شوكة في الخاصرة

شوكة في الخاصرة

24 0

يا من ترى دمعي وتسمع أنيني

يا من بيده الشفاء داوي جراحيني

لا تتركني في بحر حيرتي غريقًا

فأنت ملاذي يا نور عيني

كم من جراحٍ أخفيها بصمتي

وكم من ليالٍ نزفتُ دمعة ألمي

لكن حبك يا ربّي ينير ظلمتي

فاجعل ألمي جسرًا يقرّبني منك

يا من صبرتَ على عتابي وشكواي

وعانيتَ وحشة الدرب معي

أنزل سكينةً تذيب صقيعَ قلبي

وتحول ألمي إلى نورٍ يهديني

كم جرحٍ نزفَ الدماءَ دموعًا

ودعوتُك في الليل يا مفرّجَ الكروب

فإن كنتَ لا تزيلُ الجراحَ فاجعلها

مفاتيحَ نورٍ تُشرق في دربي

واجعل ذكريات الألمِ دعاءً

يطهّر قلبي من غرورِ الخطايا

واجعله شاهدًا على حبّك الدائم

فأنت رجائي وأنت خلاصي يا إلهي

.........................................................

الخيبةُ سكينٍ باردٍ يُغرز في الظهر ببطء

لا يشعر بألمٌ مفاجئٌ فقط يتسللُ وجعه كالسم

يُخدرُ الروحَ قبل أن يُنهيها

كلُّ تلك الثقةُ التي بُنيتْ عاماً بعد عام

تحوّلتْ إلى غبارٍ تحت الأقدام

ربما كانت الصدمةُ الحقيقيةُ ليست في السقوط

بل في اكتشافِ أن اليدَ التي ظننتُها ستُمسكك

هي ذاتُها التي دفعتك نحو الحافة

اما الخذلانُ لايختلف عنه فهو كالخنجرِ المسموم

يُنهي الروحَ قطرةً قطرة كمن يستمتع بعذاب الآخر

فقط كانت مشاعرُكَ أوراقَ خريفٍ جافّةٍ

دعستها أقدامُ مَنْ ظننتَهمْ ظلَّكَ الآمن

فما أقساكَ يا قلب ..... تُنبشُ الذكرياتُ جراحَكَ كلَّ ليلةٍ

فتضحكُ عليكَ أشباحُ الأمسِ

بينما تختنقُ انت بدخانِ الوهمِ الذي صنعتهُ بنفسك.

حتى الدماء التي سالت من جروحك

لم تكُنْ كافيه لتقنعكَ بأنَّ الحبَّ لم يكُنْ سوى كذبةٍ بيضاءَ

نُقشتْ بحروفٍ من ذهبٍ على شاهدِ قبرِ أحلامك.

.........................................................

في غرفة الاجتماعات الزجاجية كانت الأجواء مشحونة جلس طارق على طرف المقعد نظراته مركّزة باتزان وثقه لم يكن يتكلّم كثيرًا فقط يستمع للمعلومة تاركا للفكرة أن تأخذ مداها على الجانب الآخر كانت إباء تمسك بجهازها اللوحي تتنقّل بين الصفحات بينما شيءٌ بداخلها لا يكفّ عن التململ بسبب ما تشعر به

قاطع أفكارها طارق بصوتٍ منخفض يتخلله الدقه العلميه المعتاده

"أنا شوفت التحاليل اللي بعتتيها ولفت نظري التضاد في استجابة بعض الحالات واضح أن الجين بيتفاعل بشكل عكسي."

رفعت إباء عينيها إليه فجأة ثم ابتسمت ابتسامة سريعة وقالت "بالضبط... هو دا اللي شغلني حتى مع توحيد البروتوكول لسه في حالات بيحصل فيها استجابة عكسية."

سكتت لحظة ثم أضافت والقلق يرتسم خفيا على ملامحها

ـ "أنا... محتاجة أفهم تركيب المركبات اللي استخدمتوها تحديدًا عايزه أربط بينها وبين الجين دا يمكن في حاجة غايبة عني."

أومأ طارق برأسه وبحركة هادئة أخرج ملفًا صغيرًا من حقيبته الجلدية

"بصي... دا الجدول اللي اشتغلنا عليه، فيه التركيبات بالنسب الدقيقة ودي الملاحظات اللي سجلناها من التجارب."

ثم نظر في عينيها مباشرة وقال ببساطة عجيبة

"أنا كمان مهتم... أكتر مما كنت متوقّع وعايز نوصل لحل فعّال."

شعرت إباء بشيءٍ يهتز داخلها بفعل طريقته اهتمامه صوته الهادئ الذي يتعامل مع العِلم كأنّه حياة ابتسمت ثانية وقالت بنبرة مُداعبة لتخفي اضطرابها

" حضرتك اتشدّيت للبحث ولا للمناقشات؟"

ضحك طارق بخفوت

"الاتنين بس مبدئيًا... البحث."

تبادلا النظرات لثوانٍ هناك انسجامًا يتشكّل دون إعلان هذه المناقشة رغم ظاهرها العلمي تحمل في طيّاتها أول خيطٍ من ألفةٍ ناعمة. بدأت إباء تشرح بينما تفتح شاشة العرض

"لو ربطنا الاستجابة بالجين دا ممكن نطوّر خط تاني من العلاج يكون موجّه خصيصًا للمرضى اللي عندهم الطفرة بس محتاجين تحليل جزيئي أعمق."

قال طارق وهو يدوّن ملاحظاته سريعًا

"وإحنا نقدر نعمل دا هنا و بصراحة شغلك دقيق وأنا شايف إنه هيفرق."

ابتسمت بخجل وقالت

"متخليش الواحد يحس بالنصر قبل النتائج"

ابتسم طارق بهدوء ثم تحدث بجديّة دافئة

"لما يكون قدامي عقل بالشكل دا... طبيعي أصدّقه."

ظلّت الكلمات معلقة بينهما ... كأن الاثنين وسط كل الحسابات والبيانات وجدا مساحة صغيرة يتنفّسا بها معاً

.........................................................

كانت الشمس تميل للغروب والمقهى الصغير القابع على ناصية الطريق أمام بيت رامي شبه ممتلئ يعجّ بأصوات فناجين الشاي والملاعق وهي تصطكّ بأطراف الكؤوس مع رائحة البنّ الطازج التي تتسلّل مع نسمة المساء الخفيفة جلس الثلاثة على الطاولة المعتادة والتي لطالما احتفظت بذكريات كثيرة من أحاديثهم السابقة

جلس أمير أمامهم عيناه تائهتان في نقطة لا يراها أحد كان عدنان يراقبه بنظرات متفحّصة بينما رامي حاول أن يفتح الحديث بابتسامة فتحدث وهو يعتدل أمامهم

"بقولكوا يا جماعة… أنا كلمت أبويا بخصوص موضوع المطبعة الراجل قال ممكن يساعدنا في العملاء من أولها بدل ما نضيع وقت في التسويق بدون زبون يعني إحنا كده هنختصر مشوار كبير ونبدأ واحنا واقفين على رجلينا"

هزّ أمير رأسه ببطء

"حلو… خطوة كويسة…"

تدخّل عدنان وهو يعدّل جلسته للأمام وقد اومأ برأسه بحماس

"وأنا عليّا التصميمات المبدئيه كلها متقلقوش من الناحية دي وامير يبقي يضيف لمسه من إبداعه ..... يعني من أول الشغل لحد ما نطلع الديزاين جاهز بس المهم نرتب كل حاجة من دلوقتي."

ابتسم أمير ابتسامة باهتة ثم قال بصوت خافت

"تمام… لازم نبدأ نحط خطة واضحة ونشوف إحنا هنعمل إيه بالظبط علشان نبدأ."

تبادل رامي وعدنان النظرات فقد لاحظا أن أمير رغم كلماته كان شارداً يشيح بعينيه عنهم ينظر إلى الشارع وكأنه غائب بجسده الحاضر مال رامي نحوه قليلًا سائلا بقلق

"أمير … إنت معانا؟ إنت كويس؟"

رمش أمير بسرعة وكأنه عاد من مكان بعيد

"آه… معاكم عادي هروح فين يعني "

لاحظ عدنان تشتته وانخفاض نبره صوته عن المعتاد فتمعن به بتركيز سائلا

"فيك إيه يا أمير؟ شكلك مش في المود خالص النهارده."

رفع أمير عينيه بسرعة ثم هز رأسه محاولا الضحك وهو يجيبه

"دا حاجه بسيطه… شوية ضغط وقلة نوم… عادي يعني."

لم يقتنع كل من رامي وعدنان ونظرا لبعضهم نظره عميقه ثم حاول عدنان صرف تفكيره عما يؤرقه بالعمل

"طيب ماشي… بس المهم ما نضيعش وقت إحنا لو بدأنا صح هنكبر صح."

هز أمير رأسه ثم شرد مجددا ولم ينتبه لحديثهم فلمس رامي كتفه وهو يتساءل

" أنت أكيد كويس؟"

عاد من شروده وهو يقول

"آه… تمام ما تشغلش بالك."

ظل الحديث يدور قليلًا حول المشروع لكن تشتّت أمير كان أوضح من أن يُخفى كان يردّ أحيانًا بكلمات مقتضبه وعينيه تهربان من أعينهم حاول رامي أن يواصل الحديث عن المشروع

لكن كل دقيقة كان يجد أمير غائبًا عن الحوار

بعد دقائق من الصمت قال أمير وهو يعود بجسده للخلف ناظرا في ساعه يده

"بقولكم ايه... أنا تعبان شوية ومحتاج أروح أرتاح وآخر الليل نتكلم بقى ونشوف هنتقابل إمتى."

حاول أن يبتسم وهو يقف وأخذ نفسًا عميقًا وقبل أن يستدير نحو الشارع ألقي السلام دون انتظار سماع ردهم عليه ثم سار مبتعدا ظل عدنان ورامي جالسين يراقبانه حتى اختفى عن الأنظار بعدها تنهد رامي وهو يلتفت إلى عدنان وقال بصوت منخفض

"هو ماله كده؟ أنا مش مطمن له."

بينما هزّ الاخر كتفيه دلاله علي جهله بالامر رغم شعوره بالقلق

"معرفش… بس شكله مش طبيعي خالص اكيد في حاجة مضايقاه جامد."

أطرق رامي برأسه ثم قال بجدية

"لازم نعرف إيه الحكاية ولو نقدر نساعده ياعدنان دا مهما كان اخونا وأنا مش مرتاح بصراحه لوضعه دا "

وافقه عدنان بإيماءة بطيئة وعينيه تتابع المكان الذي اختفى فيه أمير وكأن قلقهما أصبح الآن أكبر من أي مشروع أو حلم كانا يتحدثان عنه

صمت الاثنان لحظة وكأن فكرة واحدة عبرت رأسيهما معًا ثم تبادلا نظرة حازمة…لقد قررا أن الأمر لم يعد يحتمل تجاهلاً.

.........................................................

ترك أمير المقهى بخطًى وئيدة يده في جيبه وعيناه تائهتان

والليل يمدّ عباءته على المدينة والهواء البارد يصفع وجهه بخفة

بينما صدره يختنق بلهيب لا يطفئه نسيم

سار في شوارع شبه خالية يراقب الأضواء المتناثرة على الأرصفة تتلاشى واحدةً تلو الأخرى وخواطره تتقافز بلا انتظام وكأن المدينة تتواطأ مع حزنه

كان وجه مصعب حاضرًا بين فكرة وأخرى… لحظات ضعفه كلماته ونظراته التي رآها ولم يستطع انتشاله منها أو حتي نسيانها كل ذلك كان يثقل صدره بشعور من العجز والخوف وكل خطوة يخطوها تقرّبه من حقيقة لا يريدها تدفعه إلى أعماق لا قرار لها

رنّ هاتفه فجأة فقطع تيار أفكاره أخرج هاتفه ببطئ فأشرق على الشاشة اسم لؤي تردّد لحظةً وانقبض قلبه بنذير شؤم ثم ضغط على زر الإجابة

"السلام عليكم .... ايوا يالؤي؟"

جاء صوت لؤي بدون مقدمات مما بث القلق في صدر الاخر

"إنت فين يا أمير؟ أنا محتاجك ضروري… عايزين نتقابل."

تساءل أمير بنبرة قلقة

"خير؟ في حاجة حصلت؟"

"هقولك لما أشوفك… تعالى الكافيه اللي قصاد النادى ...عارفه؟"

"عارفه… ماشي هاجي دلوقتي."

أغلق الخط وزادت خطواته سرعة وقلبه ينبض بإيقاع قلق حين وصل وجد لؤي جالسًا في أقصى ركن منكّس الرأس عيناه تتجنبان النظر المباشر إليه كالغارق في أفكاره

اقترب أمير وجلس مقابله وبعد سلام مقتضب قال وهو يحدّق فيه بنظرة فاحصة يحاول قراءة ما وراء ملامحه

"إيه يا لؤي… قلقتني."

تنفّس لؤي بعمق ثم نظر إلى الطاولة لثوانٍ وكأنه يبحث عن الكلمات قبل أن يرفع عينيه وكأن الأمر يتطلّب منه مجهودًا أكبر من طاقته ارتسمت على وجهه نظرة مترددة وهو يقول

"بص يا أمير… أنا تابعت مصعب زي ما اتفقنا سوا… وبالصدفة عرفت إن أخو صاحبي معاه… وعلطول بيشوفه."

تساءل أمير بنبرة مشدودة "وبعدين؟"

توقف للحظه وأدار بصره نحو الشارع خلف الزجاج وقد كان صمته أطول من اللازم حتى بدأ قلب أمير يدق بعنف وارتفعت أنفاسه دون أن يلاحظ

أخيرًا التفت إليه لؤي وصوته اصبح أهدأ بينما عيناه امتلأتا بأسف ظل يحدّق في أمير لحظات ثم قال بنبرة حزينة كمن يطعن صديقه بكلمة لا مفر منها

"اللي إنت كنت خايف منه… هو الواقع يا أمير."

شحب وجه أمير واتّسعت عيناه بذهولٍ بينما تجمّد كل شيء داخله انقبضت يده ببطء على حافة الطاولة وأنفاسه أصبحت أثقل كأن الكلمات التي سمعها كانت حكمًا عليه بالاعدام حيث أغلقت عليه كل أبواب الخلاص

.........................................................

كانت الغرفة رتيبة وغارقة اضاءتها البيضاء صوت الأجهزة يقطر كنبضٍ منتظم يعلن أن ثمة حياة ما زالت تتشبث بخيطٍ رفيع

بينما تمدّد عز شاحب الوجه وجسده مثقل بأنابيب وأجهزة

وفجأة… رفرفت جفونه ببطء شديد يجاهد ليزيح جفنيه شهقت الممرضة بسعاده حين لاحظت ذلك واقتربت بخطوات مدروسه تراقب ارتعاشة يده فسمعت تنهيدة خرجت من صدره المحبوس وصوته مبحوحًا غريبًا. " آه…"

أسرعت الممرضة تنادي علي الطبيب

" دكتور زياد. دكتور… بسرعة المريض بيفوق "

اندفع زياد إلى الداخل توسعت عيناه لحظة رأى عز يحاول فتح عينيه تقدّم نحوه بسرعة كمن ينتظر هذه اللحظة منذ زمنٍ طويل انحنى بجانبه وصوته ممزوج بالفرح والارتياح

"الحمد لله… عال عال..... فوقنا يا هندسة الحمد لله… اتحسّنا."

فتح عز عينيه ببطء الضوء يؤلمه اغمضها للحظات ثم أعاد فتحها ظل صامتًا يحدّق في السقف يحاول أن يعتاد الضوء ابتلع ريقه بصعوبة ثم همس بصوتٍ متقطّع

" أنا… فين؟"

ابتسم زياد ابتسامة دافئة وهو يتابع علاماته الحيويه

" إنت في المستشفى .... خوفتنا عليك يا هندسه"

رمش عز مرتين ببطء يقاوم الضباب الذي يغلّف ذاكرته حاول أن يرفع يده لكنه عجز فدمعت عيناه من عجزه قبل ألمه تمتم بصوتٍ مبحوح مختنق "بقالي قد اي ؟"

رد عليه د زياد بنفس نبرته الدافئه " اسبوع "

"اسبوع…؟"

ربّت زياد على كتفه برفق

"أيوه و الحمد لله إنك معانا دلوقتي… أهم حاجة إنك عدّيت الخطر"

أغمض عز عينيه فجأة وانزلقت دمعة على وجنته تحشرج صوته وهو يهمس باسمٍ خرج من أعماق صدره

" مزن"

تغيّرت ملامح د زياد عقد حاجبيه بدهشة

"بتقول إيه؟ مين مزن؟"

لم يُجبه عز بل زفر تنهيدة طويلة وكأن الجدار بينه وبين الحياة لم يُهدم بعد فتح عينيه بصعوبة ونظر إلى زياد برجاء يقطر وجعًا

"عايز أخرج… أرجوك… لازم أخرج."

وضع زياد يده فوق يده الموصوله بالمحلول وضغط عليها برفق:

"صعب يا عز… لسه بدري جسمك لسه ضعيف جدًا إنت محتاج وقت… صدقني كل حاجة نفسك فيها هعملهالك بس الأول لازم تكمّل علاجك ونتابع حالتك وتفضل تحت الملاحظه "

أدار عز وجهه قليلًا للجانب يختبئ من عيني زياد وكأن عناده يصرخ من داخله رغم ضعفه ظل يردد بهمسٍ متقطع

" لازم… لازم أخرج."

أما زياد فجلس بجواره لم يتركه لحظة وعيناه تحاولان أن تقرأ ما وراء ذلك الحادث وذلك المزن ..... الاسم الذي أيقظه قبل أن يفيق تمامًا.

حاول عز أن يجمع شتات نفسه بينما زياد امسك بيده يراقب كل حركة في ملامحه ثم قال بهدوء وهو يتفحص عينيه

"طيب قولي يا عز… إنت فاكر إيه من اللي حصل؟"

ابتسم عز ابتسامة باهتة قبل أن يتنهد

" أنا آخر حاجة فاكرها إن في تريلا دخلت قدامي وبعد كده الدنيا اسودت "

سكت لحظة وهو يزفر بوجع

"مش فاكر غير كده."

