الفصل ٨: ،..... لحظات فارقة
مع إشراقة شمس اليوم التالي، كانت أجواء مزرعة الحاج يوسف تبدو مختلفة. كان هناك شعور بالفراغ، خاصة في الأماكن التي اعتادت شُهب أن تملأها بنشاطها وحيويتها.
في صباح اليوم، اتصلت شُهب بـعم صلاح، وبصوتها الذي حاولت أن تجعله يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، اعتذرت عن عدم قدرتها على المجيء اليوم. "معلش يا عم صلاح، عندي شغل كتير أوي في مزرعة جدي النهاردة، ومش هقدر أجي. يا ريت تبلغ استاذ .. آدم ."
كانت شُهب تتهرب عمدًا. لم تكن تريد أن ترى آدم و"حبيبته" روزانا، كما عرفت روزانا نفسها. كانت المشاعر التي انتابتها بالأمس، تلك "اللسعة" الغريبة في قلبها، غير مفهومة بالنسبة لها، ولم تكن تريد أن تشعر بها مرة أخرى. كانت تحاول أن تنأى بنفسها عن أي شيء قد يثير هذا الإحساس الجديد والمقلق.
علم آدم من عم صلاح أن شُهب لن تأتي. شعر بالضيق الشديد. فهم على الفور أنها تتهرب منه، وأن تصرفات روزانا بالأمس هي السبب. تذكر كلام جده، وتذكر خطة زين لـ"تطفيش" روزانا. قرر أن ينفذها بحذافيرها، وأن يتفرغ لـشُهب بعد ذلك.
"يلا بينا يا زين، يا روزانا!" قال آدم بحماس مصطنع، وهو يرتدي قبعة المزرعة وحذاء العمل. "النهاردة يوم طويل في المزرعة. شُهب مش موجودة، يعني لازم نشتغل كلنا عشان نخلص الشغل. هعرفكم على المكان كله، وهتساعدوني النهاردة."
فرحت روزانا في البداية. "بجد يا بيبي؟ أنا هساعدك؟ يعني هتعتمد عليا؟" قالت وهي تحاول إخفاء دهشتها، فقد كانت تتخيل يومًا مليئًا بالراحة والاستجمام. كانت ترتدي فستانًا صيفيًا خفيفًا، وحذاء بكعب عالٍ، ومكياجًا كاملاً، غير مناسبة على الإطلاق لجو المزرعة والعمل الشاق.
أخذهم آدم في جولة موسعة في المزرعة. بدأ بتفقد حقول القمح الذهبية التي تمتد على مد البصر، ثم انتقل إلى بساتين الفاكهة التي كانت أشجارها محملة بالثمار. طلب منهم المساعدة في جمع بعض الخضروات الطازجة للغداء، ثم تفقدوا حظائر الحيوانات، حيث كانت رائحة الروث قوية، والأرض موحلة في بعض الأماكن.
" آدم! إيه الريحة دي؟!" صرخت روزانا وهي تسد أنفها، وقد تلطخت حذائها بالكعب العالي بالطين. "وإيه ده؟ ده مش شغل بنات خالص! أنا رجلي وجعتني." كانت تتأفف وتتذمر من كل شيء.
همس زين لآدم وهو يكتم ضحكته. "أنا قلت طفشها، مش تطّفّشني أنا كمان معاها!"
ابتسم آدم ببرود. "ما أنا بشتغل أهو أنا كمان. لازم أحسسها إني مش مستقصدها، ده شغل عادي."
"طب يا رب بس تستسلم بسرعة." قال زين وهو يرى معاناة روزانا الواضحة.
وبالفعل، بعد يومين طويلين من العمل الشاق والتعرض للشمس والغبار وروائح المزرعة، استسلمت روزانا. كانت تبدو منهكة وغير قادرة على تحمل المزيد.
"آدم، أنا لازم أرجع القاهرة." قالت روزانا بصوت متعب، وهي تجلس على كرسي وتتنهد بعمق. "ورايا حاجات كتير أوي هناك. بس أكيد هاجي أزورك قريب، أول ما أخلص اللي ورايا."
شعر آدم بالراحة تملأه. "تمام يا روزا، هتوحشيني." قال بابتسامة مصطنعة، وهو يعلم أنها لن تعود قريبًا. ودعها هي وزين عند السيارة، وشعر وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن كاهله.
