سمح لها تخرج؟ خرجت تفضحنا؟ مش كفاية اللي عملته امبارح؟ انتي إزاي سايبة بنت تسرح وتيجي براحتها؟ وإنتي كنتي فين وإلا بتعملى إيه؟"
اقترب منها خطوة… خطوة واحدة ويده ترتفع كمن يستعد ليهوي بجبروته على وجنتها صافعاً إياها أمام فلذاتها،
لكن إياد اندفع بينهما، ونظراته مشتعلة:
"إوعى تمد إيدك عليها… عيب يا حاج، كفاية."
صرخ الحاج عمر، يغلي وصوته كمرجل:
"إنت بتكلّمني أنا كده؟ أنا أبوك يا واد"
رفعت الحاجة نعمة عينيها إليه، والدمع واقف لا يجرؤ على السقوط:
"والله ما شفتها خرجت… يمكن نزلت لخالها… يمكن. ....."
قطع كلامها بحدة تشقّ الصدر:
"خالها؟ ما هو خالها اللي بوّظها، خالها سبب الكارثة من الأول هو اللي خلّاها تدخل كلية، ومن يوم ما عرفت الكتب وهي فاكرة نفسها فوق الناس، بس خلاص كفاية"
ضرب صوته الجدران، فارتجّ البيت كله وهو يتابع، بعدما تلفّت بين وجوههم، ورأي الخوف ،الانكسار، وعيونهم مأهولة بالألم:
"كله من تربيتك يا نعمة، بنت طلع لها لسان… والتانية نايمة في هدومها… والواد واقفلي زي قطاع الشوارع"
أشار لإياد باحتقارٍ موجع:
"أنا اللي غلطت لما سكت وخلّيت بنت تدخل كلية، بنتي أنا تهرب؟ هربت؟ دي نهايتها على إيديا لو ما رجعتش الليلة، وتبقي خطت نهايتها بإيدها"
حاولت نعمة الإمساك بطرف الكلام، تستعطفه:
"حرام عليك يا حاج… دي بنتك… بنتك يا عمر، من لحمك ودمك"
فقاطعها بصوت قاطع كحد السيف:
"البِت دي لو ما رجعتش قبل آخر الليل… تُعتبر ميتّة بالنسبالي، وساعتها لا تلوميني ولا تلومي الزمان، هلفّ عليها نجع نجع… وأول ما أشوفها… همسح عاري بإيدي وكلّ اللي هيشوف هيتعلم اللي هيفكّر يعمل زيها… مصيره يبقى زيها "
صمت وهله وغضبه يشتد فتابع:
"انا عندي البِت زي الزرعة…لو طلعت فاسدة بتتخلع، عشان ما تبورش الأرض كلها، أنا ما ربيتش عار، وما بخافش من حَد."
ارتجفت مزن في زاويتها كطير يبحث عن جدار يتحصن به، فالتفت إليها بعينين من نار:
"وإنتي .... تفكّري تمشي وراها؟ على جثتي من هنا لحد آخر عمري، اللي هيتنفس من غير إذني… هقطع نَفَسه، أنا اللي مأكّلكم وأنا اللي أدفنكم لو عايز"
ازدادت رجفتها، ولم تقدر على النطق بحرف،
أما نعمة، فقد انحنت قليلًا تمسح دمعة خانتها رغم محاولاتها.
نفخ الحاج عمر بقهر، واسودّ وجهه غضبا، ثم بصق أرضًا:
"بنتي مشيت وسايبة البيت .... هرجّع سمعتي إزاي؟ أقول للي اتقدملها إيه؟ بنتي هربت؟"
ثم التفت لإياد، الذي وقف بمظهر رجل رغم حداثة عمره، وقد شدّ ظهره ورأسه مرفوعة رغم ما يحدث:
"وإنت؟ ناوي تعمل زيها؟ ولا مستني تخلص جيشك وترجع علينا بأفكار جديدة؟ وتنسى إن ليك بيت وناس؟ هيبقي كويس… وتريحنا منك"
اشتعل صدره بغضب محموم، وقرر الثأر له ولاخته الذي يتآكله القلق عليها الآن فتمرد لافظاً:
"أنا عمري ما نسيت إن ليا بيت… بس اللي نسي إحنا مين هو إنت، وإباء؟ مهربتش من فراغ… أكيد ليها سبب."
سكت الأب لحظة كأن أحدهم لطمه بالكلام، ثم رفع يده بعصبية، والصفعة حاضرة… جاهزة… لأي وجه يعترض ولن يفرق الآن أنه الولد
لكن هذه المرة— ولأول مرة تصرخ نعمة مدافعه عن فلذه كبدها
"كفاية يا حاج، بلاش تمد إيدك"
وقف إياد بثبات، وقد شهقت مزن وهي تجذبه بعيدًا:
"إياد بلاش، أنا مش هتحمل أشوفك بتتضرب تانى"
واجهشت فالبكاء، غلفت اللحظه الصمت، ليس هدوءًا… بل توترًا ينذر بغضب وانفجار جديد
اقتربت نعمة خطوة، تستعطفه، تستجمع ما بقي من قوة أم، وقد خافت علي طفلتها من شره:
"هتعمل إيه لو رجعت؟ هتقتلها؟ دي بنتك لو غلطت نصلّحها… مش نمسحها من الدنيا."
نظر إليها بنظرةٍ يخيم عليها السواد، ثم قال بصوت يتناثر من الغضب:
"لو رجعت… هترجع لجنازتها، مش لبيتها، من اللحظة دي… ما بقاش اسمها إباء، دي بقت العار، اسمعوني كلكم أنا راجل معروف وأنا اللي بقرّر اللي بيخرج عن كلمتى مش راجع وإباء؟ أنا هرجّعها… بالعافية لو لزم، وساعتها… هنصب عزاها بدمها."
وانصرف.
تبعته خطواته الغليظة، تغلق الأبواب، ويسقط الصمت على البيت كالكفن، يُطبق على النفوس
تركهم خلفه ممزقين بين الذل والحسرة والرغبة في الصراخ،
اقتربت نعمة من ابنيها، احتضنتهما بذراعين مكسورتين، تبكي منهارة، وتقول بصوتٍ باكٍ مهزوم:
"يارب… يارب ما تكتبهاش نهاية لبنتي، يارب سترك عليها وعلينا، فينك يا بنتي؟ ليه عملتي كده ليه؟"
بينما قلب اياد مازال يصرخ وقد شاب فوق عمره:
" انتى فين يا اباء ؟هسافر ازاى من غير مااتطمن عليكي ولا اشوفك؟ عملتى كده ليه بس، مشيتي ليه؟ "
ظلّوا معًا… ثلاثة قلوب تتمزّق، وثلاثة أرواح تخشى ما تحمله الدقائق القادمة…
فكل دقيقة تقرّبهم من المجهول.
...................................................
كان الفجر يُزاحم آخر عتمة الليل حين خيّم الصمت على بيت الحاج عمر بلال… ذلك الصمت الذي لا يشبه السكون بقدر ما يشبه الغصّة، كأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها خوفًا من القادم.
وقف إياد عند باب البيت، يحمل حقيبته العسكرية الثقيلة على كتفه، بينما كان ما أثقل منه حيًّا هو قلبه؛ قلبٌ يتردد بين الرجولة المفروضة، والواجب الذي لا يرحم، والقلق الذي ينهش روحه على أمٍّ مكسورة، وأختٍ تبكي في الخفاء، وأخرى… غابت دون وداع.
التفت خلفه مرارًا، كأنه يبحث في جدران البيت عن آخر أثر لصوته أو طفولته أو ضحكته، كأنه يخشى أن يغادر فيضيع كل شيء.
كانت مزن تقف عند الباب، هزيلة الصوت، حبيسة الدموع، تمسك بطرف كمه لا تريد أن تتركه يرحل ،كما لو كان حبل النجاة الأخير.
قالت بصوتٍ مبحوح متقطع:
"خد بالك من نفسك يا إياد… ومتبطلش تبعتلنا أول ما تقدر."
ابتسم لها ابتسامة قصيرة، حاول أن يزرع بها طمأنينة لم يكن يملكها هو نفسه، ثم مسح دمعتها بإبهامه وغمغم:
"وعد يا مزونة… بس إنتي خدي بالك من روحِك… ومن أمّي… ومن أبويا كمان."
ظهر الحاج عمر في العتبة فور نطق اسمه، وقف شامخًا متخشب الملامح، نظرته جامدة لا ترى إلا الهيبة، والغلظه، يستهزئ حتى من الضعف العابر في عيون ابنه:
"إياد… خلِّي بالك من نفسك، ومن اسمك، متعملش عار لينا وإنت برا .... عيلة بلال عمر… عمرها ما بتنكسر فاهم؟"
رفع إياد عينيه إليه للحظة طويلة ،لحظة امتلأت بكل ما لم يقله:
"فاهم."
قالها وهو يخفض رأسه احترامًا… لكن شرارة غضب كانت ما تزال تلمع في عينيه، غضب على حاضرٍ يدوس عليه، ومستقبلٍ لا يعرف كيف سيكون بدون أخته
لم تنتظر أن يبتعد أكثر، وقبل أن يخطو خطوة أخرى خارج باب البيت، اندفعت الحاجة نعمة إليه، وكأنها تستيقظ من كابوسٍ لتلحق بآخر خيط من ابنها قبل أن يرحل
ضمّته بقوة أمٍّ تشعر أن هذا الحضن قد يكون الأخير، وأن قلبها يُنتزع مع كل ثانية تبتعد فيه روحه عنها.
همست بصوت يموت في صدرها:
"ربنا يحفظك يا ضنايا… ويهون علينا وعليك… ويردّ غايبتنا."
توقف الزمن لحظة…
لحظة رحيلٍ تكسّرت فيها نفوسٌ كثيرة، وبقيت الطرقات مفتوحة على احتمالات لا يعلمها إلا الله
...................................................
#يتبع
دمتم سالمين
#فاطم
ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه
وفق الله كل طلاب العلم وادعوا لاخوتنا في الثانوية العامة
fatma Elabd