هزّ زياد رأسه بتفهم وقال بصوت مطمئن

"طبيعي… المخ ممكن يفلتر أحداث كتير وقت الصدمة المهم دلوقتي إنك بخير الحادثة كانت جامدة بس الحمد لله أن ربنا نجّاك"

ظل عز صامتًا عينيه معلقتان بالسقف والدموع تكاد تسيل مرة أخرى ثم قال بصوت هامس

"أسبوع كامل هنا؟ وأنا ماحسّتش بحاجة؟ ياتري حصل اي ؟"

ربّت زياد على كتفه برفق

"جسمك كان محتاج علاج كنا متابعينك ساعة بساعة وانا كنت متأكد إنك هتفوق لأن مينفعش الخير يموت ياعز "

تعجب عز قليلا ولكنه لم يعلق بل نظر إليه بامتنان لكنه سرعان ما أغلق عينيه كأن ثقل الاسم الذي نطقه منذ قليل ما زال يضغط على صدره تمتم من جديد

"بس… لازم أخرج يا دكتور."

ابتسم زياد ابتسامة فيها حزم ورفق

" لأ احنا مش هنضحي بيك لسه بدري ركّز معايا… إنت محتاج علاج ورعاية صدقني لو استعجلت ممكن نضيّع اللي وصلتله فالعلاج"

خرج صوت عز مبحوحًا بالعناد والوجع

" مش فارق معايا… اللي فارق إن مزن محتاجاني"

تأمل زياد ملامحه ارتسم القلق في عينيه وهو يقول ببطء

"مزن؟"

ارتجفت شفتا عز ولم يجب ثم أدار وجهه للجانب وترك الصمت يعلّق السؤال بينهما

.........................................................

خرج زياد من غرفة عز بعد أن اطمأن على حالته خطواته بطيئة وكل عضلة في جسده تئن من الالم دلف مكتبه في المستشفى، أغلق الباب وأسند ظهره إليه، زافراً تنهيدة عميقه تحمل تعب الأيام كلها جلس على مقعده و أراح رأسه بين كفيه للحظات قبل أن ينتبه لهاتفه الذي يشير إلى مكالمة فائتة من زيدان

تأمل الشاشة قليلًا، ثم أعاد الاتصال جاءه صوت زيدان على الطرف الآخر

" إزيك يا دكتور؟ مش هنشوفك والا اي ؟"

تنهد د زياد وهو يجيب " انسحلت فالشغل مانت عارف"

" حبيبي الله يعينك طب ماتيجي نقعد سوا شوية بالليل واهو تفك شويه"

رد زياد بصوتٍ واهن حاول أن يُظهر به بعض النشاط

"تمام… ماشي هاجي ."

وبالفعل مع حلول المساء خرج زياد من المستشفى واتجه إليه جلسا معًا في بيت زيدان كان زياد على الأريكة المقابلة له يتبادلان أطراف الحديث في البداية لكن عين زيدان ظلت تراقب ملامح زياد وقد بدا التعب واضحًا عليه ورغم محاولاته في إخفائه لم يفلح بفعلها مع عيني زيدان لم يستطع زيدان الصمت طويلًا فسأله بقلق

"مالك؟ فيك إيه؟"

ابتسم زياد ابتسامة متكلفة وهز رأسه

"مافيش… ضغط شغل وتعب"

صمت لحظة لكن زيدان ظل ينظر إليه بعين فاحصة ثم أعاد سؤاله بإصرار ولم يقتنع برده فاقترب أكثر وسأله بجدية

"زياد… إيه اللي شاغل بالك؟ قولي."

رفع زياد نظره إليه ثم تنهد

"فاكر عز الدين التولي؟"

قطب زيدان حاجبيه بدهشة

"طبعًا فاكره مش ده اللي كان معاك في بنا المستشفى ؟"

أومأ زياد برأسه إيجابًا وقال بصوتٍ منخفض

"أيوه… من أسبوع جابوه المستشفى من على الطريق الصحراوي

فحادثه حالته كانت مدهورة جدًا وشبه ميؤوس منها تقريبًا … لكن ربنا نجّاه دلوقتي بدأ يفوق… بس المشكلة إني مش لاقي أي وسيلة أوصل بيها لأهله أنا محتاج أوصلهم .... محتاج حد يساعدني هتعرف ؟"

رد زيدان بحزم وسخريه

" هعرف ؟ انت عبيط انت بتتكلم مع المقدم زيدان رشدي وبتساله تعرف فحاجه تافهه زى دى ؟ طبعًا أساعدك انت عارف هو منين والا لا؟"

لم تخفي نبره السخريه على زياد لكنه تجاهلها وهو يجيب

"هو اسمه عز الدين التولي… من الصعيد ليك حد هناك يوصلك ؟"

تدخل زيدان بسرعة

"منين في الصعيد؟"

تنهد زياد "من أسوان تقريبا"

تسمرت ملامح زيدان في لحظة صدمة

" أسوان؟"

هز زياد رأسه مؤكدًا

" أيوه… العجيبة بقى إن في اسم عمال يردده طول الوقت حتى وهو في غيبوبة أنا مش عارف الاسم ده معناه إيه بالنسبة له ولا أعرف درجة قربه ليه… بس واضح إن الاسم ده مهم عنده"

اقترب زيدان بجسده للأمام فضوله يتزايد

" اسم مين؟"

قال زياد بعفوية دون أن ينتبه لِما سيترتب على الكلمة

" مزن "

اتسعت عينا زيدان بدهشة لكن قبل أن ينطق انفتح باب الغرفة ودخلت مزن تحمل صينية العصير كانت تبتسم بخجل وهي تقترب، لكن ما إن سمعت اسم خالها "عز الدين التولي" يذكر على لسان زياد، ثم تلاه اسمه "مزن"، حتى توقفت في مكانها.