...................
بعد مغادرة روزانا وزين، عاد الهدوء إلى مزرعة الحاج يوسف. في هذه الأثناء، كانت شُهب جالسة في مكتبها في مزرعة "الفاروق"، غارقة في أفكارها، وتتساءل عن مشاعرها تجاه آدم، و عن سبب انزعاجها من روزانا.
فجأة، طُرق الباب.
"اتفضل." قالت شُهب، وهي ترفع رأسها.
انفتح الباب، ودخل آدم. كانت عيناه تلمعان بابتسامة خفيفة.
"آدم... أهلاً." قالت شُهب بتوتر خفيف، لم تتوقع رؤيته اليوم.
"أهلاً باللي بقالي يومين مشوفتهاش." قال آدم، وعيناه مثبتتان عليها، وكانت نبرته تحمل شيئًا من العتاب والمودة.
حاولت شُهب أن تهرب من الموقف. "كنت مشغولة، زي ما بلغت عم صلاح."
عادت شُهب لتجلس على كرسيها، تحاول أن تبدو طبيعية، لكنها كانت تفكر في ضيوفه.
"إيه أخبار ضيوفك؟" سألت، محاولة إبعاد الحديث عن نفسها.
اقترب آدم منها ببطء، وتوقف أمام كرسيها، ثم انحنى قليلًا ليصبح وجهه قريبًا من وجهها. "طفشوا." قال بابتسامة واسعة، وقد شعر بالارتياح لمغادرتهما. "مستحملوش."
"طبعًا." قالت شُهب، وهي تحاول كبت ابتسامتها. "الحياة هنا مش سهلة على اللي مش متعود."
انحنى آدم أكثر، حتى أصبح قريبًا جدًا من كرسيها الذي كانت تجلس عليه. نظر في عينيها مباشرة، وبصوت خفيض وعميق، قال: "سهلة للي يستاهلها." كانت كلماته تحمل معاني أعمق من مجرد وصف الحياة في المزرعة، وكأنها اعتراف غير مباشر بأنها هي الوحيدة التي تستحق هذا المكان وهذه الحياة، وربما قلبه أيضًا. شعرت شُهب بقلبها يخفق بقوة، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها، وقد فهمت ما يرمي إليه.
..................
كانت شُهب تشعر بدوار خفيف من قرب آدم المفاجئ. كلماته "سهلة للي يستاهلها" تركت أثرًا عميقًا في قلبها، وشعرت بحرارة تتسلل إلى وجنتيها. حاولت أن تكسر هذا التوتر، أن تعيد المسافة بينهما، فبدأت تتحرك في محاولة للقيام من على الكرسي.
"آدم..." قالت شُهب بصوت خافت، بالكاد يُسمع، وقد حاولت أن تبعد عينيها عن عينيه الساحرتين.
"نعم؟" أجاب آدم بهدوء، لم يبتعد بوصة واحدة. كانت عيناه مثبتتين عليها، تتتبعان كل حركة في وجهها.
"لو سمحت... عايزة أقوم." قالت شُهب، وقد شعرت أن كلماتها تخرج بصعوبة. كان الوضع أقرب إلى الاستسلام منه إلى الطلب.
مدّ آدم يده ببطء نحوها، راحلاً أطراف أصابعه على ذراع كرسيها قبل أن تتوقف عند يدها.
"طيب." قال بنبرة خذلت هدوئه الظاهر. "قومي."
نظرت شُهب إلى عينيه مرة أخرى، فوجدت فيهما دعوة صامتة، تأكيدًا لما تشعر به. ترددت للحظة، ثم مدت يدها ببطء لتضعها في كف يده. أمسك آدم بيدها، وبقوة ناعمة سحبها ليقيمها من الكرسي. بدلًا من أن يتركها، جذبها نحوه بقوة أكبر، لتصبح بين ذراعيه، في حضن دافئ لم تكن تتوقعه.
"هاه؟" خرجت من شُهب كهمس متعجب، لكنها لم تتحرك.
"ششش..." همس آدم، احتضنها بقوة أكبر، ودفن وجهه في شعرها الذي فاحت منه رائحة المطر المنعشة. "خليكي... بس خليكي كده."
أغمضت شُهب عينيها ببطء، واستسلمت للحظة. أحست بالدفء والأمان يغمرانها. لم تعد هناك أصوات سوى دقات قلبها وقلبه، في صمت مريح كسر كل الحواجز بينهما.....
.............
في فيلا القاهرة الفاخرة، كانت دولت تجلس في غرفة المعيشة المزينة بأفخم الأثاث، تحاول بجدية إقناع والديها، هالة وعزت، بوجهة نظرها حول أخيها سيف. كان والدها عزت، رجل الأعمال المعروف، يبدو عليه الضيق والغضب.
"يعني عاجبك اللي بيعمله ده؟!" قال عزت بصوت جهوري، وهو يلقي بجريدته على الطاولة الزجاجية. "دي خامس جوازة ليه! أكتر واحدة قعد معاها سنة، وخلف منها بسنت وباسم. غير كده، ست أو سبع شهور، وآخر واحدة تلات شهور بس! وده يعني مش بيكلف؟ كل جوازة شبكة وشقة ومهر وعفش ومؤخر ونفقة... وأنا اللي بدفع! بياخد من الشركة وياكلها بسببه!"
"بس هو بردو شاطر في شغله يا بابا وبيكسب الشركة." حاولت دولت الدفاع عن أخيها، رغم أنها تعلم مدى صحة كلام والدها.
"آه بيكسبها باليمين، ويسحبهم بالشمال مصاريف جواز وطلاق!" رد عزت بحدة، مشيرًا بيده تعبيرًا عن يأسه.
تدخلت دولت بمحاولة يائسة أخيرة. "معلش يا بابا، سامحه المرة دي وهو هيعتمد على نفسه في جوازه الجاية. هيتغير."
نظرت هالة، والدة دولت، بدهشة. "هو لسه ناوي يتجوز تاني؟!" قالت بصوت لا يصدق.
"ما هو بعتني أمهدلكوا الموضوع." قالت دولت، وقد شعرت ببعض الإحراج من صراحة والدتها.
"ومين اللي ضحكت عليه المرة دي؟" سألت هالة بتهكم، وقد اعتادت على مغامرات سيف العاطفية التي تنتهي دائمًا بطلاق ومشاكل.
تنهدت دولت، وقد علمت أن ليس هناك مفر من كشف بعض الحقيقة. "صراحة يعني... هي مش معبراه أصلاً."
"مين المرة دي؟" سأل عزت، وقد بدأت علامات الفضول تظهر على وجهه رغم غضبه.
"دى ..يا بابا، دي..." بدأت دولت، ثم توقفت، متراجعة عن ذكر الاسم. لم يكن الوقت مناسبًا لكشف كل الأوراق الآن. "دي واحدة تانية خالص. بس سيف خططها في دماغه، ومش عارفة أعمل معاه إيه." قالت دولت بصوت خفيض، . كانت تعلم أن ذكر الاسم سيكشف الكثير، وأن لديها خططًا أخرى لتمهيد الأمر.
"مين يعني اللي عايز يتجوزها؟" سألت هالة بفضول، وقد مالت للأمام تنتظر الإجابة.
تنهدت دولت بعمق، وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم قالت بصوت خفيض: "شُهب."
صُدم عزت. "شُهب مين؟!" قال بصوت مرتفع، وهو لا يصدق ما سمعه.
"لا متقوليش بنت مختار... جوزك؟!" قالت هالة، وقد اتسعت عيناها بذهول.
"البنت الصغيرة دي؟" قال عزت، وهو يحاول استيعاب الأمر.
"لا يا بابا... دي كبرت دلوقتي." قالت دولت محاولة تهدئة الموقف، "وبتدير مزرعة جدها وطورتها جامد. بقت حاجة كبيرة."
"كبرت؟!" قال عزت بسخرية، "بس بردو فرق كبير بينهم! ده اتجنن ولا إيه؟ ده لو اتجوز أصغر شوية كان خلف قدها!"
"مستحيل فعلاً." قالت هالة، وهي تهز رأسها بعدم تصديق. "بس أنتي قلتي إنها مش معبراه، يبقى خلاص الموضوع انتهى."
"كأنك مش عارفه سيف يا ماما." قالت دولت بضيق، "لو حط واحدة في دماغه وما وصلهاش، مش هيسيبها في حالها. وأنا مش عايزة مشاكل مع مختار. يبقى يتجوزها أحسن. وبعدين سيف بيقول مش يمكن هي اللي تصلح حاله وتخليه يركز في حياته!"
"ورأي مختار جوزك إيه؟" سأل عزت، وهو يرمق دولت بنظرة شك.
"مش موافق." اعترفت دولت بصوت خفيض. "بيقول السن كبير، وإنه أكبر منها. وسمعته سبقته. وبيقول لي: 'لو بنتك وحد اتقدملها زي سيف كنتي هتوافقي؟'"
"ماهو عنده حق بردو." قال عزت، وهو يضرب بيده على مسند الكرسي. "ده فرق يجي عشرين سنة! وأخوك ما بيتأمنلوش. أنا لو عندي بنت واتقدم لها واحد زي سيف... أرفض بالثلث!"
"تمنتاشر سنة بس يا بابا، مش عشرين!" قالت دولت محاولة التقليل من الفارق، "وبعدين في بنات كتير يتمنوا إشارة من سيف... في سنها وأصغر."
"خلاص يشوفله واحدة تانية." قالت هالة بحدة، "طالما البنت وأبوها مش موافقين، يبقى مفيش داعي للمشاكل دي كلها."
"أصل..." بدأت دولت، لكنها توقفت.
"أصل إيه؟" سألت هالة بفضول.
"أصل سيف بيقول أنه هيوفقها عند حدها ويمسك هو المزرعة." قالت دولت، وقد ظهر الطمع في عينيها. "مضايقاني يا ماما، بتتعامل كأن المزرعة بتاعتها... وإحنا ضيوف عندها."
"أيوة يعني هو فاكر إنه حتى لو اتجوزها، المزرعة هتكون تحت إيده؟" قال عزت، وهو يهز رأسه بيأس. "أنتِ ناسيه مختار وحامد أخوه هما الورثة، وبعدين يجي ولادهم اللي من ضمنهم شُهب وكريم ابنك وولاد حامد... وكل دول ممكن يقفوله!"
"ها... أنا مفكرتش كده..." قالت دولت، وقد بدا عليها الارتباك للحظة، فقد كانت غارقة في أحلام السيطرة على المزرعة.
"فكرتي بس... تضيعي البنت وتجوزيها سيف... وناخدوا المزرعة... اللي أصلاً مش بتاعتها!" قالت هالة بحدة، وهي تلوم ابنتها. "وكتر خيرها ووقفتها على رجليها ليكم كلكم."
"فهمي أخوكي بس إني اعترضت على فكرة الجواز عمومًا." قال عزت لدولت، وهو ينهي النقاش. "وإنك ما قلتيش مين العروسة، علشان ما يحطهاش في دماغه أكتر. عند بس."
"حاضر." قالت دولت بتفكير، وهي تدرك أن عليها إعادة ترتيب أوراقها، فالمخطط ليس بالسهولة التي كانت تتخيلها.
.................
في مكتب مزرعة "الفاروق"، كان الصمت يلف المكان، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا. كان صمتًا مشحونًا بالمشاعر المتصاعدة. آدم كان يحتضن شُهب بقوة، وشُهب كانت مستسلمة للحظة، مغمضة عينيها، تشعر بدفء غير مألوف.
مرت ثوانٍ بدت كأنها دهر.
بدأ آدم يتمادى في قربه، يشدها إليه أكثر، ويتحرك ببطء وكأنه يستكشف حدود هذه اللحظة. شعرت شُهب بقلبها يدق بعنف، وبدأت تدرك أن هذا القرب يتجاوز حدود ما اعتادت عليه، وأن آدم بدأ يتمادى.
فتحت شُهب عينيها ببطء، ووضعت يديها على صدر آدم، محاولة أن تدفعه بلطف.
"آدم..." قالت شُهب بصوت خفيض، بالكاد يخرج، نبرتها تحمل مزيجًا من الدهشة والتحذير. كانت تعرف أن عليها أن تضع حدًا لهذا القرب قبل أن يفقدا السيطرة.
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel