يا مَن تُبدِّل الكسرَ عزاً ....... وتجعلُ من دمعنا نجوى وعظه
يا من إذا ضاقَ بنا الحالُ وساء... فَتحتَ من الغيبِ بابًا ورحمه
نشكُو إليكَ تعبَ القلوبِ ......ونُسلمُ الأمرَ حينَ خابتْ حِيَلُنا
يا سامعَ الصوتِ من خلفِ الكُروبِ ....ويا مَن بلُطفِك ترعى أملَنا
لا طاقةَ لنا إن لم تكن معنا... ولا راحةَ إن غبتَ عن أعينِنا
فالطفْ بنا إن ضلّت خُطانا .....وخفِّف علينا ثِقَلَ امتحانِك
ربّاه...
إن كنا لا نُحسنُ الدعاء فامنحنا رحمتَك بصمتِ الرجاء
وإن طالَ البلاءُ بنا فثبّتْنا كما ثبّتَّ أولياءَك
يا من ترى ولا نراك ...وتعلمُ ما نخفي من الشكوى وتجبرنا بلا قولٍ ولا حولَ لنا إلا بك ولا ملجأ لنا سواك.
نسألك ألا تتركنا في دار البلاء وحيدين خائبين نادمين
وضمنا إليك راضيين صابرين خاشعين محلقين في ربوع رحمتك
اللهم صل وسلم وبارك علي سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين
...........................
الابتلاءُ ليس نقيضَ الرحمة فهو أحدُ وجوهها الخفية
هو البابُ الذي يُفتح ليدعو القلب إلى الله من جديد بصوره أكثر خشوعًا.......و يدعو النفس إلى ذاتها بشكل أكثر صدقًا
فالابتلاء رسالة مغلّفه بالوجع ومن يُحسن قراءتها فإنها تقوده إلى حكمة لم تُدرك من قبل ونجاةٍ لا تُنال في الرخاء
الابتلاءُ يُعرِّي الزيف ويكشفُ هشاشة التعلّق ويُعيد ترتيب الأولويات فينا حتى نعرف من نحن ....... ومن هو الله.
فإذا رأيت قلبك يرتجف ودمعك يسبق الدعاء فاعلم أنك في حضرةِ اختبارٍ يريد الله لك به خيرًا لا تراه الآن... لكنّه يُخبئه لك في الغيب تمامًا كما يُخبّئ النور في جوف الليل.
...........................
جلس طارق علي أحدي المقاعد الاسفنجيه المريحه داخل المعمل وقد كان سفيان يعد قهوته لاحظ طارق أنه يتجه له فاعطاه اهتمامه وسمع سفيان وهو يتسائل بصوت منخفض ويلمح لميشيل
" منور يا طارق… شكلك مش مرتاح للجو هنا صح؟"
نظر طارق له قليلًا ثم همس
"مش عارف رغم أن في نظام بس في حاجة مش مريحة مش عارف أوصفها."
لياتيه الرد من سفيان بهدوء وحكمة
"مش دايمًا النظام معناه أمان أحيانًا الهدوء اللي حوالينا يخبي وراه عاصفة خليك صاحي وبرده ما تخليش الشك يعميك "
تدخل ميشيل بلطف مصطنع
"So, Mr Riahi, you're here for the bio-medical integration project, yes?"
(إذن سيد رياحي أنت هنا من أجل مشروع الدمج الحيوي الطبي صحيح؟).
اجابه سفيان بهدوء ولمعه عينيه واضحه "بالضبط Exactly"
ليرد ميشيل وهو يصفق بكلا يديه وبتلك الابتسامة التي لا تصل إلى عينيه
"Interesting philosophy."
(فلسفة مثيرة للاهتمام.)
"You are the famous wind, Sufyan. Syria's allcharming breeze, I’ve heard."
"انت الرياح الشهيرة سفيان نسيم سوريا الساحر هكذا سمعتُ."
ليجيبه بضحكة خفيفة
"نسيم؟ يا خويا إن شاء الله نكون نسيم خير "
ثم أضاف وهو يشد على يد ميشيل قليلًا
"Yes, the winds that move everything may cause rain or turn the world upside down"
(نعم، الرياح التي تحرك كل شيء قد تسبب المطر أو تقلب العالم رأسًا على عقب )
اكتفى طارق بابتسامة متحفظة وهو يتابع الحوار بين الاثنين وشيء داخله يتأرجح بين الحذر والريبة فقد شعر بكره سفيان لميشيل وتحديه
"I like storms, actually. They wash away what’s weak."
"أنا أحب العواصف في الحقيقة. فهي تُطهر ما هو ضعيف."
صمتٌ قصير ثم قال سفيان وقد زالت ابتسامته للحظة وشرد
" الكلام الحلو سهل أما الفعل .... بيقف عالنية"
أدار ميشيل وجهه نحو طارق وقال بابتسامة باردة
"So, Dr Tarek, how do you find the Partnership here? Stimulating enough for your talents?
"إذاً د طارق كيف تجد الشراكه هنا؟ هل هي محفزة بما يكفي لمواهبك؟" ارتبك طارق قليلًا. "أتمني I hope"
وهمس بصوت منخفض
"انت اكتر حد مش محفز هنا من اولها"
نظر له سفيان نظرة عطف ثم ربّت على كتفه دون كلمة وكأنّ بينهما اتفاقًا وُلد من الصمت لينتبه ميشيل لنظراتهم وأوضح بتصنع ناعم لطارق
“Oh, I enjoy informality. But in business, I believe in clarity. You know what I mean.”
(أوه، أنا أستمتع بالودّ لكن في الأعمال أنا أؤمن بالوضوح تفهم قصدي أليس كذلك؟)
وفي هذه اللحظة شعر طارق للمرة الأولى منذ دخوله القاعة أنه ليس وحيدا… وإن كان ميشيل يبتسم بخبث فهناك سفيان يبدو صادقا مخلصا كما قال د جون ورغم هذا عليه أن يميز بين من يضحك بصدق ومن يحيطه ألف علامه استفهام لمعت عينا سفيان بمكر لطيف وقال ساخرا
"يا طارق يااخويا د ميشيل يحب الوضوح بس ما يوضحش نواياه ولا عايز ايه "
ابتسم طارق وهمس "باين"
مما جعل سفيان يميل ناحيته ويهمس له وكأنه يحكي نكتة
" قالك عبقري عندهم عقدة من المصريين وقت الجد "
حاول طارق كتم ضحكة ثم التفت لميشيل
" فالنهاية اللي يهمنا هو المشروع... وإحنا هنا علشانه صح؟"
ليسمعا معا اغرب جمله مرت عليهم من ميشيل بصوت ثعلبي
“ remember, opportunities are limited. And timing... is everything.”
" تذكّر الفرص محدودة والتوقيت... هو كل شيء."
ضحك سفيان ثم التفت لطارق وقال بنبرة حاسمة لكن مرحة
"الراجل دا يحب يسمّي ده شراكه أما أنا بشوفه سيرك المهمّ اعرف مكانك فين وامشيله وخليك أسد"
انهي حديثه لاكماً إياه بمشاغبه فضحك طارق على مضض بينما ميشيل أبقى ابتسامته الهادئة كأن شيئًا لم يُقال ومضى وبعد أن أبتعد قليلا ظل سفيان ينظر في أثره أخذ رشفه من كوبه وهو يتنهد بصوت مسموع و يهمس بسخرية وألم
"قال فرص.... الفرصة الحقيقية هي نشارك ناس تبني مش تشتري العقول اوتبيعها"
صمت للحظه ثم عاد ينبه طارق مجددا وقد شعر بالخوف عليه
"الراجل دا كلامه غريب خد بالك منه يا طارق مش كل عدو ظاهر ....في اعداء بيعزفوا نغم حلو عشان يجذبك بيه قبل مايطعنك"
شعر طارق بشيء ينكمش في صدره لكنه قال بثبات ومكر المصريين امام المصاعب
"وانا مبحبش النغم وهدفي واضح متقلقش هعرف أفرّق بين المايسترو ..... والكلاون"
انهي كلامه بغمزه تلاها لحظة صمت قصيره نظرا لبعضهم وكأن المعنى انكشف دون أن يُقال كله سفيان ينظر لطارق نظرة إعجاب غير معلنة ثم يغيّر الجو ضاحكًا
"يا خويا تعالي نخرج من الجو دا ونروح ناكل حاجة؟ عشان نشحن تاني ومنهييسش"
ليقول طارق ضاحكًا "منهييسش ؟ متاكد انك مش مصري ؟يلا أنا كمان جعان"
لاحظ ميشيل حركتهم للخارج وهو يقف أمام المعمل وقد سمع اخر حديثهم ليرد بابتسامة متحفظة وهو يري تحركهم تجاه الكافتيريا
“Bon appétit, gentlemen.”
"بالهناء يا سادة."
ورحلا دون النظر له
دون أن يلاحظوا نظراته الماكره التي تلتهم ظهورهم
جلس طارق في الكافتيريا الصغيرة المطلة على ساحة الجامعة، يراقب بخياله المندفع وجوه الطلبة هنا وهناك يتأمل اختلاف الألسن والملامح والأزياء وكأن كل واحدٍ يحمل معه وطنًا كاملاً في عينيه وعن يساره جلس سفيان الذي بدا وكأنه يعرف المكان جيدًا رغم بساطة حضوره ليقطع الصمت طارق بفضول
"بقولك يا سفيان… إيه النظام هنا؟ يعني الدنيا ماشية إزاي؟ حسيت كده إن في توتر شوية… خصوصًا بينك وبين ميشيل؟"
ضحك سفيان ضحكة خفيفة وغمزة
"إنت صح… ميشيل ده حكاية لوحده إحنا مش طايقين بعض من أول يوم هو شايف نفسه فوق الكل وأنا مش بسكت على الغلط"
ليتحدث طارق باهتمام
"بس شكله جامد… يعني باين إنه واصل."
ليأتيه الرد بجدية وهدوء
"جامد بس مش نظيف بيشتغل شغل مش ولا بد زي مابتقولوها في مصر والناس هنا ساكتين عشان بيستفيدوا منه بس أنا.... أنا مش من النوع اللي اقبل الظلم ولا أبيع ضميري عشان فرصة."
شرد في اخر كلماته كأن الذكري تشتته ثم بابتسامة مليئه بالدفء تابع سفيان
"إنت شكلك ابن أصول… ونظيف من جواك وواضح معدنك طيب بس خلّي بالك طيبتك دي ممكن تدمرك لو ما كنتش صاحي أوعى تدي ثقتك بسرعة… وخصوصًا لميشيل."
سكت طارق لحظة وقد لمعت عيناه بالقلق رجفة الصدق الواضحة والتى لاحظها في بحته وقال باستغراب وهو بيحاول يفهم
"ليه بتقول كده؟ وإنت إيه يخليك تنبهني؟" تأمله هنيه ثم عاد يتابع "مكنتش متخيل ألاقي حد يقولي الكلام ده وأنا لسه جديد وينبهني ...خاصه وانا مش مرتاح فعلا للشخص دا "
تنهّد سفيان وفرك كفّيه معا وقال بنبرة هادئة استشف طارق منها وجعا عميقا
"بص أنا مش هقدر أقولك كل حاجة دلوقتي مش علشان مش عايزك تعرف لأ... بس علشان في حاجات مينفعش تتقال مرّة واحدة الحكايات الكبيرة يا طارق بتتقال على مراحل... زي العلاج بتاخده جرعة جرعة علشان جسمك يستوعب... وإنت في وضعك ده عقلك مش هيستحمل كل حاجه مرة واحدة"
سكون وقد لاحظ سفيان إمارات القلق تزداد فى بؤبؤي رفيقه الجديد ليأتيه الدعم من بصدق
"بس خليني أقولك اللي أهم من أي تفاصيل دلوقتي… لو احتجت أي حاجة أنا في ظهرك يا طارق إحنا عرب أصلنا واحد والدم ما يهونش هبقي في ضهرك من اللحظة دي ... مش شفقة ولا علشان مصلحة بس إحنا اللي الاتنين...بقينا فنفس المركب."