في تلك اللحظات كانت مزن داخل المطبخ تُعِدّ صينية العصير بينما جلست السيدة عائشة على الكرسي تعد بعض الحلوى بصبرٍ بينما خرجت نوراي لقضاء بعض اللوازم التفتت عائشة إلى مزن بابتسامة دافئة

"خدي يا بنتي الصينية ووديهالهم "

ترددت مزن قليلًا احمرّ وجهها بخجل وقالت بصوت خافت

" مش هينفع يا ماما عيشه"

لكن عائشة أصرت عليها بحنان

"ليه بس يلا يا حبيبتي دى مفيهاش حاجة."

استسلمت مزن وأخذت الصينية بين يديها قلبها يخفق بتوترٍ وهي تقترب من باب الصالة وما إن خطت خطوة داخلها حتى التقطت أذناها الاسم الذي زلزل كيانها .....(عز الدين التولي)

توقفت في مكانها وحدقت في الفراغ بدهشة ثم جاءها الجمله الثانيه كطعنة فالصميم .......( بيردد اسم مزن)

ارتجفت يداها بشدة وتساقطت الأكواب مع الصينية على الأرض بصوتٍ مدوٍّ وتناثر العصير حول قدميها جمدت مكانها وعيناها متسعتان لا تكاد تصدق ما سمعت

أما زيدان، فقد انتفض واقفًا صدمته مضاعفة صدمة ما سمعه عن عز الدين ثم صدمة رؤيته لمزن في تلك اللحظة عينيه تتأرجحان بينها وبين زياد وقلبه يطرق صدره بقوة وقد أدرك أن شيئًا أكبر بكثير يتشكّل أمامه

وظل زياد يرمق ما يحدث بعينين متحيرتين بينما زيدان مذهول لا يعرف مايفعل ومزن متيبّسة تنظر إليهم والدهشة تسحق أنفاسها و كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها

.........................................................

الهواء أصبح ثقيلا في صدره وكأن الكلمات التي قالها لؤي تحوّلت إلى يدٍ غليظة تطبق على عنقه عيناه ظلّتا معلّقتين في الفراغ لا تجرؤان على الالتقاء بعيني صديقه وكأن النظر إليه يعني الاعتراف بأن ما سمعه حقيقي

وفجأة اجتاحت رأسه ذكرى لم تغادره لحظه… حيث ذلك اليوم في غرفة مصعب لحظه انهياره وتمسكه بأخيه صارخا

"متسبنيش… أنا بضيع… وبقيت خايف."

كانت الكلمات آنذاك كسكينٍ باردة انغرس في قلبه ببطء لكنه ظلّ ممسكًا به كأنه يحاول أن يصدّ عنه تيارًا جارفًا واليوم بعد ما سمعه من لؤي شعر أن تلك الجملة كانت استغاثة ورغم وعده الضمني قد تركه للضياع دون أن يدري

ساد صمت طويل يختبئ خلفه ألف وجع كل ذكري أتت لتسقط بثقلها علي قلبه حتى كاد يسمع من داخله صوت الانكسار

عاد إلى الحاضر شعر ببرودة تتسلّل إلى أصابعه فشدّ قبضته أكثر على حافة الطاولة حتى برزت عروقها كان يريد أن يسأل، أن يعرف، أن ينفي، لكن الكلمات التصقت بحلقه، وصوته أصبح مجرد هواء ثقيل يجثو علي صدره

ظلّ صامتًا وعيناه تلمعان بألم كان كالشرارة الأولى قبل أن ينهار كل شيء بينما لؤي ظلّ يراقبه وقد كان الصمت بينهما هو الجواب الأصدق.

تنهّد أمير ببطء يخرج الهواء من صدره كالرصاص ثم رفع رأسه نحو لؤي صوته بالكاد مسموع ممزوج بارتجافة لم يستطع إخفاءها. "مخدرات…"

انزلقت الكلمة من فمه كجرحٍ عميق وفي اللحظة نفسها انسابت دمعة وحيدة من عينه تمسّدت على وجنته في بطء تحمل معها كل ما حاول إخفاءه

مدّ لؤي يده قليلًا فوق الطاولة وعيناه تحملان إصرارًا رغم حزنه

"لازم نوجهه يا أمير… ونشده من البيئة دي قبل ما يضيع أكتر."

ظل أمير يحدّق فيه صامتًا فأكمل لؤي بصوتٍ أكثر حزمًا

"أنا هكلم إياس… أفهم منه أكتر إيه اللي بيحصل ومين اللي مع مصعب بالتفصيل."

قطّب أمير حاجبيه بدهشة

"إياس؟ مين إياس؟"

"أخو صاحبي اللي قلتلك عليه."

ارتفع حاجب أمير قليلًا وعاد يسأل ونبرته هذه المرة تجمع بين الريبة والرغبة في الفهم

"وأنت عرفت منين إنه مع مصعب… أو جبت سيرته إزاي؟"

ابتسم لؤي ابتسامة قصيرة وهو يجيبه

"هحكيلك…"

وهنا بدأ الصمت يثقل الطاولة من جديد قبل أن تتسلّل ذاكرة لؤي إلى إحداث سبق وقوعها

كان لؤي يجلس مع صديق دراسته آسر في أحد المقاهي التي اعتادا ارتيادها أيام الدراسة كانت الاجواء لطيفه حيث جلسا

يتبادلان الضحك على ذكريات الدراسة والوقت ينساب بلا قلق

لكن تفاجئا بدخول شاب في أوائل العشرينات تقدّم بخطوات ثابتة نحوهم وبملامح حادة وقف أمام الطاولة بلا أي تمهيد وقال لآسر بلا مقدمات

"أنا عايز أوصل لعيلة التفهني… تعرف حد فيهم ؟"

تجمّد لؤي للحظة لكنّه أخفى ردّة فعله ببراعة أسفل بروده الظاهري يريد أن يراقب ما سيقال منتظرًا أن يعرف أكثر قبل أن يفضح قلقه التفت آسر لأخيه الأصغر رافعا حاجبيه بدهشة

"اياس؟ … وانت عايز منهم إيه؟"

رد إياس بلا تردّد منفعلا

"مش مهم عايز إيه… المهم أوصلهم أنا عارف إنهم تلات شباب… وعايز أوصل للكبير أو التاني."

