عند مفترق الطرق
نحسب لحظات السكون هادئة
فنبتعد عن صخب الدنيا لنلمس همس السماء فتسافر أبصارنا بين أرجائها ونبتسم فتنعكس على وجوهنا آثار الجمال
نؤمن بعظمة الخالق الذي رفع السماء بغير عمد فأحالها بساطًا مستويًا لا ميل فيه ولا اعوجاج ثم زينها بالنجوم والكواكب المتألقة
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ صدق الله العظيم
عندها تلامس نسائم الليل وجوهنا نشعر وكأنّ السماء تمسح بحنانها أوجاعنا فنتنهّد بعمق ونصغي إلى همس الكون من حولنا
هنا حيث لا صوت إلا دقات قلوبنا المتعبة ولا بوح إلا ما ترسمه خواطرنا من أمنيات ندرك أنّ السكينة ليست مجرّد سكونٍ عابر بل هي ومضة من لطف الله تمنحنا يقينًا بأنّ النور يختبئ دومًا خلف عتمة السماء وأنّ بعد كلّ ليلٍ طويل فجرًا دافئًا سيلامس أرواحنا من جديد ويرسُم على ملامحنا أملًا لا ينطفئ.
. " الحياه معارك لا تنتهي من الشباب للفناء"
كان الليل قد حلّ بهدوء على أحدي احياء الجيزة وسكنت أصوات الشوارع واختفت ضوضاء النهار خلف جدران البيوت البسيطة
وغطّت أضواء الشُرف الأزقة الصغيرة بضوء خافت صعد طارق خالد التفهني الشاب ذو الثمانيه و عشرين عامًا إلى السطح مكانه المفضل الذي يلجأ إليه كلما ثقلت همومه
وقف تائه الفكر مابين المكوث ببلده الحبيب فى أحضان عائلته وبين الهجره والتلظى بصقيع الوحده يحدّق في السماء الملبدة بالغيوم كمحب ينظر في عيون حبيبه والنسيم البارد يداعب وجهه ويلتف حوله كأنه يحمل معه همومه
يتأمل السماء يناچي الله بقلبه أن يرحمه من تيهته ويرشده للصواب شارد في تفقد قطع السحاب المتفرقه في بساط السماء الازرق وكعادته منذ الصغر عندما يهيم في تأمل صنع الله تحركه مشاعره ليخط بعضا من عواطفه وكأنه يناجى روحه
أخرج مدونه مذكراته تلك الرفيقه التي شهدت معه أفراحه وأحزانه واستل منها القلم وأخذ نفسا عميقا وهو ينظر للسحاب ثم املي كل اهتمامه إلى ما بيده وترك العنان لأنامله لتكتب شعرا جديداً
شايفه ...؟
السحب متقطعه
حتى السحب بينها فراق
السحب علشان بعيده خدها الغرور
حبت تعاند فالقدر
راح القدر أصدر قرار طفي القمر
وبرغم من دمع السحب
قررت تدمع مطر
مقدرش يجمعنا الهوى
حتي الهوى
اللى فرقها هو اللى خلي ايديا على قد البصر
هو القدر
تنهد ناظرا للسماء وكأنه كان يحلق فوق أعالي السحب تاركا لروحه العنان فى الشعور بالحريه المؤقته حتى استمع لصوت عقله فابتسم ساخرا وعاد يتطلع علي مدونته وأكمل كتابته بعد أن رسم خطا مستقيما وكأنه بذلك قرر الفصل بين واقع العقل و حريه الخيال
انزل بقا من فوق كواكبك عالرصيف
وانسي السحاب
الشعر راكبك وانت عايش فى اكتئاب؟
كل اللى كمل ويا حلم بيلحقه كان عالتراب
ومكنش بيحب المطر .... بطل سهر
وبلاش تكمل جوا جنس الملعونين
الدنيا دى اغلب ما فيها المظلومين
ومادام قررت تعيش مليان بالحنين
فمفيش طريق ليك غير الأنين
#فاطم
ثم ترك مذكراته بجانبه واغمض عيونه مجددا
"يارب ... انا تايه منى ومش عارف دا صح والا غلط دلنى يارب عالصواب اسافر وأشوف شغلانه نعيش منها كويسين ومرتاحين والا افضل هنا واللى جاي علي قد اللى رايح .... يارب هونها عليا وارشدنى فاناعبدك الطامع فى رحمتك لو سفري خير ليا اديني اشاره ....اشاره واحده "
تنهد بثقل واستكمل
" انا راضي انك مكتبتليش اكمل طريقي ... راضي انى أفقد اللى حلمت بيه ...وواثق انك هتراضيني ...ارزقني خير يارب الخير "
جلس علي الاريكه المغطاه الوحيده الموجوده علي السطح وضم ركبتيه وأسند رأسه عليها ودموعه تكاد تلمع في عينيه تذكر صوت أمه وهي تحدثه:
"يا بني أنا عايزة أشوفك ناجح وسعيد بس من غير ما تنسى إنك لينا احنا ملناش غيرك وابوك ساند عليك وأخواتك روحهم فيك ".
همس يناجيه ومازال علي وضعه:
"يا رب انا عارف اني لو سبتهم فليهم رب كبير يحميهم ارشدني ونور بصيرتي يارب انا برد الغربة بيخوفني."
نظر إلى ماخطه منذ دقائق وأخذ نفسًا عميقًا
وبينما هو وسط دوامه أفكاره شعر بقطرة ماء تسقط على وجهه
توسعت عيناه ونظر يدقق في السماء لتمر عده دقائق وتضاء السماء بشرارات البرق و تتعاظم اصوات الرعد في الانحاء ويتهادى المطر متبخترا بهدوء و ببطء تلامس وجهه و تبلّل جسده وتترك آثارها علي الورقة التي كتب عليها
تجمد في مكانه كأنها صدمة انتشرت في عروقه والبرد سرى إلى أعماقه
وما أن استعاد رشده تعالت اصوات ضحكاته الغير مصدقه وكأنه وجد اخيرا طريقا واضحا اسرع لمذكراته ينتشلها من المطر ووضعها أسفل غطاء الاريكه ثم وقف أسفل المطر فاردا ذراعيه
مستسلما لذلك الشعور وضحكاته تتعالى بينما لسانه لم يتوقف عن شكر الله
" الحمد لله والشكر لله اللهم لك الحمد اللهم لك الحمد والشكر "
وخر ساجدا و المطر ينهال عليه من كل حدب تاركا له مهمه غسل همومه في تلك اللحظة وشعر بفيض من الأمل يغمر قلبه يملأه إيمانًا بأن الله لن يتركه وحيدًا كما لم يتركه في كل مرة
استقام بعدها ونفض المطر عن جسده ونظر إلى السماء مرة أخرى والعزم يملأ عينيه مستعدًا لمواجهة الغد... بكل ما يحمله من ألم وأمل ظهرت نظره الاصرار في مقلتيه و شحذ همته من بروده المطر و توكل على الله
.... .......... ....... .........................
في هذه اللحظات في الطابق الاول من المنزل كانت تجلس السيده ناديه علي سجاده الصلاه تدعوا وتتضرع الي الله أن يحفظ اولادها ويشفي زوجها وعند انتهائها سمعت ضحكات صغيرتها المستمتعه بذرات المطر استقامت ورفعت سجادتها وهي تتجه الي ضيّ
" يا ضي ادخلي واقفلي البلكونه يا حبيبتي عشان متتعبيش "
لتتأفف ضي وهي تعود للمنزل وتغلق البلكونه
"اووف كل حاجه اقفلي البلكونه عشان هتتعبي كل حاجه هتتعبي يا ماما انا بقيت كبيره خلاص وهتم العشر سنين وعايزه اتفرج عالمطر "
ابتسمت ناديه علي تذمر صغيرتها وعاتبتها بهدوء :
" ياحبيبتي الجو برد ودا غلط على صدرك وبعدين مش احنا قولنا بلاش اوف دي ؟ مش اتفقنا أن دا غلط ؟"
لتنظر لها صغيرتها بعينيها الرماديه المليئه بالبراءه وكانت علي وشك البكاء:
"مقصدش ياماما والله بس انا بحب المطر وبعدين دي اوف عاديه مش اقصد بيها حاجه وحشه "
في تلك الأثناء كان طارق قد هبط وملامح وجهه لا تزال غارقه بندى المطر الذي لامس قلبه الدافئ بفيض الرجاء لله دخل الشقة بهدوء ورائحة الشاي بالنعناع تسرّبت إلى أنفه تملأ المكان بشيء من الطمأنينة صوت أمه ينساب من الصالة بنغمة حنان لا تخطئها أذنه كانت تتحدث إلى صغيرته ضي بعتاب وتناهي الي أذنيه صوت صغيرته بعنادها البريئ
تقدم في منتصف الصاله عيناه على الصغيرة يبتسم ابتسامة محبة وقال بنبرة هادئة:
"مين مزعّل ماما كده؟"
اخفضت ضي رأسها وشعور بالحزن سيطر عليها :
"أنا... بس مش قصدي أنا بس كنت عايزة المطر..."
اقترب طارق منها وانخفض إلى مستواها ناظرًا في عينيها الرماديتين البريئتين :
" تعالي يا ضي قربي "
اقتربت منه أخته الصغري فربت علي رأسها وقال
"عارفة يا ضي لما ربنا في كتابه الكريم في سوره الاسراء قال بسم الله الرحمن الرحيم (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما)صدق الله العظيم كان بيقولنا إن كلمة صغيرة زي "أف" ممكن تزعل ماما وبابا يعني حتى لما نتعب أو نزعل أو منحبش اللي بيتقال لنا لازم نحترمهم بالكلام ما نزعلهمش بكلمة حتى صغيرة."
نظر لها فوجد علامات الحزن ترتسم علي ملامحها وقد بدأت ترتبك ويكسو وجهها حمره الخجل فابتسم وربت علي خصلاتها وتابع
"ماما لما بتقولك ياحبيبتي بلاش الكلمه دي بتبقي عايزاكي احسن بنوته فالدنيا وميطلعش من لسانها الا كل طيب واوف دي مش بس كلمه صغيره زى ما بتشوفيها لا دى زى اي تصرف وحش وربنا بيزعل لما بنعمل تصرفات وحشه "
تساءلت بصوت منخفض:
"يعني... حتى "أوف" بتزعل ربنا؟"
مسد علي خصلاتها بحنان اكبر
"آه علشان ربنا عايزنا نكون طيبين معاهم على طول لأنهم تعِبوا علشانّا وربونا وخافوا علينا وبابا تعب في شغله وماما دايمًا بتتعب فالبيت ربنا سبحانه وتعالي قال ان مينفعش أننا نقولها لأهلنا عشان دا غلط و معناها كل "ما غلط من الكلام وقبح"يرضيكي تقولي كلام غلط ووحش وربنا أمرنا أننا منقولوش ؟ "
نظر لها ليجدها تهز راسها علامه الرفض فتابع نصحه
" يبقي اوعديني دلوقتي بقا متقوليهاش تاني ولو حصل وفي حاجه انتي حباها وماما رافضه اتكلمي معاها عشان تفهمك سبب رفضها اتفقنا ؟"
نظرت له الصغيره بعيون القطط خاصتها وعاندته.
" بس انا بحب المطر وبحب الهوا الساقع وبحب احس أن الجو شتا يا طروقه انا عاوزه اتنطط تحت المطر وماما مش بترضي "
ابتسم طارق على جدالها وقال بحكمه
"ماما بترفض عشان خايفه عليكي ... فاكره لما الازازه بتاعتك غرقتك ميه انتى تعبتي ازاي ؟ دا عشان انتى صدرك مبيستحملش البرد يا ضي وماما خايفه تتعبي تانى وجسمك يوجعك فهمتي يا حبيبتي "
نظرت له بخبث لمع في رماديتيها :
"طب مانت مبلول اهه يعنى كده انت هتتعب انت كمان وبعدين انت كنت عالسطح يعنى منك للسما علطول بس انا فالبلكونه يعني مستخبيه كده وكده من المطره وشويه نقط بس اللى عرفوا مكانى وقبضوا عليا"
تعالت أصوات ضحكات من طارق و ناديه التى تراقب الموقف بعيون حنونه فاستكمل طارق كلامه مازحا:
"يعنى من شويه طروقه وعدتهالك ودلوقتي شويه نقط عرفوا مكانك ؟ انتى بتجيبي الكلام دا منين "
وعلى إثر كلماته آتاهم صوت عجلات كرسي متحرك صوبهم فنظروا إلى والدهم الحاج خالد رياض التفهني
استقام طارق من جلسته واتجه لوالده ولثم رأسه :
" عامل اى ياحاج حقك عليا مجتش اسلم عليك علطول اول ما وصلت بس أن....."
نظر له والده بعاطفه أبويه جياشه وعيناه تلألأت بها بعض العبرات تأثرا بحنان ابنه البكري عليه وأمسك كفه بين يديه الدافئه مقاطعا:
" ولا يهمك يا بني انا لما سمعت صوتكم جيت اقعد معاكم هنا شويه "
ضحك طارق بشقاوه وهو يقف خلف والده يدفع الكرسي عنه:
" قولها يا حج قولها سمعت ضحكه الكروانه بتاعتك وقلت اجي اعاكس قول انا ستر وغطا عليك "
ضحك خالد بشده بينما خجلت ناديه واكتست بشرتها البيضاء لونها الوردى مما اضحك طارق فغمز له والده
" طب بذمتك حد يسمع الضحكه دى وميدوبش فصحبتها ؟ دى سرقت قلبي للمره اللى معرفلهاش عدد "
ضحكت ضي وهى تقفز علي كرسي ابيها مما جعله يتلقفها بيديه
" احلى بابا وماما فالدنيا "
وضمت كلاهما بيديها الصغيرتين لتتوسط وجنتاهما معا
فاقترب والدها من وجنتها لاثماً إياها و من الجهه الأخري والدتها لتصبح الصوره طفله صغيره بين أبوين كل منهم يقبلانها من خديها وضحكتها كأنها اكسير الحياه .
وقف طارق ينظر لما يحدث أمامه مبتسما وصدي سؤال واحد يتردد في عقله كيف اترك كل هذا الدفئ هنا ؟ كيف ابتعد عن روحى ؟ عندما شعر ان عيناه قد تخونه اغمض جفونه و قال بصوت متحشرج :
"انا هغير هدومى واجي"
ورحل لغرفته
ما أن دخلها حتي سمع طرق علي الباب
التفت لامه التي اقتربت تجفف شعره بمنشفة صغيرة وتهمس له بآيات الرقية انحنى يقبّل رأسها بحنان يهمس بصوت دافئ:
"إيديكي نعمة يا أمي... ربنا ما يحرمني منك أبدًا."
ابتسمت الأم رغم الإرهاق الساكن في عينيها ومدّت يدها تربت على كتفه
"مالك يا طارق؟ ... سرحت ودخلت علطول بدون ما تتكلم حتي مع أبوك فيك اي يا حبيبي ؟"
ابتسم وشرد بعينيه في تجاعيد وجهها وأثر الزمن الواضح عليها
"لا... مفيش اي حاجه يا حبيتي انا بس حسيت بالبرد قلت الحق نفسي عشان متعبش"
نظر حوله وسأل بلطف:
"مصعب فينه؟ وأمير؟"
ليأتيه الرد مصحوبا بتنهيده :
"أمير في أوضته بيذاكر ومصعب غلبه النوم من بدري تعب شوية من الجو دا "
هزّ طارق رأسه قائلا
"طيب... هصلي واروح أشوف بابا شوية"
لتجيبه بضحكه خافته
"روحله... ده بيسأل عليك من ساعة ما طلعت فوق بيقول يا ترى طارق بيكلم ربنا في إيه النهارده؟"
ابتسم طارق ثم اتجه إلى المرحاض بدل ثيابه وأدي فرضه خرج من غرفته ليسمع بعض الضحكات من ضيه مع والده في الغرفة الداخلية كانت الإضاءة خافتة والجو مشبع برائحة المسك والسيد خالد التفهني جالس في كرسيّه المتحرك أمام النافذه يراقب حبات المطر وهي ترتطم بالزجاج
وقف طارق لحظة عند الباب يتأمله في صمت كأنه يقرأ فيه تاريخًا لا يُكتب بالحبر بل بالتعب والصبر والرضا ثم اقترب بهدوء وجلس بجواره على طرف السرير وبصوت حنون :
"إزيك يا بابا؟ سامحني اتأخرت عليك"
بابتسامة حانية ودون أن يلتفت له تساءل :
"رجعت من فوق اخيرا؟ لسه السما بتشدّك ليها زي زمان؟"
تنهد طارق بخفوت وفلتت ضحكه مثقله منه وهو ينظر خارج النافذه يشارك والده اللحظه:
"لسا .... فوق بحس إن قلبي خفيف وبقدر أقول كل اللي جوايا "
نظر له والده يقرأ ما ظهر علي صفحه وجهه وسأله فجاه وهو يعيد نظره للخارج :
"والنهارده قلتله إيه؟"
سكن طارق قليلًا كأنه ينتظر من قلبه أن ينطق أولًا ثم :
"قلت له محتار... ومحتاج إشارة تعبت من التفكير ... بين حلم السفر وخوفي من إني أسيبكم... بعد ما متقبلتش فالبعثه"
رفع الأب نظره إليه ثم مد يده المرتعشة ووضعها على يد طارق وقال بصوت واهن وقوي في آن واحد :
"الخوف مش غلط يا بني... الغلط إنك تسيبه يشلّك أنا قاعد على الكرسي ده من سنين عاجز عن الشغل اه بس عمري ما خليته يمنعني أكون أب... وإنت ما تخليش الخوف يمنعك تكون قد خطوتك"
اجابه طارق بصوت متهدج وهو يفهم كلمات والده :
"أنا مش خايف أسافر أنا خايف أسيبك وماما وضي وأمير ومصعب كل تفصيلة في البيت ده أنا مسؤول عنها حتى سكاتكم قلبي بيفهمه "
كان يهمس باخر كلماته مما جعل بسمه امتنان ترتسم علي ثغر والده قبل أن يسمعه يتابع :
"عارف يا بني وعشان كده بقولك المسؤولية مش دايمًا وجودك في نفس المكان لكن إنك تفضل حاملنا في نيتك... ممكن تسافر وتنجح وتدعي وتفكر وتبني... تبني عشانك وعشاننا"
امتلأت نظراته بالوجع وأخذ يهمس كالمحموم الذي يهرتل بما لا يفهم:
"بس ضي صغيرة... ومتعلقه بيا أوي دا لما بكح بتجري تجيبلي ميه ولما بتضحك أنا بنسى تعبي وأمي وشها بيتعب لو شافتني ساكت وإنت... كل مرة بنظرتك بحس إنك بتطمني من غير ما تتكلم "
اغمض عيناه وقد زاد التفكير من ألمه وسمع والده يقول بثبات وبثقة:
"عارف كل ده... بس كمان عارف إنك اتخلقت علشان تشيل مش علشان تتهز ولو ربنا فتحلك باب امشي فيه واطمن إنك مش لوحدك دا ياما رزقك يابنى .... أرمى حمولك عليه وشوف طريقك طول ما قلبك ماليه بيه عمرك ما هتضيع"
ساد بينهما صمت حتى امتلأ قلبه بكل ما لم يُقال وقد شعر فجأة أنّ الحمل أخف وأنه لا يحمل العبء وحده بل إن الدعاء الذي رفعه منذ قليل بدأ يُجاب.
غادر طارق غرفة والده خفيفًا طليقًا وكأن قلبه قد تنفّس للمرة الأولى منذ أيام كان يشعر بأن شيئًا من الطمأنينة قد انسكب في صدره مع كل كلمة خرجت من فم أبيه كانت قد وضعت في صدره نورًا وأن المطر الذي بلل جسده غسل همّه أيضًا
مشاهدة والده في ضعفه القوي في جلسته الواثقة رغم العجز كانت كأنها درس في المعنى الحقيقي للحياه والرضا فقد كان يقف في عينيه كالجبل
...................................................
ابتسم بحنان ودلف المطبخ ليعاون والدته في الطعام
" ها يا ست الكل اساعدك ف اي ؟"
سألها طارق وهي يراها تقلب محتويات الإناء علي الموقد
" لو عايز تساعدني بجد اعمل السلطه انت عارف اني مليش خلق اعمل سلطه بصراحه عشان محدش يقول تفرقه عنصريه "
قهقه طارق عاليا وهو يعلم أنه واخواه يحبون السلطه كل بطريقته فأمير - اخوه الأوسط- يعشق السلطه بدون طماطم و مصعب -أخاه الأصغر - يأكلها بالكثير من الفلفل الرومي و الخل وأوراق البقدونس اما عنه هو وضي يأكلون السلطه بالقليل من الليمون والطماطم مع الكثير من الخيار والجزر دون الفلفل و الخل
أخذ يحضر كل ما يحتاجه في صنع اطباق السلطه المتنوعه وهو يعاون والدته حاولت السيده ناديه كسر حاجز الصمت هذا و هي تضع صينيه الارز في الفرن:
" مالك يا طارق ؟ بقالك كام يوم كده مش علي بعضك وحساك مخبي عني حاجه في حاجه يا حبيبي حصلت معاك ؟"
انتهت من السؤال وهي تربت علي كتفه من الخلف
تنهد طارق وهو يستدير ليقابل أمه ويمسك يديها يقبلهما
"والله ما عارف اقولك ايه يا ماما بس .. بس انا قررت اشوف سفر بره احاول اجيب منه قرشين يسندونا كويس"
نظر لامه فوجد ملامح الزعر والاستهجان بدأت تتشكل علي وجهها وتترقرق الدموع في عينيها وهي تنظر له تحاول أن تفهم أن كان يقصد السفر خارج البلاد أم السفر بعيدا داخل البلد :
" انت قصدك تروح ف حته بعيده يعني جوا مصر؟"
تطلع داخل مقلتيها وقد قرأت بين نظراته الاصرار علي حديثه فطفرت دمعه خائنه من مدمعها وهي تحاول التحكم في غصتها
كيف لا وهو ساعدها وحاميها هي وإخوته
كيف لا وهو رجل البيت بعد عجز والده فمنذ ذلك الحادث المشئوم في عمله وهو يرعاهم ويربي معها صغارها فأصبح الاب الثاني لبيتهم
كيف لا وهو الأقرب للجميع ؟ كيف يفكر الان في تركها للغربه ؟
فلن يواجه هو الغربه فقط..... بل هي من ستحياها
فكيف لمواطن أن يحيا في بلاد وروحه في بلاد أخري ؟
حاولت أن تتمالك أمام نظراته وتستجمع رشدها وغصبت علي نفسها رسم ابتسامه هادئه
"طيب انت ناوي علي فين "
ابتسم طارق بسمه حنونه وهو يمد يده يمسح علي وجنتي امه وهو يعلم الصراع الناشب في قلبها الان :
" عرفت أن في شغل تبع مجالي ف أمريكا وممكن الواحد هناك يشوفله فرص احلي واحلي صدقيني يا ام طارق انا لو عليا مش عايز حتي انزل الشارع بتاعنا وافضل ف حضنك "
أوشكت الدموع ان تطفر من عينيها فضمها إليه واخذ يربت علي كتفيها وهو يهدهدها كالطفل الصغير ولا يدري كيف يمتص كل هذا الحزن الذي خيم عليها ضمته لقلبها وهي تحاول عبثا أن تكف عن الدموع ابتعدت عنه وتمسكت في شماعه القوه لتطمئن قلبها وانهالت عليه بالكثير من الاسئله في آن واحد:
"ناوي علي امته .... هتقعد فين ...... وفي حد هتسافر معاه والا لوحدك ..... ومين جابلك الشغل دا وازاي ...."
انصدم طارق من كم الاسئله التي امطرته بها وأخذ يضحك:
" اي يا ماما حيلك حيلك اي كل الاسئله دي وبعدين يا ستي اتطمني اول ما اظبط اموري صدقيني هاجيلك احكيلك واطمنك ... صدقيني يا امي مش عايز غير دعاكي ليا انا محتاجه الفتره دي أشد من اي وقت تاني مش عايز احس انك زعلانه عايزك تكوني فضهري يا امي وتتطمني وتطمنيني عليكي ومتقلقيش حتي لو كنت غايب عن عينيكي عمري ما هغيب عن قلبك "
في هذه اللحظه كان هناك من يراقب الموقف خلف الباب وانصدم لقرار طارق في السفر لكنه شاب ويعرف أن عليهم جميعا السعي
تغاضي عن تلك الغصه التي تمكنت من حلقه و قرر في نفسه أن يساند أخيه الأكبر ويتناقش معه في أمر سفره
أما عن هذه اللحظه أراد أن يكسر الكآبه التي خيمت عليهم
اقتحم امير المطبخ عليهم شاهقا كالغريق ثم بملئ صوته
"خيانه ؟ فين .. ف مطبخ بيت الحاج خالد ؟ ومع مين .... مع طارق ابنه ؟ لالالا مش قادر اصدق مش قادر ابص امي حاضنه اخويا فمطبخنا ؟"
كان يصرخ وهو يخفي وجهه بكفيه فجاءه الرد لكزه من طارق علي رأسه:
"ياض انت مش هتبطل شقاوه و طوله لسان اعمل فيك اي بس قولي "
نظر لهم امير بحب وهو يستمع لصوت ضحكات أمه و قهقهه أخيه وتقدم منهم ثم رفع يده ووضعها علي كتف طارق واخد يمسد علي ذقنه وهو يضيق عينيه كأنه يتعمق فالتفكير
نظر طارق ليده نظره تهكميه ثم تمعن في جانب وجهه وابتسم وقد فهم سبب هذا الفعل من أخيه فقرر ان يشاركه العبث لكنه تفاجئ بأمير يسأل بشقاوه محببه للقلب :
" قوليلي يا ناني ...هو الضحك حلو فالعاده والا ضحكتك انتي اللي حلوه بزياده "
اتسعت أعين طارق علي كلام أخيه وتعالت ضحكات ناديه وهي تقترب تضم ولديها تحت جناحها وردت بعد أن هدأت من موجه ضحكاتها :
" ربنا يخليكوا ليا يا كل ما ليا ويديمكم سند لبعض وما يغيب عنكم الضحك والسعاده "
قبل كل منهم كتفيها فى امتنان شديد وشاكسها امير:
"فى غدا يا ست الكل والا اطلب دليفري علي حساب طارق ؟ "
لم يعطها الوقت للرد عليه وأكمل وهو يرجع للخلف خطوات متمهله للهرب فى اى لحظه:
" انا برده قلت كده عشان كده انا طلبت لينا مشاوى وانا جاي"
نظرت له ناديه بصدمه بينما ضيق طارق المسافه بين حاجبيه وهو يتخذ وضعيه الهجوم وضيق عينيه ونظر لأخيه :
" ومين هيحاسب ان شاء الله علي دا ؟"
عاد امير للخلف خطوتين فنظر طارق بحده صوب خطواته وكأنه استشف المكيده من أخيه مجددا
رفع نظراته صوب عيني أمير فوجده يبتسم ببلاهه ورد بتأتأه طفل يحاول تجميع جمله مفهومه :
" لا ماهو ..... ما هو انا ..... انا يعني ...هو اصلـــ"
فقد طارق صبره فصرخ في وجه أخيه وهو يقترب منه:
"اخلص انت هتاتألي هتحاسب منين ؟"
انتفض امير فور سماعه صوت أخيه وهرول خارج المطبخ ورفع صوته:
" لا ما الحساب وصل اصلا البركه كلها فالفيزا بتاعتك "
صرخ طارق عاليا باسم أخيه وهو يندفع كالاعصار يريد التأكد من كلامه هرول سريعا يبحث في محفظته فلم يجد الفيزا اتقدت عيناه بشر وقرر أن يتريث امسك هاتفه وفتح الرسائل فاطمئن أنها مجرد خدعه فلو كان استخدمها لكانت رسائل الخصم قد ظهرت ....لم يمضي علي هدوئه ثواني حتي شاهد وقع رساله جديده تشير الي خصم ألفي جنيه
اندفع عائدا لغرفه أخيه فوجدها مغلقه من الداخل وامير يقف خلف الباب
أخذ يطرق بقوه وهي يصيح :
" افتح الباب يا حيوان هو انا مش هخلص منك كل قرش اجمعه ليا تيجي تطيرهولي .... افتح الباب يالا والله ما هعتقك افتح بقولك "
في الداخل كان امير يدفع الباب في الاتجاه المعاكس ظنا أن طارق قد يلجأ لكسر الباب أعلي رأسه وقد كان ظنه
فما هي إلا ثواني حتي ضرب طارق الباب بقوه اهتزت لها النوافذ
انصدم امير من قوه غضب اخيه وأخذ يولول راثيا نفسه:
" مكنش يومك يا أمير ..... هتموت علي ايد اخوك فالاخر ؟ .....وبعدين انا مكنتش اعرف انه عايزهم والله "
رفع صوته ليصل للخارج فخرج متذبذبا به بحه بكاء علي وشك الاندلاع:
" صلي علي النبي يا طارق هديهملك والله هديهملك اول ما يبقي معايا .. هتقتل اخوك عشان الفين جنيه ؟ اومال لو طلبت مليون هتعمل اي؟ هتعلقني علي باب زويله .. اهدي بس و اوعدك اوعدك اني .......والا اقولك مش هوعدك بحاجه انا هخلي تصرفاتي تثبتلك اني مش هكررها تاني "
كان طارق يستمع لكلامه من الخارج وشعر بذبذبه صوته فهدا ولكنه آثر الهدوء لنفسه واراد أن يمثل الغضب حتي استمع لنصف كلامه الثاني اصدر صوت متهكما :
" مش هتوعد كمان عشان تكررها براحتك "
قاطعه امير بسرعه:
" لالالا انا مش هوعدك عشان اثبتلك اني قد كلامي "
استغراب وجهل كانت هذه رد فعل طارق فالخارج وهو يحاول أن يستوعب ما يقوله اخيه:
" ايوه مانت لو وعدت ونفذت هتكون قد كلامك انت بتقول اي كلام وخلاص "
شعر امير أنه صرف عقل أخيه عن المال فأجابه بلهفه:
" لالا مانا لو وعدتك هيكون تنفيذي لكلامي عشان الوعد بس إنما انا لما موعدكش وانفذ من غير وعد يبقي كده انا بسمع كلامك و قد كلامي "
وهنا شعر طارق بالغباء المتآصل في عقل أخيه
ورغم فهمه لما يريد إلا أنه أوضح له أنه سيثق به ولا يخاف ويخرج للغداء تفاجأ امير بكلماته وشعر بالنصر لكنه أراد أن يطمئن :
" يعني أخرج خلاص مش هتقتلني ؟"
اتجهت نظرات طارق للباب المغلق أمامه ونظر بخبث:
"اقتلك اي يا غبي انت اطلع الاكل جهز عقابا ليك بس هتاكل الاكل اللي هنا والأكل اللى طلبته هناكله احنا وانت مش هتدوق منه حاجه "
ما أن انهي كلماته حتي تفاجأ بباب الغرفه يفتح علي آخره ويخرج منه امير مندفعا :
" مين دا اللى ياكل الرز ويسيب المشاوي.....لا ياعم انت فاهم غلط خالص مش انا .... مش انا يا حبيبي "
قال اخر جملتين وهو يربت علي كتف طارق الذي اتسعت بسمته وهو يري كيف استطاع بكل سهوله أن يخرج أخاه من الغرفه وهنا فقط استوعب امير الأمر وهو ينظر في عينيه فتراجع راكضا للغرفه وما كاد أن يغلقها عليه حتي هجم عليه اخيه وسقطا معا أرضا واخذ يكيل له الضربات المشاكسه وهو يعلوه :
" بقا انا فاهم غلط يا حرامي يا نصاب فاهم غلط يا شحات ياللي القرش فجيبك بيقرصك فالطالعه والنازله بقا انا تفكرني هقتلك واعلقك علي باب زويله "
نظر امير فوجهه منصدما :
"اي دا انت مكنتش ناوي تقتلني ؟"
ابتسم له طارق وهو يجيبه:
" لا يا روحي انا ناوي اسلخك واشفيك علي الهادي "
وأخذ يدغدغه تاره ويضربه بحنو تاره أخري كعادتهم وتعلو اصوات ضحكاتهم في البيت
حتي شعروا بالتعب فاستلقي طارق علي الارض بجانبه ووضع ذراعه أسفل راس أخيه ونظرا مبتسمين لسقفيه الغرفه وتنهدا معا وكل يسبح عقله في اشياء مختلفه ثم وقف امير ومد يده لأخيه الأكبر
نظر طارق وهو ما زال مستلقي ليده ثم ابتسم بحب شديد عندما شاهد لمعه عينه ومد يده تمسك بأخيه بقوه واستقام معه نظرا لبعضهما البعض قبل أن يختطفه طارق في عناق قوي يبث فيه الحب والقوه وقابلته قوه مماثله في العناق وخرج صوت امير هامسا له:
"عمري ما هسيبها هفضل دايما ماسكها ومحتاجها ...مهما كبرت ومهما بعدت ومهما اتغربت هفضل عايزك وعايز حضنك ومحتاجله ...... تاكد اني فضهرك وهشجعك وهقف معاك فكل قرار تاخده بس عشان خاطري متظلمش نفسك انت وميل عليا صدقني هشيل ولو طلبت مني اسيب اللى بحلم بيه واجي جمبك ومعاك تاكد اني هعمل كده بدون تردد ماهو انا معنديش مليون طارق انا عندي طارق واحد بس بمليون صاحب "
فرت دمعه من طارق تأثرا لكلمات أخيه وأخذ يسال نفسه متي كبر ؟ أم أنه نسي أنه أخيه وليس ابيه ؟ ضمه بقوه كأنه أراد أن يزرعه بين ضلوعه :
"نجاحك هو دا اللى انا عايزه لو عايز بجد تساعدني انجح وحقق حلمك وانا فضهرك "
لف طارق ذراعه علي كتف امير وخرجا معا كتف لكتف وهم مبتسمين لتناول الغداء في تلك اللحظه ابصرا كل من ناديه و خالد تكاتفهم ثم نظرا لبعضهم وابتسما بحب وهنا بدأت لغه العيون المليئة بالفخر والمحبه
فهل سيستمر صفائهم ؟ام ان غيوم الحياه ستملأ سمائهم؟
...............................................
"وميض قبل العاصفه"
في أحدي أطراف جمهوريه مصر العربيه كان النسيم ينسلّ بخفة من بين الاشجار يحمل معه عبق الماء وشجن الأرض في لوحه بديعه حيث صفحه المياه التي تعكس حمره الغروب ذلك المدي الذي يبتلع قرص الشمس ببطء وكأنّها تغوص في النهر كانت السماء تمتزج بألوان البرتقالي والذهبي بينما الماء يقلب الالوان برفق وكان الشمس تستودع النيل ألوانها قبل أن ترحل وهو يشارك الغروب في طقسه المقدس يحيطهما الصمت لا يقطعه الا خرير المياه وصوت الطيور المحلقه في سرب يشق الفضاء كأنها تبحث عن وطن لا يغرب فيه النور ورغم ذلك تعرف وجهتها دون تردد
"مابين الجمال والكمال انتي يا سونيت "
عباره تظل ترددها طوال فتره جلوسها أمام كورنيش النيل تملى عينيها الكحيلتين بلوحه بها من الجمال كله
تدور حدقتاها على قناطر اسوان تلك اللوحه الفنيه التي تمثل الحياه لأهلها ليتبادر في زهنها قصيده كتبتها يوما فتركت لنفسها العنان وسبحت في خيالها تدندن بخفوت وكأنها تحيا عصرا قديما متمثلا في دفاعات احمد عرابي عن بلده
على ضفاف النيلِ يقفُ المجدُ شامخا
كأنّ قناطره تراتيلٌ وألحانا
تحضن الموجَ رقّتها وتنسج من دُررِ المياه
أغنية الخلودِ على مرّ الأزمانا
فمن حجارتها استقام الحلمُ وانبعث
وراح يروي للأجيال ما كانا
هنا انسياب النيل يُهديها تبجيله
فصارت للقلب صرحًا وللأرض أركانا
يا قناطر أسوان دمتِ رمز قوّتنا
ماضٍ منيفٌ وحاضرٌ ميمونٌ ومصانا
ابتسمت لشعورها بطاقه عجيبه تندفع في أوردتها وكأنها تحيا لحظات تشييد تلك الآيه أمامها وماهي الا لحظات حتي خبتت بسمتها وتضائلت لمعه اعينها همست لنفسها
"وبعدهالك يا إباء ....هتفضلي لأمته كده ؟....تعبت وروحى بتتسرق منى "
ربااااه ..... يقولون أن اجمل فترات العمر هى فتره الشباب بتجاربها وعنفوانها..ضحكها وخبالها..بكل ما بها من طموح و شغف
وكم كانت تهفو إليها بكل روحها وكيانها لتصبح سهم يصيب الحلم بضراوه فها هى تتأرجح على مشارف السادسه والعشرين من عمرها
كانت گ الطير يحلق في سماء الحريه حاملا معه زهو أيامه يرنو إلى سلب كل آماله وطموحاته من الحياه يرتفع ويرتفع هديله خلف سحابات الامل فادراً جناحاته لتتساقط عليها اشعه الغروب الذهبيه المخضبه بالحمره فيذوب قرص الشمس في عمق المياه قاتلا جمال تلك الهاله الربانيه وتعلن وقتها السماء بإسدال ستارها الاسود وتتصادم وقتها السحب بجساره وكأنها حرب ما بين الحق والباطل لتنار السماء بشعاع برق حارق لتلتمع الأعين بنشوه الجمال غافلين عن ذلك الذي احترقت أجنحته في صاعقه البرق
ليسقط من أعلي سحاب الحلم .. لأرض الواقع محترقا خائفا مرتجفا ليطلق هديلاً يتردد صداه في بواطن الوحده
وها هي تلملم شتات أفكارها وتستقيم تتأكد من شكل ثيابها وتسير عائده الي جدران منزلها التي تقيها برد الشتاء
فهل كل الجدران تقي حقا البرد ؟؟
دلفت منزلها المكون من طابقين على الطراز الفرعونى القديم لتتصادم أعينها بجمرتين مشتعلتين بشكل اثار الرعب في أوصالها ألقت السلام ليأتيها الرد من أبيها:
"وعليكم ....ايه كتي فين كل ديه ...... بقالك ساعتين برا دارك بتعملى اى "
التزمت إباء الصمت فقط نظراتها الموجهه لأبيها فقط كانت من يتحدث تعلم أنها لو حاولت الكلام الان سيطالها منه مايترك ندباته علي بشرتها البيضاء الناعمه عندما لم يصل إليه رد تقدم ناحيتها :
" مبترديش ليه ؟ كتى فين يادكتوره"
انتفضت اثر صيحته ونظرت له :
"قعدت عالكورنيش شويه "
اتسعت أعين الحاج بلال وارتسمت علامات النفور على وجهه:
" كنتى عالكورنيش ؟ قدام الشباب ورجاله البلد ؟ قاعده قدامهم ولا هامك ؟ "
صمت هنيه ثم استرد حديثه بصرامه شديده تذيب المفاصل :
" انا مبقتش اقدر علي دلعك ديه هى كلمه واحده هتتجوزى حلمي ابن غانم راجل بصحيح وايده بايدي و بيكسب حلو وهيفتح مشروعه الجديد وانتى هتعنسي جارى يبقي نجوزوكي ونخلص من همك هااااه قولتى اى؟"
ثوره عارمه أصابتها وهى تستمع لحديث والدها
هل حقا يريد تزويجها من إحدى العمال لديه ؟
هل يريد أن يدفن أحلامها وطموحها
فهى تخرجت من صيدله بتفوق وكانت الاولى على دفعتها طوال سنوات الدراسه وترشحت لاستكمال دراستها بفضل تفوقها بالخارج لكنها اصطدمت بواقع العُرف والتقاليد
حيث رفض الحاج بلال استكمال اوراق تعيينها فى صيدليه إحدى المستشفيات الحكوميه كما رفض أن تستكمل دراستها مصرحا انه فعل مالم يفعله الآباء لبناتهم فلترضي وتكتفي بشهادتها فقط حتى يُقال دكتوره إباء عمر فاروق بلال
أهذا كل شي ؟ والان يريد منها الموافقه علي صك الزواج ممن لا تعلمه لمجرد العرف ؟ هل فاتها قطر الزواج كما يقولون ؟
هل قال والدها أنها عانس ؟ هى لم تبلغ السادسه والعشرون من عمرها بعد هل هذا يعني أنها تاخرت علي الزواج فاض بها الكيل وتقدمت تقف أمامه بنظرات صارمه وهتفت من بين أسنانها
" جواز مش هتجوز وحلمى دا يشوفله واحده غيري وهكمل تعليمي ولو مكملتش مش هسمح لحد يمشيني علي مزاجه صحيح انت ابويا بس انا عمرى ما هسمحلك تخطط لجوازى بالشكل دا ثم مين ابن غانم دا ؟مش دا برده إللى قالوا إنه اتحرش بنص بنات البلد ولسا بيتقال أنه بيضرب تحت الكباري ؟ انا لا يمكن هقبل ولا هتمم الجوازه دى حتى لو هقف فوشك "
أنصدم الحاج بلال من حديث ابنته و كيف ناطحته الند بالند وكان الرد صفعه ...... صفعه رنت صداها فى مجلس البيت
صفعه طغى صوتها علي صوت تهشم قلبها
صفعه لم يحسب لها الحاج بلال حساب توابعها
صفعه حطمت ماتبقي من الحب والاحترام بينها وابيها
صفعه ستجرعه من كؤوس الذل الوان
نظرا لبعضهما بكل قوه فراي فيها صوره صغيره منه وعندها فقط ارتجف قلبه بنظير شؤم لم يحسب له حساب لكنه لم يتراجع وهو يستكمل إهانته لها :
"هتردي عليا والا ايه وبعدين ازاي خرجتي من ورانا؟ ايه عايزه تفضحينا ؟ قاعده بره دارك لحد نص الليل"
تقدّمت نحوه دون خوف وقلبها يقطر وجعًا من ظلمه الذي طال كل شيء في حياتها:
"أنا ما فضّحتش حد يا حاج أنا كنت محتاجة أتنفس قدام النيل واروح دماغي شوية من جوّ البيت"
اقترب منها أكثر وفي عينيه مظاهر العنف والجفاف صرخ فيها:
"تروّحي دماغك؟ تروّحي دماغك فين؟ بين عيال البحر؟ وسط الصيع؟ هو ده التعليم اللي تعبنا عليه؟ تطلعي بنت عايشة بره بيت أبوها؟الساعة كام يا دكتوره ؟ هو البيت ما بقيش عاجبك؟ طول عمرك معوجة على الهوا زي أمك مرة تعليم ومرة شغل ودلوقتي قعدة البحر وسط العيال اللي متعرفيش أصلهم من فصلهم؟ دي مش تربية بنت الحاج عمر بلال أنا مربتش واحدة تسرح وتيجي في نص الليل البنت تتربّى على الستر مش على اللف والدوران "
رفعت عينيها بعزمٍ لم يكن وليد اللحظة بل تراكمات طويلة من المنع والقهر والخذلان وآخرها تلك الصفحه التي تلهب بشرتها الان صوتها بدأ يخرج واضحًا مليئا بالوجع:
"فين اللف والدوران ياحاج؟ واى يمنع اريح بالي شويه أنا إنسانه ودا حقي"
اذهله ردها فأراد كسر شوكتها صائحا '
" كتك كسر حُقك انتى هتردى عليا والا ايه ياست هانم ؟ من لحظتنا دى ممنوع الخروج لوحدك تاني واعملي حسابك كتب كتابك وجوازتك علي اخر الشهر هتتم علي حلمي غصب عنك "
والطبيعي عند سكب البنزين علي النيران فإنها تتشعل وتتوهج اكتر وتعم الأرجاء وهذا ما حدث فقد نفضت اباء عنها شالها وقد تغضنت ملامحها غضبا و ازاد حجم بؤبؤيها وهي تقترب منه لا تراه والدها الان فقد رأت فيه كل ما تسبب به لها :
" منعتني أشتغل في تعييني عشان إنت مش عاجبك الاختلاط ،ومنعتني أعيش حلمي بعد ما تعبت ودرست وطفحت من صحتي عليها، ومنعتني أحس إني بني آدمة ،ودلوقتي جاي تزعق عشان اتنفّست هوا نظيف وتقولي البيت؟ .. هو البيت اللي يخنق بنت من أول نفس ده بيت؟ وجاي تقولي اتجوز واحد معرفهوش؟ انا مش موافقه ولا هتجوز بالطريقه دي كفايه بقا حرام عليك دانا بنتك"
لوّح بيده في الهواء دون أن يكترث بها وصوته ينفجر:
" أباه ..... انتي يهمك اي؟ الراجل صاحب عشرة و يعرف ربنا طلب مني وأنا وافقت وكتب الكتاب الخميس بعد الجاي والفرح الاسبوع اللي وراه "
قهقهت بمراره مع تجمع الدموع في عينيها وتحكمت الغصه حلقها وقد شعرت بهزة في قلبها لكن لم تَظهر في صوتها وهى تتابع:
"إنت بتدفني حيّة أنا مش هتجوز فاهم؟ ومش هشوف وشّه حتى ... كل دا ليه عشان بنت ؟ كل يوم بتطحنّا بكلمة الست للبيت والجواز حرمتنا حتي من الضحكه...... وأنا؟ أنا اشتغلت سنين عشان أوصل ودلوقتي عايز تخلص مني وتجوزني ليه تدفنني بالحيا؟"
ارتعش فمه من الغضب وهو يصرخ:
"دفن؟ ده بنسميه ستر الراجل اللي جاي يشيلك فوق دماغه وتعيشي ملكة؟ انتي انتى هتشوّهي سمعتي وهتقلبيها فوضى ده عريس محترم اسمعي دا آخر شهر ليكي في بيت أبوك من غير راجل فوق راسك يشكمك "
قاطعته وجابهته بقوه تليق بها :
" مش موافقه يا حاج عمر وعلي جثتي الجوازه دي تتم "
بينما في ركن البهو كانت أمها السيده نعمه تتابع ما يحدث خلف ظل العمود الخشبي وهي تردد :
"حسبنا الله ونعم الوكيل "
جسدها ينتفض وشفاهها تتحرك بالدعاء في صمت كأنها تستنجد بالله أن لا تقع المصيبة وعلى السلم وقفت مزن تمسك بأخيها إياد الذي يوشك أن ينزل وهو يراقب أبيه الذي احمر وجهه من الغضب صار جسده يهتز وعينيه لم تعد ترى إلا تمردا ارتفعت يده مثبتا إياها لوهله عندما استمع لصرخه إباء فجأة:
"اضرب يلا ما إنت طول عمرك بتضرب كل اللي بيقول لأ خلاص اتعودت يمكن ده اللي مخلّيك تحس إنك متحكم فينا وأننا بنهابك ، بس المرة دي أنا مش هسكت حتى لو اتحكم بموتي "
لكن قبل أن تهوي يده اخترق إياد الظلمة ركض من فوق السلم صرخت مزن خلفه:
"إياد لاااا "
يده لم تصفعها فقد جرى أخيها الاصغر كالسهم ووقف أمام أخته يفرض عليها حمايته من بطش أبيه صفعته لم تتوقف بل ارتطمت بخده بقوة أربكت الجميع تجمّد الجميع وانفلتت شهقه من شفتي اباء وحاولت مسك اخيها بينما مزن انهارت اعلي السلم وفي الجهه الأخري ارتفع نواح السيده نعمه وهي تدفن وجهها في يدها تراجع الحاج عمر خطوة نظر إلى ولده الذي وقف منتصبًا رغم الألم ثم نظر إلى يده كأنها خذلته ... سكون تجمد الزمن وتوقفت الأنفس أخفض الأب بصره صار كالنار تحت الرماد ثم قال بصوت متهدّج:
"ادخلوا جوّه... كلكم..."
نظروا إليه بقهر بينما اباء نظرت إليه لدقيقتين بانكسار فامتدت يد اياد تنتشلها من تجمدها دون كلمه وعاد كل واحد إلى غرفته بصمت ثقيل وقد كان جرح إباء حياً في قلبها ينزف دخلت غرفتها لكن قلبها تركته خلف الباب حيث اخوتها
عند اللحظة اللي انهار فيها آخر جدار بينها وبين ابيها ولأول مرة بدأت فعليًا تفكر في الهرب من كل شئ... كخلاص لتكتب تاريخ جديد بكسر قيد يسمي "بنت " في لحظة غير قابلة للتراجع .
...............................
#يتبع
دمتم سالمين
#فاطم
ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه
وفق الله كل طلاب العلم وادعوا لاخوتنا في الثانوية العامة
fatma Elabd