"نفس المركب؟" همسه فلتت من شفتي طارق بصدمه وكأنهم يتأهبون لحرب لايعلم عنها شيئا ابتسم سفيان ابتسامة حزينة وتابع يوضح له القليل
"أيوه إحنا الاتنين عرب جايين من بلاد موجوعة إحنا الاتنين واقفين على أرض مش بتاعتنا وسط ناس مش زينا هنا فيه صهاينة وفيه ناس فقدت الرحمة وفيه اللي شايف إن الإنسان العربي لازم يفضل تحت... لكن لأ مش طول ما أنا موجود مش طول ما إحنا في ضهر بعض."
اقترب منه ومد يده بلُطف يربت على كتف طارق
"إحنا هنا محتاجين لبعض خليك مفتّح وخلّي بالك ومتخليش الخوف يعزلك أنا مش بقولك تثق فيّا فورًا بس صدقني... أنا آخر حد ممكن يئذي مخلوق بدون وجه حق خصوصًا لو عربي زيي و عنده فكره هتنقل علم كبير لبلاده."
ابتلع لعابه واكمل بصوت أهدى وهو يلاحظ سكون طارق الغريب
"اعتبرني أخوك ....اعتبرني اخوك فعلاً وقت ما تحتاجني هتلاقيني ووقت ما تبص وراك هكون واقف حتى لو معرفتش كل حاجة دلوقتي هتعرف... واحدة واحدة مسيرك هتعرف."
لم يجيبه طارق فورا فقط شعور غريب بالأمان والألفة احتاجه تجاه سفيان ثم بهدوء تغلغل الكلام بهمس منه
"الوقت كفيل يظهر كل حاجه."
هزّ سفيان راسه وقال بثقة
"عارف... متبقاش مستعجل وافتكر أنا هنا ....علطول."
لم يكن طارق يعلم أن تلك الكلمات ستترسخ في ذاكرته كجذور نخلة عربية في أرض غريبة من تلك اللحظة نشأت بينه وبين سفيان رابطة لا تُشترى ولا تُصطنع رابطه نمت من صدق الخوف والنية الطيبة ساد الصمت بينهم يعظم ولاده تلاحمهم في أرض بعيدة وفي ظلال حرب خفية وحدتهم تتأهب لإشعال اول شمعه في طريقٍ مظلم لم ينجو منه الكثير وفي ذات الوقت كان ميشيل من بعيد يراقبهما وبذور خطة خبيثة بدأت تنبت في رأسه.... تُرى هل ينجو طارق وسفيان منه ؟
..............................
وقف في شرفه غرفته فى ذلك الفندق الذي حجز به فور وصوله لاسوان شرد فيما حدث قبل ساعات من وجوده هنا
فلاش باك
امسك يدها وسحبها خلفه اركبها سيارته واطمئن أنها هدأت ثم جلس خلف مقود السيارة تنهد محررا اولى ازرار قميصه ثم دقق النظر بها شرد في حزنها كان هناك اثر لخطين من الدمع علي وجنتيها ملطخا اياهما بالكحل و تلك النظرات
لما كل هذا الالم ....ما الذي حدث مع تلك الطفله .....هل يسألها الان ؟ يعلم أن مامرت به ليس هينا ابدا فلا يوجد عروس بهذه الحاله وتكون بخير ابدا رغم اختلاف الأسباب حولها
تنهد معيدا نظره أمامه للطريق وفتح نافذته وأخرج سيجار بحث عن ولاعته فلم يجدها كاد يترجل من السياره ليحضر أخري فالتقطت أذنيه همسها
" ممكن متولعهاش .... بيجيلي كتمه فصدري لما بشم ريحتها وممكن اتخنق ....لو سمحت"
التفت اليها فوجدها تحدق بوجهه والخجل يرتسم علي وجهها ورمي سيجاره أمامه واعتدل لها وسألها مباشره
" هتروحي فين دلوقتي عشان اوصلك ؟ "
نظرت حولها ثم الطريق وفرت دمعه من عينيها
تعلم ما الذي ينتظرها أن عادت لبلدتها تعرف جيدا كيف يفكرون فيها ان ظهرت أمامهم لكن ما باليد حيله لم يكن أمامها حل سوا العوده لبيت ابيها
بنظرات مشتته تطلعت اليه فقرأ الحيره والضياع بها جيدا ولم يعلم ما سر الانقباضه التي شعر بها قلبه تملك منه الغضب من اجلها ضغط علي يديه وحاول أن يمتص خوفها وضياعها
" أنا ممكن احجزلك فاي فندق او تيجي عندي الشقه "
استنكرت ملامحها وتحول الضياع فجاه إلى غضب عارم فالتقط بسرعه ما وصل لعقلها فأسرع مبررا بخبث
" كده كده انتي قدام الكل عروستي اللي انا خليتها تعيط ... وغير كده والدتي موجوده ومعاها اختي كمان ولو عايزه ممكن اخليكي تكلميها بنفسك وتستقبلك قبل ما تدخلي عشان تطمني لحد ما تشوفي هتعملي اي "
تحولت عيونها للضياع مجددا وهي تبعد عينيها عنه تنظر للظلام خارج السياره وأجابت
" لو بجد هتقدر تساعدني.... وديني اي مكان اركب منه لاسوان "
صدمه كل ما شعر به في هذه اللحظه هي الصدمه توسعت عيناه بشده وعقله يتساءل هل هربت حقا من اسوان للاسكندريه ام هربت من عرس هنا وتريد العوده لأهلها ....اسوان؟ هل قالت اسوان ؟ ..... الصعيد .....
يعلم جيدا أن بفعلتها التي صورها له عقله تلك قد تصل للقتل هو يعلم أن الصعيد لا يتنازلون عن أمر الشرف وهذا هو لب الشرف لهم نظر لها مليا ثم قطع حبل أفكاره وهو يستعد للانطلاق بالسياره قائلا بلهجه قاطعه
" هنروح عندي البيت الاول اغير هدومي و تغيري الفستان دا واخد اختي عشان تبقي معاكي فالطريق وتطمني واوصلك مكان ما تحبي "
حاولت معارضته فنظر إليها نظره صارمه فابتلعت ما بجوفها ونظرت للنافذه جانبها وتركت العنان لدموعها لاحظها هو وضغط بيديه علي عجله القياده بغضب شديد وانزل لها النافذه قليلا ليهدئها الهواء البارد فثقل الم رأسها واغمضت عيونها ولم تشعر بنفسها الا وهي سابحه في الظلام
كان يراقبها كل لحظه ويتساءل ماالذي حدث لتلك الملاك ؟ وما هي حكايتها ؟ أعاد غلق النافذه ونظر الطريق بإصرار وعقد العزم علي أن يعرف ما تخبئه بجعبتها
وصل إلي بيته فى إحدى الاحياء الراقيه هاتف والدته وطلب ان تستقبله خرجت السيده عائشه مهروله بفزع له احاطها بذراعيه وضمها له وهو يطمئنها أنه بخير وسرد لها ما حدث باختصار شديد فتساءلت
" طب وهى فين دلوقتي" تنهد مجددا
"فالعربيه عايزك تيجي تصحيها ياامي البنت شكلها علي آخرها اصلا ولو انا صحيتها ممكن تنهار او تفهم غلط وانا مش عايزها تقلق مني عشان اقدر اساعدها واوصلها لبيتها "
نظرت له أمه بحنان ورتبت علي كتفه
" ربنا يبارك فيك يا بني ويوقفلك ولاد الحلال دايما ويجازيك على اللى بتعمله خير يارب .... اسمها اي طيب "
أنصدم من السؤال وتوتر بشده موبخا نفسه
كيف نسي أن يعرف اسمها ؟ كيف يساعدها وهو لم يعرف حتي اسمها ؟ حسنا لم يفت الأمر بعد ...مازالت هنا هكذا صبر نفسه علي سهوته
تفهمت السيده عائشه ابنها وتقدمت من السياره وفتحت الباب بهدوء ووقفت تنظر لوجه الفتاه أمامها فرق قلبها لها وبداخلها تتحسر عليها (ياتري اى حصلك يابنتي وخلاكي بالشكل دا ) تحمحمت واقتربت اكتر وأخذت تربت بهدوء على كتفها خوفا ان تفزعها وهى تتأمل ملامحها الصغيره
وهى تهمس لها " يابنتي .... ياحبيبتي اصحي يلا "
كانت مزن تسبح في ماحدث لها فى خيالها وبدأ تنفسها يثقل حتى لحظه اصطدامها بالسياره فشهقت وفتحت أعينها علي وسعهما وهى تصرخ بخوف
انفزعت عائشه مما حدث وحاولت تهدئتها بصوتها الحنون وهي تحاول أن تملس علي رأسها بهدوء
" بسم الله عليكي يا بنتي اهدي اهدي يا حبيبتي انا مش هأذيكي اهدي واستغفري"
نظرت لها مزن و اخذت تدور بعينها في الانحاء تستعلم مكانها
وقعت عيناها علي نظراته القلقه ... هي الآن معه هذا جعل شعورا خبيثا بالأمان يندفع في أوردتها حادت بعينيها للسيده التى تملس علي رأسها وتقرا آيات من القران لها لتهدا غصبت علي نفسها ابتسامه بسيطه ظهرت محمله بالخجل والألم
" اسفه .... مقصدش انا بس ....انا بس....."
لا تعلم ما يتوجب عليها قوله فصمتت
تفهمت عائشه وأجابت عنها بحنان
" طب يلا الاكل هيبرد علي ما تغيري هدومك يكون محطوط عالسفره "
ابتسمت مزن لها وترجلت من السياره وهى تتمسك بيدها تحت أنظار زيدان الذي كان يتابع كل ما حدث بتركيز.
عوده الوقت الحاضر
استمع لصوت اخته الصغري نوراي خلفه تنبهه على هاتفه الذي يصدح فالارجاء التقط الهاتف منها مجيبا
" السلام عليكم...."
وما تلاه كان الصمت فقط أحدهم يتنفس كاد أن يغلق الهاتف فوصله نهنهات ناعمه واحدهم يحاول التحكم في بكائه
ضغط الهاتف علي أذنه وهو يبتلع ريقه فقد تعرف عليها وظل يحاول أن يتحكم في طاقات ألمه من بكائها ولا يعرف لما يؤلمه هذا نطق اسمها " مزن "
قيل ان القشه قد تقسم ظهر البعير فها هى الان تنهار فالبكاء ولا تستطيع التحكم في شهقاتها حاولت التحدث وكل ما ظهر منها قد أجج حمما في صدره
" تعال خدنى من هنا رجعنى تايهه تانى مش عايزه اعيش هنا خدنى أرميني بره ارجوك هعيش خدامه بس معيش هنا لحظه تاني .... تعالى خدنى طلعنى بره ابوس ايدك ما تردنى انت قولتلى لو احتاجتك اكلمك واهه انا بكلمك هربني اوعدك هختفي من طريقك والله مش هخليك تلمحني بس خدني من هنا"
انهارت باكيه وافترشت الأرض أسفلها ظل يصرخ باسمها حتى تجيبه فجاه وصل إليه صوت رجلا
" يابيه معاك مسعود الغفير الست مجدراش تتحدت وياك "
اجابه بلهفه وسرعه وهو يتحرك خارج الفندق المقيم به تاركا أخته التى تتابع كل ما يحدث بخوف
" انتو فين يا مسعود انت فين بالظبط "
املاه العنوان وطلب منه أن يظل معها ريثما يأتي فهو جوارهم لم تمر الخمس دقائق حتي رأها تبكي بحرقه وتضم قدمها لهاوعيونها زائغه في اللاشئ هاله منظرها واقترب منها برويه وهو يناديها
جلس أمامها علي ركبتيه والقلق يعصف به
" مزن ... مزن اي حصل ..... اهدي انا هنا وهعمل اللى عايزاه بس كفايه بكا وبصيلي ...... مزن انا جمبك اهه أهدى واحكيلي اى حصل وانا هعمل اللى يرضيكي "
رفعت انظارها له حتى استوعبت أنه هنا الان مسحت دموعها وتمسكت بيديه مترجيه
" انا مش عايزه اعيش هنا رجعنى مكان ما اخدتنى وانا هختفي من طريقك والله بس مشيني"
تجاهل شراره الكهرباء التى اصابته بشده من رعشه يدها وساعدها على النهوض دون أن ينبث ببنت شفه وقادها صوب سيارته وما أن اطمئن عليها عاد بسرعه صوب مسعود وتبادلوا بعض الحديث الذي لم تسمع منه شيئا فقط رأته يضع مبلغا من المال في كفه ثم عاد إليها بوجه مكفهر
اسرع بالقياده تجاه الفندق وهو يتواصل مع أخته ان تجهز بأشيائهم وبمجرد وصولهم نظرت نوراي لأخيها وعلمت أن الوضع لا يتحمل اى اسئله وانصاعت لنظرته حيث أشار لها أن تركب معها بالخلف وبدؤوا طريق العوده للاسكندريه.
...........................
السكون يلف أروقة المستشفى لا يُسمَع سوى همسات الأطباء، وصفير أجهزة المراقبة يقطع الصمت بنغمة متقطعة
في إحدى الغرف، جسدٌ ممدد ملتفاً بالأجهزة ، ملامحه شاحبة، والدماء التى جفّت قد أُزيلت أنفاسه تتردد بين الحياة والموت فقد نُقل إلى هذه المستشفى الصغيره في حالة حرجة
بينما فالخارج وقف شابان في أواخر العشرينات بملامح قلقه مرهقة، وملابسهما متسخه بدمائه يحملان فوقةاعناقهم اصابته
قال الأول بصوت خافت مختنق
"أنا مش مرتاح يا كريم... مش قادر أمشي واسيب الراجل كده شكله محترم ... ما ينفعش نسيبه كده... ده مفيش معاه بطاقة و الموبايل الوحيد اتدغدغ."
تنهّد كريم واخذ يمرر يده في شعره
"أنا قلبي واجعني... بس نعمل إيه؟ ما إحنا لازم هنمشي الصبح متنساش لازم نسلم الشغل وبعدين إحنا لسه عارفينه من ساعتين وزى ماقلت لا بطاقة ولا تليفون ... حتى شنطته مافيهاش غير ورق شغل وكام حاجة بسيطة."
نظر الآخر الذي يدعي ايهاب في الأرض ثم رفع رأسه فجأة
"استنى... أنا شوفت اسمه في ورقة من الورق اللي كان شايله... اسمه عز الدين التولى... وكان فيه حاجة كده عليها ختم نقابة المهندسين ....تفتكر دا تبعه والا امانه ودا مش اسمه اصلا ؟"
اتسعت عينا كريم بدهشة وهو يتمتم
"عز الدين التولى؟استنى بس الاسم ده مش غريب عليا أنا شفت اسمه قبل كده على مشروع كبير من شهور كان هو اللى عمله فإسكندرية ..دا مهندس كبير عنده مكاتب ومشاريع باسمه في أكتر من حتة "
خيّم صمت ثقيل بينهما للحظه قبل أن يقطعه ايهاب قائلا
"دا معناه أنه ممكن يبقي من اسكندريه .... خلينا ناخده معانا واهو نشوف أهله هناك "
مر ممرضٌ امامهم فاستوقفه كريم سائلا بارتباك
"لو سمحت... المهندس اللي جاي من الحادث أخباره إيه؟"
اجابه الممرض بنبرة محايدة
"حالته شبه مستقرة... فيه كسر في القفص الصدري ونزيف داخلي بس نصيحه ياجماعه المستشفى هنا صغيره وهو محتاج يتنقل لمكان فيه رعاية افضل"
وكما أتى رحل ..... تجمدت ملامحهم بصدمه فتنهد ايهاب وهو يجلس على مقعد بلاستيكي يمرر كفيه فوق وجهه من الإرهاق
"ادي شغل إسكندرية طار ... مش عارف ....بس إزاي نكمل وإحنا سايبينه؟ تخيل لو أخوك أو أبوك..." سكت ثم رمق صاحبه بنظرة عميقة رغم الحزم بنبرته
"هننقله معانا ....إحنا كده كده رايحين إسكندرية والمستشفيات هناك أحسن هنطلب من المستشفى ينقلوه...ونتابع حالته هناك لحد ما نعرفله أهل .....بس لازم نتحرّك بسرعة قبل ما يحصل حاجة لا قدّر الله إحنا اللي لقيناه وإحنا اللي لازم نكمل معاه."
اقتربا من النافذه نظر أحدهما إلى وجه عز الذي شحبَ كأنه حمل كل الأحمال وحده
بينما قال كريم بصوت مشوش بالعطف
"ربنا بس يعلم كان رايح فين بس باين عليه طيب قوي ووشه بشوش."
مزيج من المروءة والنخوة جعلتهم يقفون على أعتاب مسئولية لم يختاروها لكنها فرضت نفسها في لحظة وارتبطت بقلبيهما كأخوة لم يلتقوا من قبل ورغم أنهم لا يعرفونه كان في قسماتهم ما يكفي ليجعلهم يشعرون وكأنهم يعرفونه منذ زمن قطع كريم لحظتهم قائلا
"أنا هروح أكلم المستشفى واشوف مصاريف النقل."
ومع آخر جملة كانت نظراتهما تتجه إلى سرير عز كأنهما يمنحانه دفئا من نوعٍ نادر لا يرتبط بالدم.....فقط بالإنسانية.
بعد مرور ساعتين غادرت سيارة الإسعاف أبواب المستشفى الصغيرة في أطراف الطريق الصحراوي تتهادى بثقلٍ مَهيب تحت وطأة جُرحٍ لا يعرف أحدٌ من أيّ عمقٍ نزف
الصمت في سيارة الإسعاف أثقل من صافرتها بينما كان وجه عز لايزال شاحبًا،جسدهُ يترنح ما بين الغيبوبة والوعي يتشبث بخيط رفيع من الحياة موصولٌ بأسلاكٍ بينما أنين الأجهزة الطبية يرتفع ويهبط في محاولة يائسة للإمساك بدقات قلبه المتعبة تُصارع لأجله وكأنها تترجّى الحياة
كان الشابان يجلسان في المقاعد الجانبيه متوترَين، تتقافز نظراتُهما بين وجه المسعف وشاشة ضربات القلب ...... لم يعرفاه لم يُشاهدا وجهه قبل هذا اليوم ومع ذلك تشبث قلباهما به وكأن بينه وبينهما عِشرة سنين.
قال كريم وهو ينظر لانتظام أنفاسه
"يا ربّ يا كريم... أنا لسه مش مستوعب هو إزاي قلبنا موجوع عليه كده؟"
أجابه ايهاب وعيناه على جبين عز المُضمد
"منظره مايتنسيش... والا وهو بيقول اسم بنته اخر نفس... حسيت إنه بيودّع خلاص.". سكت للحظة ثم تمتم بنبرة مُنكسرة
"شكله بني آدم أصيل... ورغم أنه معرفناش ربنا حطنا فطريقه."
ردّ صديقه كريم الذي لم يُزِح عينيه عن وجه عز منذ صعدوا
"واللهِ ما طاوعني قلبي أسيبه… هو قال مزن بنتى… يعنى عنده بنات .... تفتكر عاملين اى دلوقتى."
أردف ايهاب بصوت متهدج
"يا كريم دا لو كان أبويا أنا كنت اتجننت عليه تخيل لو بنت من بناته بتدور عليه دلوقتي؟"
تنهد كريم وهو ينظر من زجاج النافذة إلى السكون الممتد على الطريق
"إحنا قلنا للمستشفى تحوله على خاص فى إسكندرية… ربنا يكرمنا ويوصل بخير."
عندها ارتج جسد عز على حين غفله وكأنّ ألمًا مرّ في عروقه انحنى ايهاب عليه سريعًا و أمسك بيده قليلًا هامساً بخوف
"اصبر بس… خليك معانا يا عم عز زى إحنا معاك لحد ما تقوم تانى على رجلك."
ارتجّت سيارة الإسعاف قليلًا لكن سرعان ما استقرت وظهر لوح على جانبي الطريق "أهلاً بكم في مدينه الإسكندرية." تنفسا الصعداء فابتسم ايهاب بارتياح وقال "وصلنا… باقي خطوة يا بطل .... ربنا كبير." سرت لحظة صمت لا يُسمع فيها إلا ضوضاء الطريق الممتد وصفير الرياح يضرب نوافذ السيارة
وصلت سيارة الإسعاف إلى مشفى خاص في الإسكندرية، وما إن دخلوا حتى وقف ايهاب أمام موظف الاستقبال يمسك عده اوراق
«لو سمحت إحنا مع الحالة دى اسمه عز الدين سالم التولي، لقيناه عامل حادث على الطريق الصحراوي، وكانت حالته حرجة جدًا... نقلناه على مستشفي عالطريق الاول وبعدين انتقل للرعايه ومحتاجين تتابعوا حالته هنا».
سأل الموظف بهدوء مهني «قرابة حضرتكوا ليه؟»
تبادل الشابان النظرات لحظة ثم قال كريم بثقة
«مفيش قرابة بس إحنا المسؤولين عنه دلوقتي لحد ما نعرف أهله... وده رقمنا أي حاجة تحصل إحنا موجودين».
ثم مد الآخر بطاقة صغيرة كانوا قد وجدها مطوية في سترته
«ده الكارت الوحيد اللي لقيناه ... مكتوب إنه مهندس معماري ... بس غير كده ما نعرفش عنه حاجة».
قال الموظف وهو يدوّن المعلومات
«ربنا يجازيكم خير إن شاء الله نبلّغكم بأي جديد هو هيدخل دلوقتي وهنعمل اللازم.»
في تلك اللحظة وقف الشابان عند الباب الزجاجي ينظران إليه بعينين فيهما قلق غريب لرجل لا يعرفونه بدا كأنهما أخذا عهدًا لا يُنقض أن يكملا الطريق معه حتى تعود إليه عافيته، أو يصل صوت الغائب إلى من يحبّه.
قال كريم وهو يهمّ بالخروج «الغريب ساعات يبقى أوجع من القريب... ربنا يقومه بالسلامة يا رب».
رد ايهاب وهو يضع يده على كتفه «ويفرّجها على اللي ما لوش حد».
...........................
بعد تناول الشاى معا في صالة البيت والهدوء يكسو الأجواء بخبث يتخلله بعض القلق تحركت الكراسي وانسحب مصعب الي ركنه المعتاد وقف أمير ينظر إثره بثبات بينما استمع لصوت خالد يهمس وهو يعدل من وضع نظارته
"مصعب مالوش مزاج ياكل بقاله يومين دا حتى ما لمسهوش"
مسحت ناديه الطاولة بقطعه قماش باليه وهي تنظر تجاه اختفاء مصعب وقالت بخفوت
"بقاله كام يوم كده فعلا بينام كتير وساعات يصحى منفعل... مش مرتاحاله."
كان أمير يستمع لهم في صمت داخله قلق أخذ يتصاعد هناك شيئا غير صحيح في اخاه
قال أمير وهو بقترب منهما محاولا اخفاء قلقه
"أنا هتابعه...متقلقوش يمكن بيمر بحاجة بسيطة وميحبش يقول"
زفر خالد طويلا
"خلي بالك يا أمير لو في حاجة لازم نعرف الولد متغير خالص."
أومأ أمير براسه وقال بنبرة واضحه
"هعرف ولو في حاجة مش هسيبه لوحده اكيد وهبلغكم."
نظرت له ناديه بامتنان رغم قلقها علي صغيرها بينما سار امير تجاه غرفته وفي طريقه توقف ناظرا الي باب غرفه أخيه وشعر بانقباضه صدره وصوت عقله بألف سيناريو بدأ يعلو والخوف كل الخوف بدأ ينبش قلبه همس لنفسه قاطعا وعداً ومازال علي وقفته
"هعرف إيه اللي جواك حتى لو هو مش قادر تقوله... هفضل جنبك من غير ما تحس إني بحاصرك."
خرج أمير من البيت فجاه كان عقله يدور في دوامةٍ من الشك والتوجس خطواته ثقيلة
وفجأة لمح مصعب يخرج من زقاق جانبي يسير على عجل يلتفت حوله كأنما يتحسس الخطر أو يهرب من شيءٍ ما تسارعت دقات قلب أمير وتجمد في مكانه لحظة ثم أخذ يسير وراءه في حذر كأنما خُلق في تلك اللحظة ظلًّا خفيًا لأخيه.
كان الشارع خاليًا إلا من بعض المارة وضوء الشمس يغمر الأرصفة الباهتة تتبع أمير خطوات مصعب بحذر يبقي مسافةً كافية بينهما يتحاشى أن يلمحه أو يسمع وقع أقدامه.
دخل مصعب إلى ممرٍ ضيق بين بنايتين فتسلّل أمير وراءه بخطى محايدة وبعد دقائق رآه يقف أمام باب خشبي يطرقه عده طرقات سريعه ثم يفتح له أحدهم الباب ويغلقه سريعًا
تسمر أمير مكانه يحدق في الباب المغلق يحاول أن يستوعب ما يجري وفجأة… رن هاتفه واهتز قلب أمير مع كل ذبذبة
أخرج الهاتف بسرعة وهو يضغط على زرّ الكتم بلا جدوى نظر إلى الشاشة وجده والده تنهد بغيظ داخلي ثم فتح الخط تنحنح وهو يرد"السلام عليكم أيوه يا بابا."
جاءه صوت الأب حازمًا بعض الشيء. بعدما رد السلام
"انت فين يا أمير؟ بقالنا ساعة مستنيينك وأمك قلبها وقع لما نزلت فجاه بدون ما تقول"
حاول أمير أن يضبط نبرة صوته
"كنت في مشوار كده جه علي غفله جمب البيت هارجع دلوقتي."
انهي حديثه وقد تعجله والده بالعوده
"طب بسرعة يا أمير أمك مش هتهدى غير لما تطمنها يابني."
أغلق الخط دون أن يشرح أكثر لكنه لم يغلق القلق الذي تمكن من قلبه التفت مرة أخيرة ناحية العمارة التي ضمت مصعب كان قد اختفى ضغط على أسنانه وتمتم
"أنا مش هسيبك الا لما اعرف اى وراك يا مصعب شكلها مصيبه."
تنهد بقوه ثم التفت عائدا أدراجه إلى للمنزل رأسه مليء بالأسئلة والخوف يشد أنفاسه
مجرد ان دلف البيت وجد والده جالسًا في الصالة ينظر إليه بشيء من الريبة ووالدته واقفة آثار القلق واضحه
"أمير ...يا حبيبي إنت كنت فين؟ قلقتنا عليك"
اقترب منها واحتضنها بحنان وقال بصوت هادئ حنون
"حقك عليا يا ماما… كان حاجه مستعجله بس"
نظر إليه خالد بنظرة استجواب غير مباشرة بفعل قلقه علي مصعب "في حاجه حصلت؟"
"ولا حاجة يا بابا… كنت بتكلم مع واحد صاحبي وخرجنا مشوار صغير كده مكنش ينفع أسيبه."
رمق الأب ابنه بنظرة شك لكن لم يُلحّ في السؤال بينما الأم لا تزال تناظره وترى بعينيه كذبه
دخل أمير غرفته بعد دقائق أغلق الباب جلس على طرف السرير وهو يخرج الهاتف من جيبه قلب في الصور التى التقطها و الفيديو القصير الذي سجّله وهو يري مصعب داخل الحارة الضيقة يسلم على شاب مريب الشكل وضع يده على جبينه وهو يتمتم
"ياتري وراك اي يا مصعب لا ماما هتستحمل صدمة ولا بابا كمان"
مر وقتاً و عم السكون ورغم ذلك كان القلق يخيم على المكان لا يُسمع إلا صوت عقارب الساعة يطرق في صدر الليل
جلس أمير في الصالة مستندًا إلى الأريكة عيناه لا تفارقان الباب وكالذي ينتظر شيئًا او من ينتظر عودة غائبٍ الجميع دلفوا للنوم لكن هو... لا يستطيع وقد بدأ القرار يتشكل في ذهنه..... لن يصارح أحدًا الآن لكن ما رآه ولا يمكن تجاهله عليه أن يعرف… ما الذي يخفيه مصعب؟ ومن كان وراء ذلك الباب؟همس لنفسه وهو يحدق في الفراغ " قلبي مش متطمن."
وفجأة...استمع لصوت المفتاح في الباب ارتفعت أنفاس أمير ثم نهض بسرعة دخل مصعب مترنحًا وجهه شاحب عيناه زائغتان كأنهما لا تبصران أغلق الباب خلفه بصعوبة كأن الهواء نفسه يثقل على صدره قال أمير بصوت متماسك وهو يري حال أخيه ويمعن النظر فيه. "كنت فين يا مصعب؟"
رفع مصعب رأسه بتكاسل وقال وهو يمضي للداخل
"كنت بتمشّى شوية... وخرجت مع أصحابي."
اقترب منه أمير وتبدلت نبرته إلى الغضب
"صحابك مين؟ صحابك دول ما نعرفهمش ؟ اختفِيت معاهم طول اليوم وما حدّش عارفلك طريق؟"
التفت مصعب له بعنف وقال بانفعال
"مالك يا أمير؟ هو أنا صغير؟ ولازم أقولكم على كل حركة؟ بطّلوا خنقة بقى"
صدمه حلت علي وجه امير لكنه تداركها مجددا و أمسكه من ذراعه بقوة قائلا
"أنا ما بخنقكش أنا خايف عليك... انت مش شايف نفسك؟ باين عليك إنك .... انك ... كنت فيييين؟"
لم يستطع نطقها كل ما أمامه يدعوه أن يصدق أن أخاه اتخذ طريق الموت بقدمه وبمحض إرادته لكنه لم يستطع يقسم أن قلبه يتألم وهو يراه بتلك الحاله من عدم التوازن والتيه
صرخ مصعب فجأة
"سيبني بقى سيبني مش ناقص محاضرات"
في تلك اللحظة انفتح باب غرفة النوم وخرجت ناديه ترتدي مئزرها على عجل ووجهها يتملكه الرعب
"في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟"
قال أمير بسرعة "مافيش يا ماما مصعب بس..."
قاطعهم مصعب بصوت مرتفع ومكسور
"مفيش حاجة سيبوني في حالي كلكم عايزين تحبسوني أنا اختنقت"
اندفع إلى غرفته وأغلق الباب بعنف ثم بدأ بتكسير كل ما يصادفه... الأشياء تتحطم... الأدراج تُسحب ... الكراسي تُرمى ...زجاج يُكسر بينما بالخارج وقفت ناديه مذهوله مما يحدث وضعت يدها على فمها لا تصدق ما يحدث
"مصعب .... مصعب افتح الباب دا ... انت بتعمل إيه؟"
اقترب أمير من الباب وبدأ يطرقه بقوة
"مصعب افتح ....افتح يا مصعب بتعمل كده ليه؟ انا معاك متخافش "
وفي اللحظة التالية استيقظ خالد على تلك الفوضى تحرك بكرسيه من الغرفة فزعًا عيناه نصف مفتوحتين يرتجف من الخوف. "في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟"
قالت الأم بصوت مرتجف وقد بدأت دموعها تترقرق في عينها
"مش عارفين مصعب قافل على نفسه وبيكسر كل حاجة..."
تحرك بسرعه قدرما استطاع نحو الباب حاول فتحه فكان مغلقًا من الداخل صرخ أمير وقد ارتعب علي أخيه
"افتح يا مصعب بالله عليك كفاية"
كانت ضي تقف عند باب غرفتها ترتجف وتبكي بصمت خائفه وهي تنادي بصوت هامس "مصعب "
بينما مصعب من الداخل يتنفس وروحه تنهار يهمس لنفسه بصوت لا يكاد يُسمع "أنا ضايع... وضيعتها معايا ...ضيعتها ومعرفش اى حصل ..... انا قتلتها" وتلاها سكون
الجميع علي الباب لا يعلمون ما يجب فعله بكت ناديه بشده و كادت أعين خالد تطفر بدموع عجزه بينما امير وقف يضع جبينه على الخشب الباب البارد يُنصت لصرخة أخيه التي شقت صدره
...........................
بعد أيام من التجربة الأولى
أعادت التجربة مرةً بعد مرة... ومع كل تكرار ازدادت النتائج وضوحًا المركب يستهدف بروتينًا معينًا في الخلايا السرطانية يحدّ من تضاعفها ويعيد تنشيط آليات الموت الخلوي الطبيعي
تمتمت د. مارفيل من خلفها باعجابها تنظر للنتائج بعين ثاقبة
" عايزين بقا نتأكد من سلوكه مع باقي بروتينات الجينات المختلفه "
ابتسمت إباء بثقة لتوافق أفكارهم معا
" بدأت بالفعل... وبشتغل على عينات جينية متنوعة."
مرّت ساعات طويلة منذ أن أعادت إباء التجربة بتوسع أدق وتحليل أعمق، مستخدمة نفس المركبات التي ثبتت فعاليتها في المرحلة الأولى وبينما وهي تتابع البيانات والمسارات حدثت مفاجأة ... المركب لم يعمل كما الباقي بل أدى إلى تحفيز مسارات أخرى ضارة وكأنّ الخليه تقاومه أو تُعيد توجيهه وقد لاحت أمامها نتائج غريبة في عيّنة بعينها مؤشّر مختلف مستعصي الفهم يعاكس كل الاستجابات الطبيعية التي رصدتها في بقيّة التجارب
مظهراً أعراض تدهور خفيف ضاقت عيناها وهي تتأمّل البيانات مجددا وتقدّمت خطوة نحو المجهر، ثم همست لنفسها
"إيه ده؟ في حاجة غلط ليه العيّنة دي بالذات مش ماشية زى الباقى؟ ليه الجسم بيرفض المركّب فجأة"
استقامت ثم سحبت العينة لمزيد من التحليل وبدأت تقرأ عن الجين الذي اشتبك مع المركب الجديد ليعكس أثره يبطّل مفعوله
فهمست إباء بحيرة
"دا مش نفس الاستجابة الأولانية ... أنا زودت تركيز المركّب بس مافيش غير تضاد ليه؟ في جين معين أو انزيم بيقاوم العلاج ده بس ليه؟ إيه السبب؟"
سحبت كراسة ملاحظاتها قلبت الصفحات كتبت بخط سريع مرتبك
(ظهور تضاد واضح في الاستجابة داخل العينة رقم ٧ احتمال وجود جين معاكس يجب تحديد نوع الجين ورصد تأثيره التفصيلي) وعادت تهمس "متوقعتش دا " ثم نادت بسرعة
"د مارفيل بصي كده في هنا اختلاف."
اقتربت د. مارفيل نظرت في البيانات ثم قالت
"دا... سئ جدا الجين دا بيغيّر سلوك المركب لازم نبحث في آلية تنظيم الجين"
بدأت اللحظة تتقلّب في قلب إباء ما بين إحباط واكتشاف هذا فتح باب تحدٍ حقيقي يمثل نقطة الانعطاف لشكل اخر في حياه اباء
في تلك الليلة لم تنم قضت الساعات تُراجع كل دراستها أمام الحاسوب تُقلّب ملفات الجينات وتراجع تركيب الخلايا ثم توقفت عند جين واحد… تبحث في قواعد البيانات فتجده مرتبطًا بنمط نادر من الاستجابات المناعية الوراثية وهمست لنفسها
"أهو دا… الجين اللي قلب التجربة .....لو عرفت سبب التداخل هقدر اعيد هندسه المركب في قسم الكيمياء"
في تلك اللحظة شعرت بأن هذا العائق بابًا نحو تحديات أكبر فكل ما كانت تظنه اكتشافًا مفرحًا بدأ يلوّح بوجه معقد مليء بالتداخلات الوراثية ثم تابعت بصوت حزين متحدي
"شكلك مش هتسيبني أفرح بدري بس والله ما هسيب حاجة إلا لما أفهم كل حاجة حتى لو الطريق ده طلع أصعب مما كنت متوقعة"
ثم بدأت من جديد تسير أولى خطواتها في مواجهة التحدي الحقيقي الأول كبداية المعركة وكتبت عبارة في دفترها بخط عريض بلغة عربية "أول العوائق.. أول الطريق."
...........................
اترككم لخيالكم وتوقعاتكم للقادم
دمتم سالمين
#يتبع
#فاطم
ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه
fatma Elabd