زادت علامات الاستغراب على وجه آسر ونظر إلى أخيه بعدم فهم بينما لؤي كان يراقب الموقف بصمت وقلبه يخفق بقلق أسند ظهره لمقعده وقال بنبرة متعمّدة الهدوء

"أنا عارفهم واحد واحد… إنت عايز مين فيهم بالضبط؟"

حينها فقط التفت إياس إلى لؤي يراه لأول مرة انتبه لوجوده فتنحنح وقال

" آسف… ماخدتش بالي منك."

ابتسم لؤي ابتسامة قصيرة خالية من الارتياح

"ولا يهمك… بس مقلتش لسه عايز مين من التفهني بالظبط؟"

ظلّ آسر يتنقل بنظره بينهما يحاول فهم ما يجري أجاب إياس بنبرة جادة

"وصلني بأي حد فيهم… في حاجة مهمّة لازم يساعدوني فيها."

ختم جملته بشرود لحظي مما زاد الفضول في قلب آسر ولؤي معًا فتدخل آسر بفضول "حاجة إيه دي؟"

انفعل إياس فجأة بعدما ادرك زلته وقد ارتفع صوته قليلًا

"مش هقدر أقول لحد غير أهله … لازم هم اللي يتصرفوا… مصعب بيضيع."

انفلتت كلماته من بين شفتيه بسبب خوفه بينما تشنّجت ملامح لؤي في لحظة وتجمّد قلبه لكنه لم يقاطع رغم تبدل نظراته نظر إياس مباشرة إلى آسر وأكمل

"أنا عارف إنك تعرف أخوه الكبير يا آسر… وصّلني ليه بأي شكل."

طالعه آسر وهو ما زال مشتّتًا

"بس طارق سافر من فترة برّه مصر… وأنا معرفش أخوه التاني."

ثم التفت نحو لؤي وأكمل

"لؤي هو أكتر واحد قريب منهم وعارف كل حاجة… هو اللي هيفيدك بس فهمني… مالُه صاحبك؟"

تجاهل إياس السؤال ومدّ يده نحو لؤي قبض عليها بقوة وقال بإصرار

"وصلني بأي حد فيهم… حتى لو أبوهم."

لكن لؤي لم يتركه يفلت بسهولة امعن نظره في عينيه وقال بجدية بعدما تيقن من حدث امير ان فالأمر شيئا خفيا

"تقدر تقولي مالُه مصعب؟ وإيه اللي مغيره الفترة الأخيرة دي؟… وإيه اللي بتضربوه؟"

اتسعت عينا إياس بصدمة حقيقية بينما هتف آسر بصدمه

"نعم؟! بتقول إيه؟… بيضربوه؟"

ثم التفت بحدة إلى اياس ونبرة الاستفهام تحولت لدهشة مشوبة بالغضب

"هو بيقول إيه؟ أنت بتضرب حاجة؟"

ارتبك إياس وانخفض صوته ثم رفع يديه كمن يدفع التهمة عن نفسه

"والله العظيم يا آسر… عمري ما ضربت حاجة أنا تربيتك… اه غلطت بس والله ما ليا في المخدرات ولا قربت منها مصعب مضحوك عليه… ومجرور وسطهم… بس هو نضيف مش زيهم."

كان وقع الكلمات كالقنبلة وعقول الثلاثة معلّقة على كلمه واحدة "مخدرات" ساد الصمت… ثقيلًا خانقًا بينما كلمات إياس الأخيرة ظلت تدوي في رؤوسهم

انطفأت الذكري من ذهن لؤي … وعاد وعيه إلى الحاضر حيث جلوسه أمام أمير لحظة صمت ثقيلة سكنت بينهما وأمير يحدّق فيه بعينين متسعتين و كل كلمة كانت خنجرًا يتعمّق أكثر في صدره تأمل لؤي ملامح صديقه للحظة ثم قال بصوت منخفض كأنّه يعترف بسر دفين

"بعد ما إياس قال الكلام ده… أنا خدته برّه الكافيه لوحدنا… ضغطت عليه لحد ما حكى."

رمقه أمير بترقّب بينما لؤي يتابع

"قال إن مصعب اتعرّف على شلة من خلال جروب تعارف على النت… وبعدها اتفقوا يتقابلوا وهناك بدأ واحد منهم يجرّه… مرة ورا التانية كل مرة يحطله صنف مخدرات في العصاير اللي بيشربها… ومع الوقت خلاه يجرب أصناف مختلفة… واحدة واحدة."

تنفّس أمير ببطء ثم تمتم بصوت مبحوح

"يعني… الكلام ده أكيد؟"

أومأ لؤي برأسه وملامحه تجمع بين الحزن والحزم

"أنا مجبتش حاجة من عندي يا أمير… إياس كان واضح وهو بيقول إن مصعب مضحوك عليه إحنا لازم نواجهه قبل ماالموضوع يفلت أكتر."

شدّ امير فكّيه و خرج صوته مبحوحًا من الوجع

"بقاله قد إيه؟… ووصل لحد فين؟"

أنزل لؤي رأسه قليلًا يخشى أن يرى أثر الجرح في عيني صاحبه ثم قال بهدوء

"معرفش من إمته بس آخر حاجة وصلها… البودرة."

وكلمة "البودرة" سقطت في قلب أمير كالصاعقة فتجمّدت ملامحه وملأ الغضب عينيه رفع رأسه فجأة وسأل بحدّة

"مين اللي سحبه؟… اسمه إيه؟"

تردّد لؤي نظر إليه بقلق وحذر

"دا ممكن نبقى نعرفه بعدين… المهم دلوقتي…"

لكن أمير لم يدعه يكمل فارتطمت يده بقوة على سطح الطاولة وارتفع صوته حتى التفت بعض الجالسين إليهما

"اسمه إيه يا لؤي؟"

ارتجّت الطاولة تحت يد أمير وتطايرت أنفاسه الثقيلة مع صوته الحاد بينما عيناه تتقدان كشرارة على وشك الانفجار تفاجئ لؤي للحظة بثورته وابتلع لعابه ببطء ثم حاول أن يتماسك

"أمير… احنا مش عايزين تهوّر."

انحنى أمير للأمام صوته مشحون بالغضب وكانت كل كلمة فيه تهديد صريح

"أنا مش بتهوّر… أنا بسألك على اسم واحد سحب أخويا للهلاك… هتقول والا تخلّيك وأروح أدور بطريقتي؟"

تردّد لؤي عيناه تتحركان بين وجه أمير والمكان خلفه وكأنّه يبحث عن مخرج من هذا المأزق لكن إصرار أمير كان حائطًا لا يمكن تجاوزه وأخيرًا زفر ببطء وانحنى نحوه يخفض صوته حتى لا يسمعه أحد "اسمه… عادل."

لمعت عينا أمير بحدة وقد اشتعلت النيران بداخله فجلس في مكانه دون أن يرمش يردّد بصوتٍ أشبه بالهمس

"عادل ايه ؟ "

ظلّت عينا أمير معلّقتين في وجه لؤي يحاول اقتلاع الجواب من أعماقه بالقوة بينما لؤي كان يشيح ببصره كل مرة يهرب من تلك النظرة التي تُلزمه بالحقيقة

قال أمير بحدة لا تحتمل المراوغة

"هو انت هتنقّطني؟… اسمه عادل إيه؟"

زفر لؤي ورفع كفّيه قليلًا كمن يحاول تهدئة بركان

"أمير… إنت ناوي على إيه؟"

انحنى أمير للأمام وصوته هذه المرة خرج منخفضًا يقطر عزمًا

"ناوي ألحق أخويا… أشدّه من الطريق اللي ماشي فيه قبل ما يضيع… اسمه عادل إيه يا لؤي؟"

تحرّك في مقعده ببطء يبحث عن طريقة يهرب بها من السؤال يحاول أن ينتقي كلماته لكن عينَي أمير لم تترك له مهربًا

"خلينا دلوقتي نفكّر إزاي نطلّعه من اللي هو فيه و…"

فصرخ مجددا بأعلي صوته وهو يقاطعه للمره الثانيه

"عادل إيه يا لؤي؟"

تردّد لؤي طويلًا عيناه تتنقّلان بين الطاولة وملامح صديقه التي اشتدّت صلابتها مع كل ثانية تمر وكحجر يسقط في بئر عميقة قال. " عادل الدالي."

تجمّدت ملامح أمير وعيناه ضاقتا فجأة ارتجفت أنفاسه وملامحه تحوّلت من الغضب إلى صمت غامض… صمتٍ يحمل أكثر مما يمكن للحروف أن تفشي

ظلّ ينظر أمامه وكأن عقله بدأ ينسج الخيوط التي تربطه بهذا الاسم حتى غرق المكان من حولهما في سكون

.........................................................

انتهى الاجتماع وخرج كل منهم لعمله

بينما وهما يسيران جنبًا إلى جنب خطواتهما بطيئه كان طارق يُنصت بانتباه وعيناه تلمع كلما تحدثت إباء عن بحثها عن التركيب الجيني الذي كوّن التضاد الغريب وكأن العلم للحظةً أصبح خيط الوصل الوحيد بين قلبين حائرين.

قالت إباء وهي تشير إلى نتائج الجين على الجهاز المحمول

" الجين ده هو اللى مجننى قلبلي النتائج كلها وزى ما قلت محتاجة أعرف التركيب الدقيق للمركبات اللي استخدمتوها بالضبط."

أومأ طارق بجديّة وهو يسير جوارها ليشير إلى بعض الرسوم البيانية

"أيوه دا معناه إن في حاجه في المركب بتنشّط الجين ده بالعكس طب لو جربنا نعدّل في السلسلة الفرعية دي؟"

نظرت إليه باستغراب ودهشة ثم ابتسمت

"ده بالظبط اللي كنت بفكر فيه"

ضحكا معًا كانا خفيفين كأن الهواء صار أقل وطأة لكن في قلب كلٍّ منهما حوارٌ آخر كانت هي تستغرب من سهولة التواصل وكم الراحة الذي تشعر به رغم قلقها وكان هو مأخوذًا بتركيزها بلمعة العناد الممزوجة بالانكسار في صوتها

انتهى الممر وحين وصلا إلى عتبة الباب الخارجي تردد طارق قليلًا ثم ناداها بصوت خافت. "إباء..."

توقفت والتفتت إليه فوجدت في عينيه نظرة لم ترها من قبل كأنها خليط من القلق، والتفهم، والحرص فتابع

"كنت... كنت عايز أقولك أنا آسف إني ماعرفتش أعزيكي في إياد وقتها... أنتِ مشيتي بسرعه يومها مع السواق وأنا..."

تعلّقت عينها بعينيه شعرت بشيء يرتجّ في صدرها كأن اسم "إياد" حين يُقال على لسان أحدهم يُعيد جراحها للحياة و يرممها في ذات اللحظة حين يُقال بلطف ابتسمت ابتسامة باهتة كأنها ترد الجميل لصمته الحنون ثم قالت

"ولا يهمك... الدنيا كانت ملخبطه وقتها ومركزتش ومشيت بسرعه."

خانها صوتها وارتجف رغمًا عنها فتراجع طارق خطوة وقد شعر بارتجاف قلبها رمشت سريعًا كأنها تدفع دمعًا على وشك الهطول ثم قالت بصدق "كان أغلى حاجه فالدنيا."

سكن طارق لحظة أحسّ بضيق في صدره لا يعرف له اسمًا لم يكن يعرف إياد لكن وجعها اخترق جدار وقاره فقال أخيرًا وصوته يخفت ويزداد دفئًا

"أنا مكنتش أعرف... ربنا يصبّرك ... أنا عارف إن وجع الأخ مش بسيط خصوصًا لو كان في مقام اكبر من كده ... بس حقيقي لو احتجتي أي حاجة حتى لو مجرد حد يسمعك كلّمينى... ولو تسمحيلي... اعتبريني مكانه هنا لو احتجتي أي حاجة حرفيًا أي حاجة أنا موجود .... واعتبريني ليكي إياد في الغربة."

كلماته سكنت روحها... صدق دافئ لامس الجزء الأكثر هشاشة فيها خفق قلبها بقوة شعرت بانقباض مرّ ممزوج براحة تدفقت داخلها كالماء بعد عطش طويل ابتسمت ابتسامة محمّلة بالوجع

وقالت بصوت خافت "شكرًا... بجد شكرا ياطارق ."

ثم نظرت أرضا تخشى أن تفضح عيناها ما تخفيه

أما طارق فظل ينظر إليها لحظة أطول مما ينبغي وقد لاحظ ارتجافها واهتزاز نبره صوتها فخرجت كلماته باندفاع غير محسوب

"خلي بالك من نفسك ماشي؟"

اومأت في صمت وابتعدت بخطوات هادئة وتركته واقفًا يتأمل ظلها البعيد وفي صدره سؤالٌ لا يريد صياغته ....كيف لوجع الآخرين أن يسكنك بهذه السهولة؟

.........................................................

خرج من بيته تلك الليلة متثاقلاً يحمل في قلبه فراغًا مزلزلًا لم يختبره من قبل كان الطريق من اسوان إلى الإسكندرية مليئًا بالظلال الثقيلة التى تُذكّره بالخطأ الذي ارتكبه

وقد كانت تلك الليلة صامتة إلا من هدير البحر كان داخله كالبركان يتلوّى من ندمٍ متأخر ومرارةٍ لا تهدأ والطريق أعاد إليه لحظات المواجهة الأخيرة مع مزن عيناها اللتان تشعّان قهرًا وجسدها الضعيف وهي تدفع الباب لتفرّ ووقع خطواتها المذعورة كانت تطعن قلبه في كل خطوة لكنه لم يسمعها يوم صرخت في وجهه لم ير دمعها وهي تتوسل أن يمنحها فرصة أن تحيا بكرامتها كان أعمى… مشغولًا بألسنه لا تطعم قلبًا ولا تحفظ بيتًا

كان ذهنه يعيد المشهد مرارًا وجهها وهي ترفع صوتها في تحدٍ لأول مرة عيناها المكسورتان كنافذتين ضاق بهما الأفق خطواتها وهي تجري منه كمن يهرب من سكين غُرِز في خاصرته واختفت بعدها… تركته أمام نفسه يلتهمه صدى كلماتها

"قتلتني يا حاج عمرو ........ قتلتني وأنت حي."

أطرق رأسه في مقعد التاكسي يعضّ على شفتيه وهو يكتم شهقة لو خرجت لخلعت قلبه

"إزاي ما سمعتكيش؟ إزاي خليت كلام الناس يعميني عنك وسبت دمي و لحمي يتكسر قدامي؟"

هزّه صوت السائق وهو يلتفت إليه

" وصلنا ..... دا العنوان يا حاج اتفضل."

رفع عمرو رأسه وقد أيقظته الكلمات من غيبوبتة أخرج المال بيد مرتجفة دفع الأجرة و دون أن ينتظر هبط مسرعًا عيناه مسمّرتان على المبني أمامه كأن جدارنه يُخفي وراءه المصير.

خطواته كانت كوقع مطرقة على الأرض كل درجة يصعدها تزيده احتراقاً وعندما بلغ الباب انهال عليه بقبضته يطرق بعنف طرقاته مدوية كالرعد يكاد يقتلع معها الباب

انفتح الباب فجأة وظهر شريف أمامه عيناه متسعتان بملامح شاحبة في لحظة كمن رأى الموت يتجسد أمامه ارتبك لوهلة ثم ارتد إلى الوراء و لم يتوقع أن ينشق الباب عن طوفان بهذا الشكل

لكن المفاجأة لم تكن لشريف وحده

فعند الباب المقابل انفتح فجأة ليطلّ منه شاب في مقتبل الثلاثينات خرج علي دوي طرقاته كانت يداه معلّقتان على حافة الباب لا يقوى على الحركة وقد تجمد جسده و اتسعت عيناه بذهول بينما ارتعاشٌ خفيّ اجتاح أوصاله كأن الزمن توقّف فجأة عند تلك اللحظة رآه واقفًا أمامه... الرجل الذي ظل وجهه محفورًا في ذاكرته طوال سنوات الغياب بظلٍ طاله بالليل والنهار وهو يعيد كل شيء في داخله

عيناه انتقلت بين ملامح وجه الحاج عمرو بلال حيث انه أمامه ذلك أكبر من أن يستوعبه فقد كان بمثابه ارتطامًا بالعمر الضائع

صاعقة بشرية انفجرت فجأة حين صرخ الحاج عمرو بصوت يخترق الصمت وعيناه مسمّرتين على شريف ووجهه مشتعل بالغضب

"فين بنتي يا وسخ؟! فين مزن؟"

ثم اندفع بقبضته يلكم وجه شريف بقوة ارتد جسده إلى الخلف، واصطدم بالجدار وهو يترنح فسقط متعثّرًا

شهق الشاب الواقف عند الباب المقابل وهو يهمس "مزن" عيناه تنتقلان بين عمرو المشتعل بالثأر والرجل المترنح الذي يتلقى الضربة الثانيه لم يدرِ مايحدث فقد يريد ان يصرخ باسمٍ ظلّ مكتومًا في صدره سنين طويلة

دوّى صوت عمرو من جديد وهو يهوي بقبضة أخرى عيناه تحترقان صدره يتقطع

"قولّي فينها… فين بنتي؟"

ارتجّ الممر الضيق بأصداء الغضب وقد اندفع زين إلى شريف يكيل له اللكمات بعدما أزاح الحاج عمرو جانبا وهو يصرخ فيه

"فين مزن يالا؟ فين اختى قولى خافيها فين؟"

في اللحظة ذاتها بقي عمرو جامدًا في مكانه كأن الزمن شلّ حركته وقد رأى القدر يضعه وجهًا لوجه أمام الحقيقة التي عاشها طوال عمره.

.........................................................

ماهي توقعاتكم في الفصول القادمه ؟

رأيكم في الفصل ؟

دمتم سالمين

#يتبع

#فاطم

ولا تنسوا الدعاء لإخواننا في سوريا وفلسطين وسائر بلادنا العربيه

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

شاردتي

المؤلف fatma Elabd
2025/10/24 مستمرة
قائمة الفصول (16)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة