٣

٣

27 0

الفصل الثالث: شكوى الأجداد  و خطط تحاك

بعد أن غادرت شُهب الصالون، تركت خلفها مديحة وشروق في حالة من الغضب المكتوم. كانت ملامح مديحة حمراء من الإهانة، وشروق كانت تمتم بكلمات غير مفهومة، تفرك يديها بضيق.

"شُهب دي اتجننت خالص! إزاي تكلمني أنا كده؟" قالت مديحة بصوت شبه مسموع، وهي تنظر إلى الجد فاروق الذي كان يرتشف شايه بهدوء، وكأنه لم يسمع شيئاً.

"ماما، دي بقت مستفزة أوي! فاكرة نفسها صاحبة المزرعة لوحدها!" أضافت شروق وهي تخرج هاتفها وتتصفح صورها بملل.

الحاج فاروق رفع عينيه ببطء ونظر إلى مديحة ببرود. "شُهب بتدير المزرعة دي من سنين يا مديحة. وهي اللي شالت حملها لما محدش فيكم كان فاضيلها." قالها بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلاً، مما جعل مديحة تسكت وتتجنب النظر إليه.

شعرت مديحة بأن الجو أصبح ثقيلاً، وأن الحاج فاروق لم يكن في صفها. قررت إنهاء الزيارة.

"طيب يا عمي، إحنا هنستأذن بقى. حاجة نعمة جهزتى الحاجات اللي طلبناها؟"

"كله جاهز يا ستي." قالت الحاجة نعمة وهي تظهر من المطبخ، وعلى وجهها علامات التعب من كثرة العمل.

خرجت مديحة وشروق من البيت الكبير، وتوجهتا نحو السيارة. كانت الطيور المذبوحة والمنظفة، والخضراوات والفاكهة المعبأة، تنتظرهما في سيارة مبردة صغيرة . صعدتا الى سيارتهم الفاخرة دون أن تلقيا نظرة وداع على الحاج فاروق، أو حتى على المزرعة التي استغلتا خيراتها. انطلقت السيارتين، تاركة خلفها الغبار وراءها، وراحة نسبية للجد فاروق.

بعد مغادرة مديحة وشروق، بقي الحاج فاروق جالساً في هدوء، يتأمل السماء التي بدأت تتلون بألوان الغروب. كانت أفكار كثيرة تتصارع في ذهنه. لقد رأى بعينيه كيف أن شُهب كبرت وأصبحت امرأة قوية، قادرة على حماية ما هو لها.

"المزرعة دي مش مجرد أرض، دي روح. وشهب هي روحها. هي اللي عاشت فيها، وهي اللي تعبت عليها. كلهم اتخلوا عنها لما كانت محتاجة، ودلوقتي جايين ياخدوا من خيرها من غير أي مجهود. ده ظلم. مش هسمح بده يحصل تاني." فكر الحاج فاروق بعزم.

لقد حان الوقت لاتخاذ قرار حاسم. قرار يحمي شُهب ويضمن لها حقها في المزرعة التي أصبحت بيتها وحياتها. بدأ الجد يفكر في طريقة قانونية لضمان ذلك، ربما بتغيير في الوصية،تسجيل المزرعة باسمها بشكل أو بآخر. كانت صحته تتدهور، ولم يكن لديه متسع من الوقت. يجب أن يتصرف بسرعة.

................

في مزرعة الحاج يوسف، كان آدم يواجه يوماً عصيباً آخر. بعد فشله في إثبات أي تقصير في المزرعة، قرر أن يحاول "تطوير" بعض الأمور بنفسه، ليثبت لجده أنه قادر على الإدارة. كان قد قرأ بعض المقالات عن الزراعة الحديثة على الإنترنت، وقرر تطبيق إحدى الأفكار التي بدت له "مبتكرة".

في صباح اليوم التالي، توجه آدم إلى أحد حقول الطماطم، التي كانت في أوج نضجها. كان قد أمر بعض العمال بتغيير نظام الري في جزء من الحقل، بناءً على "دراسة" أجراها بنفسه.

"يا عم صلاح، عايز الميه توصل للجزء ده من الحقل بالطريقة دي، عشان نوفر ميه ونخلي الإنتاج أحسن." قال آدم وهو يشير إلى رسم بياني بسيط رسمه على ورقة.

عم صلاح نظر إلى الرسم بقلق. "بس يا بيه، الطريقة دي ممكن متناسبش نوع التربة هنا، وممكن تضر المحصول." حاول عم صلاح أن ينصحه بخبرته، لكن آدم كان مصمماً على رأيه.

"أنا عارف أنا بعمل إيه يا عم صلاح. نفذ اللي بقولهولك." رد آدم بحدة.

نفذ العمال الأمر على مضض. وبعد ساعات قليلة، بدأت تظهر النتائج الكارثية.

جزء كبير من حقل الطماطم بدأ يذبل، وبعض النباتات تحولت أوراقها إلى اللون الأصفر. كان نظام الري الجديد قد أغرق جزءاً من التربة بالمياه، بينما ترك جزءاً آخر جافاً تماماً، مما أضر بالمحصول بشكل كبير.

"إيه ده؟ إيه اللي حصل؟" صرخ آدم عندما رأى الكارثة.

"ده اللي كنا بنقوله لحضرتك يا بيه. كل أرض وليها طبيعتها." قال عم صلاح بحزن، وهو ينظر إلى المحصول التالف.

شعر آدم بالإحباط الشديد، وبدأ يشعر بالغضب من نفسه. لم يكن الأمر سهلاً كما تخيل. كل محاولة منه للتدخل كانت تنتهي بكارثة صغيرة. كان يتصل بـزين، يشكو له الوضع.

"يا زين، أنا غارق هنا. عملت مصيبة في حقل الطماطم. أنا مش فاهم أي حاجة في الزراعة دي. أنا بتاع شركات، مش بتاع طين وزرع." قال آدم لزين، صوته مليان يأس.

"معلش يا آدم، دي كلها تجارب. المهم إنك بتعمل اللي عليك قدام جدك. استحمل شوية، وكل ده هيعدي." رد زين، وهو يفكر في أن هذه "المصائب" قد تسرّع من قرار الجد يوسف بالتخلي عن المزرعة لآدم، مما يخدم خططهما.

....................

في صباح اليوم التالي، وبعد أن وصل خبر "كارثة" حقل الطماطم إلى الحاج يوسف، شعر الأخير بضيق شديد. قرر أن يزور صديقه القديم، فاروق، الذي يمتلك المزرعة المجاورة. كانت العلاقة بين الجدين قوية منذ سنوات طويلة، وكانا يلتقيان بين الحين والآخر لتبادل أطراف الحديث والشكوى من هموم الحياة.

وصل الحاج يوسف إلى مزرعة "الفاروق"، واستقبله الحاج فاروق في شرفة بيته المطلة على الحقول الخضراء. كان الجو لطيفاً، ورائحة الزهور تملأ المكان.

"أهلاً يا يوسف، نورت المزرعة. إيه اللي جابك بدري كده؟" قال الحاج فاروق بابتسامة، وهو يصافح صديقه.

"أهلاً بيك يا فاروق.  جيت اطمن وأسال عليك بقالك فترة مسألتش قلت أسأل انا ..... وكمان أشتكيلك من همي، وأنا عارف إنك هتفهمني." قال الحاج يوسف وهو يجلس على كرسي خشبي.

"حفيدى آدم ده، جنني. بعتّه للمزرعة عشان يتعلم المسؤولية، عملي مصيبة في حقل الطماطم. مش فاهم أي حاجة في الزراعة، وكل يوم بيعمل كارثة جديدة. أنا مش عارف هعمل فيه إيه."

الحاج فاروق تنهد. "أنا فاهمك يا يوسف. أنا كمان عندي اللي يجنن. ولادى مختار وحامد، وعيلتهم كل يوم والتاني جايين ياخدوا من خير المزرعة من غير حسيب ولا رقيب. فاكرين إنها عزبة خاصة بيهم. وشُهب حفيدتى هي اللي شايلة كل الحمل، وهي اللي بتدافع عن المزرعة دي لوحدها."

"شُهب؟ أصيلة يا فاروق. ربنا يباركلك فيها. دي اللي بتفهم في الأرض بجد." قال الحاج يوسف بإعجاب.

"بس آدم  مش عارف أعمل معاه إيه. كل ما أكلمه عن المزرعة، يقولي أنا بتاع شركات، مش بتاع ارض وتراب."

"وهو ده اللي بيوجع القلب يا يوسف. ولادنا دول اتعودوا على حياة تانية خالص. مبقوش يقدروا قيمة الأرض دي." قال الحاج فاروق بحسرة. "بس أنا قررت. مش هسيب شُهب لوحدها. لازم أضمن حقها في المزرعة دي."

نظر الحاج يوسف إلى صديقه بتفكير. "وأنا كمان لازم ألاقي حل لآدم. مش هسيب ورثي يضيع كده."

تبادل الجدان النظرات، وكأن كل منهما يجد في الآخر شريكاً في الهموم. لم يتوقعا أن هذا اللقاء، الذي بدأ بالشكوى، قد يكون بداية لخطط جديدة ستجمع بين عائلتيهما بطريقة لم يتوقعاها أبداً.

......................

بعد لقائه مع الحاج يوسف، تعمّق شعور الحاج فاروق بضرورة حماية شُهب والمزرعة. لم يعد لديه شك في أن عائلته لن تتردد في استغلال جهدها وخير الأرض دون تقدير.

في اليوم التالي، استدعى الحاج فاروق محاميه الخاص، وهو يتعامل معه منذ زمن طويل، إلى البيت الكبير.

كانت شُهب تجلس بجوار جدها في الصالون، قلقة بعض الشيء من جدية الموقف. لم تكن تعلم بالضبط ما يدور في ذهن جدها، لكنها أحست أن شيئًا مهماً سيحدث.

"شُهب يا بنتي، أنا عايزك تشهدي على اللي هقوله ده." قال الجد فاروق بصوت خافت لكنه واضح، وهو ينظر إليها بحب. ثم التفت إلى المحامي: "أريد أن أعدّل وصيتي يا أستاذ. كل ما أملك، أرض المزرعة وممتلكاتها وما عليها من أصول، تُسجّل باسم حفيدتي شُهب."

اتسعت عينا شُهب بصدمة. لم تتوقع هذا القرار أبداً. حاولت أن تتحدث، لكن الجد رفع يده ليوقفها.

"جدو، إيه اللي بتقوله ده؟" قالت شُهب، والدموع بدأت تتجمع في عينيها.

"دي ملك العائلة كلها!"

"دي ملك اللي تعب فيها وحماها يا بنتي." قال الحاج فاروق بحزم. "وانتي الوحيدة اللي عملتي كده. باقي ولادي وأحفادي كلهم رفضوا يساعدوني لما المزرعة كانت على وشك الضياع. دُولت ومديحة وكريم وعامر وشروق ونادر، كلهم ميهمهومش غير المظاهر والفلوس السهلة. المزرعة دي بقت روحك، وأنا عايز أضمن إنها تفضل في إيد أمينة بعدي."

شرح المحامي للحاج فاروق التبعات القانونية لقراره، وتأكد من أنه في كامل قواه العقلية ويوافق تماماً على ذلك. تم كتابة الوصية الجديدة وتوثيقها بشكل رسمي. عندما انتهى المحامي وغادر، احتضنت شُهب جدها بقوة، لم تجد الكلمات المناسبة لتعبر عن امتنانها وحبها. شعرت بمسؤولية ضخمة لكنها كانت مليئة بالعزيمة.

في المزرعة المجاورة، كان آدم يغرق أكثر فأكثر في بحر الجهل بالزراعة. بعد كارثة حقل الطماطم، حاول الابتعاد عن أي تدخل مباشر، واكتفى بمراقبة العمال من بعيد أو قضاء وقته في البيت الكبير. كل محاولاته لإيجاد "حلول ذكية" كانت تنتهي بمزيد من المشاكل.

في إحدى المرات، حاول آدم إصلاح ماسورة مياه صغيرة في الحقل بنفسه، معتقداً أنها مهمة بسيطة. النتيجة كانت انفجار الماسورة، وتدفق المياه بغزارة، مما أدى إلى غرق جزء صغير من الحقل وتلف بعض المحاصيل المزروعة حديثاً. العمال هرعوا لإصلاح الموقف، وعم صلاح كان يهز رأسه بيأس.

"يا بيه، لو حضرتك مش عارف، الأفضل تسيبنا إحنا نشتغل." قال عم صلاح بتهذيب، لكن نبرته كانت تحمل توبيخاً خفياً.

شعر آدم بالإهانة الشديدة، لكنه لم يجد ما يقوله. كانت الشمس تضرب رأسه بقوة، وعرق يتصبب منه بغزارة. أصبحت المزرعة كابوساً يومياً بالنسبة له. كان يزداد انزعاجاً من المكان ورائحته، ومن الملابس التي يضطر لارتدائها، ومن طريقة حديث العمال التي يجدها "ساذجة".

في إحدى مكالماته مع زين، اشتكى آدم بشدة: "أنا مش عارف هستحمل هنا إمتى. الحياة دي مش ليا خالص يا زين. بحس إني محبوس."

"اسمعني يا آدم." قال زين بصوت خفيض، وكأنما يلمح لشيء.

"جدك يوسف عارف إنك مش هتقدر. هو يمكن بيختبرك، أو عايز يرمي الحمل عليك مؤقتاً. استحمل بس لغاية لما يندم او تفهم ،."

....................

في اليوم التالي، التقى الحاج يوسف والحاج فاروق مرة أخرى. هذه المرة، لم تكن مجرد شكوى، بل بداية لخطوات عملية.

"ها يا يوسف، فكرت في موضوع آدم؟" سأل الحاج فاروق، وهو يحتسي كوب الشاي بالأعشاب الذي أعدته له شُهب.

"فكرت يا فاروق. آدم ده دماغه في حتة تانية خالص. مش بتاع أرض. عمل مصيبة جديدة إمبارح ." قال الحاج يوسف بأسى. "بس أنا مش عايز ورثي يضيع، ولا عايز المزرعة تتباع."

"طيب اسمعني يا يوسف." قال ال فاروق، وهو يميل للأمام قليلاً بنبرة جدية. "أنا عندي فكرة يمكن تحل مشكلتك أنت، وممكن تنفع شُهب كمان."

نظر إليه الجد يوسف بفضول. "إيه هي؟"

"شُهب يا يوسف بتفهم في الأرض كويس أوي،  آدم محتاج يتعلم، ومحتاج يشوف الشغل بجد. إيه رأيك تخلي آدم ييجي المزرعة هنا، ويقعد معاها شوية؟ يشوف بعينه الشغل ماشي إزاي، ويتعلم منها. أو لو ده صعب عليه، ممكن شُهب هي اللي تروح مزرعتك وتساعده في الأول، لحد ما يشد حيله ويفهم الوضع."

فكر الجاج يوسف في كلام صديقه. الفكرة بدت غريبة في البداية، فآدم المغرور ابن المدينة يتعلم من فتاة ريفية؟ ولكن منطقياً، هي الحل الوحيد. شُهب لديها الخبرة التي يفتقر إليها آدم تماماً.

"تفتكر آدم هيوافق على حاجة زي كده؟ ده مغرور أوي يا فاروق، ممكن يعتبرها إهانة إنه يتعلم من واحدة ست." قال الحاج يوسف بشيء من التردد.

"هيعتبرها إهانة في الأول، بس بعدين هيعرف إنها مصلحته. المهم إنه يتعلم يا يوسف، ويفهم قيمة الأرض دي. سواء هو اللي ييجي هنا، أو شُهب تروح تساعده. وأنا متأكد إن شُهب مش هتتأخر لو طلبت منها،انتزعارف بتعزك اد ايه." قال الحاج فاروق بثقة. "وبكده، ممكن هما الاتنين يتعلموا ازاي يشتغلوا سوا، وممكن كمان المزرعتين يستفيدوا من بعض."

نظر الحاج يوسف إلى مزرعة "الفاروق" المنتظمة التي تظهر أمامه، ثم تذكر فوضى حقل الطماطم في مزرعته. ابتسم ببطء. "يمكن عندك حق يا فاروق. يمكن دي بداية حل. بس ازاي هنقنع آدم بكده؟"

"ده دورك أنت يا يوسف. اقنعه إن دي فرصته الأخيرة، وخليه ييجي يشوف بعينه. واللي هيشوفه هنا، هيغير رأيه غصب عنه." قال الحاج فاروق بابتسامة خفيفة، وكأنه يرى شيئاً بعيداً.

تبادل الجدان النظرات مرة أخرى، وبدأت ملامح التفكير العميق تظهر عليهما. كانت بذرة الخطة قد زرعت. خطة قد تغير مصير المزرعتين، وتجمع "بين عالمين" بطريقة لم تخطر على بال أحد.

...........................

لم يجد الحاج يوسف صعوبة كبيرة في إقناع آدم بخطة الحاج فاروق. بعد كوارثه المتكررة، وبعد مكالمات زين التي كانت تلمح إلى "حلول" مستقبلية، شعر آدم أن هذا قد يكون السبيل الوحيد لإرضاء جده والبقاء على مسار الميراث، حتى لو عنى ذلك "الإهانة" بالتعلم من فتاة ريفية. كان يتخيلها وهي تعامله باستعلاء كما فعلت في لقائهما الأول، وهذا ما كان يغيظه.

.................

في صباح اليوم التالي، الحاج يوسف استدعى آدم إلى مكتبه الخاص. كان المكتب يتميز بلمسة كلاسيكية، أثاث خشبي داكن، ورفوف مليئة بالكتب القديمة عن الزراعة والاقتصاد.

"آدم، أنا قررت إنك هتبدأ تتعلم الشغل بجد." قال الحاج يوسف بنبرة حازمة، وهو ينظر إلى حفيده. "والمزرعة دي عايزة حد يفهم فيها، وده مش أنت لحد دلوقتي. فاروق، صاحبى مزرعته جنبنا ، حفيدته شُهب، هي اللي بتدير المزرعة بتاعتهم بكفاءة عالية. أنا عايزك تروح عندها، وتتعلم منها كل كبيرة وصغيرة عن الأرض دي."

آدم اتصدم. "إيه؟ أتعلم من واحدة... فلاحة؟ يا جدي، أنا رجل أعمال، وليا شركتي، مش محتاج أتعلم من حد !"

"الأرض دي ورثك يا آدم! ولو مش عايزها تضيع من إيدك، يبقى هتتعلم. شُهب  شاطرة وفاهمة، أحسن منك مليون مرة في الشغل ده. يا تروح تتعلم منها، يا تنسى كل حاجة ليها علاقة بيا وبالمزرعة دي." قال الحاج يوسف بصرامة، قاطعاً أي جدال.

تنهد آدم بضيق بالغ. لم يكن أمامه خيار. "حاضر يا جدي." قالها على مضض، وهو يشعر بالغيظ من هذا الموقف المهين.

........................

في فيلا دولت الفاخرة في القاهرة، كانت الأجواء متوترة. هاتفها رن، وكانت المتصلة مديحة، زوجة عم شُهب.

"ألو يا مديحة، إيه الأخبار؟" قالت دولت بنبرة متضايقة، وهي تعدّل من وضع وسادتها على الأريكة الحريرية.

"أخبار زفت يا دُولت! مش هتصدقي اللي عملته شُهب المستفزة دي!" صوت مديحة كان يقطر غضباً من الطرف الآخر.

"إيه تاني؟ البت دي عايزة إيه بالظبط؟" سألت دولت وهي ترفع حاجبيها بضيق.

"جاتلي وزعقتلي أنا وشروق، وقالت إنها مش هتدينا أي حاجة من إنتاج المزرعة غير لما نقولها قبلها بوقت كافي! وفاكرة نفسها صاحبة المزرعة لوحدها! دي لازم حد يوقفها عند حدها!" انفجرت مديحة شاكية، مستفيضة في وصف الإهانة التي شعرت بها.

دولت عضّت على شفتيها بغيظ. "يا بت .....، دي بقت قليلة الأدب أوي! طب ماشي يا مديحة، سيبيني أنا هتصرف. مش ههنيها ."

أنهت دولت المكالمة، ورمت الهاتف على الطاولة بقوة. كانت متضايقة جداً من شُهب.

هذه الفتاة الصغيرة التي كانت تعيش في كنف جدها، أصبحت الآن صاحبة رأي وتتجرأ على معارضة "الكبار". كانت ترى في شُهب تهديداً لمكانتها ومكانة عائلتها، ولصورة الرفاهية التي يحاولون إظهارها.

"لازم ألاقي طريقة أوقف بيها البنت دي عند حدها." فكرت دولت وهي تفرك ذراعها بقوة.

في هذه اللحظة، دخلت الخادمة إلى الصالون. "يا هانم، الأستاذ سيف بره وعايز يقابلك."

"سيف؟ دخليه فوراً!" قالت دولت وهي تضيء ملامحها بابتسامة مصطنعة.

دخل سيف، أخو دولت الأصغر، وهو في أوائل الأربعينات. كان وسيمًا، يرتدي ملابس أنيقة، وعلى وجهه ابتسامة ساحرة. هو رجل ناجح يدير شركة والده، لكنه مشهور بزيجاته المتعددة وطلاقاته السريعة، فهو "بتاع بنات". لديه توأم (ولد وبنت) في السابعة من عمرهما، يعيشان مع والديه.

"دولي القمر! إيه الشياكة والحلاوة دي؟ أنتي كل مرة بتصغري كده!" قال سيف وهو يحتضن أخته ويقبلها على خدها.

"وحشتني يا سيف! مش بتبطل بكش أنت. المهم أخبارك إيه أنت ومراتك الجديدة؟" سألت دولت، وهي تحاول التظاهر بالاهتمام.

سيف جلس على الأريكة المقابلة، وتنهد بملل. "أنا كويس. وبالنسبة لداليا... طلقتها."

اتسعت عينا دولت بدهشة. "إيه؟ أنت لحقت! ده أنت مبقالكش 3 شهور متجوزها!"

"زهقت يا دُولي. دخلت في الجد بقى... 'رايح فين وكنت مع مين؟' و'عايزة أخلف'... لا يا بيبي باي! مبحبش الخنقة دي. وبس." قال سيف بلامبالاة، وكأن الأمر لا يعنيه.

"ليه بس كده؟ زعلتني... دي كانت كويسة... وبتعامل عيالك حلو... وماما وبابا رأيهم إيه؟" قالت دولت، وهي تعرف جيداً رد فعل والديها.

"ما ده اللي جاي لك علشانه... مش طايقني ومغلطني في موضوع الطلاق. عايزك تكلميهم وتصالحيني عليهم." قال سيف، وهو يمد يده ليتناول قطعة شوكولاتة من طبق على الطاولة.

"مع إن عندهم حق... بس حاضر يا سيف. أخلص بس من موضوع شُهب وأكلمهملك." قالت دولت، وما زالت منغمسة في مشكلة شُهب.

"مالها شُهب؟ هي صحيح كبرت دلوقتي... بقالي كتير ما شفتهاش." سأل سيف بفضول، وفجأة لمعت عيناه بنظرة خاصة.

"دي كبرت وبتدير المزرعة... وبتأمر و بتزعق لمديحة علشان بتطلب حاجات ليها من الإنتاج... البت فاكرة نفسها صاحبة المكان." قالت دولت بضيق.

"واحلوت بقى على كده... كانت حلوة وهي صغيرة." قال سيف بابتسامة واسعة، وقد بدت عليه علامات الاهتمام الحقيقي، وليس مجرد الفضول.

نظرت دولت إلى أخيها بتوجس. سيف له تاريخ طويل مع النساء، وعيناه الزائغتان لم تخطئا جمال شُهب وهي صغيرة. والآن، وقد أصبحت شُهب امرأة ناضجة تدير مزرعة ناجحة، قد تبدو له "فريسة" جديدة ومثيرة للاهتمام.

"سيف... إيه عينك هتزوغ عليها؟ دي صغيرة عليك!" قالت دولت محاولة إغلاق الموضوع بسرعة، فهي تعرف جيداً أخيها عندما يضع امرأة في رأسه. هي لا تريد أي مشاكل جديدة، خاصة مع المزرعة التي ترى فيها مصدر دخل محتملاً لعائلتها، ولا تريد أن يفسد سيف ذلك.

"إيه صغيرة دي؟ هو أنا كبير ولا إيه؟ ده الأصغر منها يتمنوا إشارة مني!" رد سيف بغرور، وهو يبتسم ابتسامة واثقة.

"سيبك من شُهب... وخلينا في موضوعك أنت." قالت دولت وهي تحاول بكل جهدها تغيير مجرى الحديث، فقد بدأت تشعر بالقلق من اهتمام سيف المفاجئ بشُهب.

هذا الاهتمام قد يسبب مشكلة أكبر من مجرد الاستيلاء على المنتجات. في ذهن دولت، ولكن بدأت تتشكل فكرة خبيثة قد تستغل سيف فيها لإيقاف شُهب عند حدها، بطريقة أو بأخرى.

رأيكم..... وفوت 🌟 🌟

وكومنتات كتير❤️❤️❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج٢: وجمعهم القدر

المؤلف Angel
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة