الفصل الرابع: آدم في المزرعة.. صدمة ومقاومة
في صباح اليوم التالي، كانت الشمس قد أشرقت بقوة على المزرعة. وصل آدم بسيارته إلى المدخل . ترجل منها ببطء، يلقي نظرة استعلاء على المكان.
كان يرتدي قميصاً خفيفاً وبنطلوناً من الجينز، لكن حذاءه الرياضي الأبيض كان يبدو غريباً في هذه البيئة الترابية. شعر ببعض الغبار على وجهه فور نزوله من السيارة، ورائحة السماد الطبيعي التي لم يعتدها أثارت في نفسه شيئًا من النفور. لم يكن متحمساً على الإطلاق.
توجه نحو بيت الجد فاروق، حيث وجد شُهب تقف في الساحة، تعطي بعض التوجيهات لعم صلاح ولعدد من العمال. كانت ترتدي ملابس عمل عملية، وشعرها مربوط بإحكام، وتبدو عليها علامات الجدية والتركيز. كانت تتحدث بثقة، وتومئ برأسها للعمال وهم يستمعون إليها باهتمام.
"صباح الخير يا آنسة شُهب." قال آدم ببرود، محاولاً إخفاء توتره.
نظرت إليه شُهب بنظرة جادة. "صباح النور يا آدم. أهلاً بك في مزرعة 'أرض الخير'." قالتها بلهجة لا تحمل أي ترحيب زائد. "أظن الحاج يوسف بلغك بالترتيبات؟"
"اه، أبلغني. جيت اتعلم." قال آدم، وكلمة "أتعلم" كانت تخرج منه بصعوبة، كأنها تثقل لسانه.
"كويس. يبقى أهلاً بك. مبدئياً، مفيش هنا أستاذ و آنسة. أنا شُهب، وأنت آدم." قالت شُهب بحزم، وهي تنظر في عينيه مباشرة، ثم تابعت: "و زي ما اتفقنا، مبدئياً، أنت هتبقى مراقب. هتراقب كل حاجة بتحصل في المزرعة، من أول ما الشمس تطلع لحد ما تغيب. هتراقب العمال، المحاصيل، الري، كل حاجة. وممنوع تتدخل في أي حاجة، وممنوع تدي أي أوامر لأي عامل. مفهوم؟"
شعر آدم بالغضب من لهجتها الآمرة، لكنه تذكر تهديد جده الذي لا يمزح.
"مفهوم." قالها بصوت خفيض.
"تمام." قالت شُهب بجدية، ثم وجهت كلامها لعم صلاح: "عم صلاح، آدم هيكون معانا النهاردة كـ'ملاحظ'. هترحب بيه وهتجاوب على أي أسئلة يطرحها عن الشغل، بس أي تدخل منه تبلغني فوراً."
"حاضر يا بنتي." قال عم صلاح بابتسامة، وهو ينظر إلى آدم بنظرة تحمل بعض الشفقة، كمن يرى طفلاً أُلقي به في عالم الكبار.
بدأ آدم يومه الأول كمراقب. تبِع شُهب وهي تتجول في أنحاء المزرعة. كانت شُهب تتحدث مع العمال بلهجتهم البسيطة، تستمع لمشاكلهم بعناية، وتشاركهم في بعض الأعمال اليدوية دون تكلف. رآها وهي تفحص أوراق النباتات الخضراء، تلمس التربة بيدها لتقييم رطوبتها، وتشرف على عملية فرز الفاكهة الطازجة في المخازن الباردة. كانت لديها معرفة تفصيلية بكل شيء، وكأن المزرعة كتاب مفتوح بين يديها.
في حقل الطماطم، حيث كانت كارثة آدم الأخيرة ما زالت آثارها بادية، توقفت شُهب. "الجزء ده من المحصول اتأثر كتير من الري الغلط." قالت شُهب لعم صلاح، دون أن تنظر إلى آدم، وكأنها تتعمد تجاهل وجوده.
"هنعوضه إزاي؟"
عم صلاح شرح الخطة لاستعادة الحقل. آدم كان يقف بعيداً، يشعر بالخجل والغيظ في آن واحد. كان يرى مدى الفرق بين "نظرياته" الأكاديمية وواقع العمل الشاق الذي تقوم به شُهب بيديها وعقلها. لم يكن يتخيل أن إدارة مزرعة بهذا الحجم تتطلب كل هذا المجهود البدني والذهني، والمعرفة العميقة التي لا تأتي إلا بالخبرة والممارسة.
تناول العمال غداءهم معاً في مكان مخصص لهم تحت ظل شجرة كبيرة، حيث انتشرت رائحة الخبز الطازج والجبن. شُهب جلست معهم، تتناول الطعام البسيط الذي أعدته الحاجة نعمة. آدم، الذي كان يشعر بالجوع والعرق يتصبب منه، تردد قليلاً ثم اقترب.
"مش هتاكل يا آدم؟" سألته شُهب، وهي ترفع حاجبيها ببرود.
"أنا... أنا متعود على أكل مختلف." قال آدم، محاولاً إظهار بعض الكبرياء والتعالي، رغم بطن تهدر من الجوع.
"الأكل هنا كله من خير الأرض دي، ونضيف. لو عايز تاكل، اتفضل. لو مش عايز، براحتك." قالت شُهب ببرود، وهي تعود لحديثها مع العمال.
شعر آدم بالإهانة، لكن الجوع كان أقوى من كبريائه. جلس بعيداً قليلاً عنهم، وتناول بعض الخبز والجبن الذي قدمته له الحاجة نعمة، بينما كان يسترق النظر إلى شُهب وهي تتحدث وتضحك مع العمال وكأنها واحدة منهم. كان يرى الاحترام الحقيقي في عيونهم، وشعر بشيء من الحسد لذلك التقدير الذي لم ينله هو قط في عالمه السابق.
.................
في منتصف النهار، بينما كان آدم يراقب العمال في أحد الحقول، رن هاتفه. كانت روزانا.
"ألو يا آدم! إيه الأخبار؟ وحشتني!" قالت روزانا بصوت دلوع، محاولة أن تجذبه إليها من بعد.
"أهلاً يا روزانا. أنا في المزرعة هنا." قال آدم بضيق، وهو يحاول الابتعاد عن العمال حتى لا يسمعوه.
"المزرعة؟! هو أنت لسه في القرف ده؟ ما زهقتش؟" قالت روزانا بسخط، وصوتها يدل على عدم تقبلها للموقف. "طب عملت إيه؟ أقنعت جدك ترجع بقى؟"
"الموضوع معقد يا روزانا. جدي مصر إني أتعلم هنا. وهما هنا عاملين لي... اختبار. أنا هنا بتعلم من بنت فلاحة!" قال آدم بصوت خفيض، مليء بالغيظ وكأنه يصف عقاباً له.
"بنت فلاحة؟ مين دي؟" سألت روزانا بنبرة غيرة واضحة في صوتها.
"دي واحدة اسمها شُهب. هي اللي بتدير المزرعة الى جنبنا. وجدي عايزني أتعلم منها." قال آدم، محاولاً أن يبدو غير مهتم وكأنه يصف موقفاً عابراً.
"واحدة فلاحة هتعلمك أنت؟ هو أنت هتنزل لمستواها كده؟ خلي بالك يا آدم، البنات دول بيبقوا بتوع مصالح. وأنت غني، ممكن تستغلك." قالت روزانا بلهجة تحذيرية، مليئة بالغيرة والشك. "أنا قلقانة عليك يا حبيبي. ارجع بسرعة. أو على الأقل، متخليهاش تتدخل في حياتك."
أغلقت روزانا الخط، تاركة آدم في حيرة. كلامها أثار شكوكه القديمة حول شُهب. هل هي فعلاً تحاول استغلاله أو استغلال الموقف؟ أم أن روزانا هي التي تبالغ بسبب غيرتها؟ نظر آدم نحو شُهب من بعيد. كانت تقف تحت أشعة الشمس، قوية، عملية، وواثقة من نفسها. شيء في مظهرها كان يجعله يشعر بالارتباك، مزيج من الإعجاب المكتوم والنفور القديم، لكن الأكيد أنه بدأ يدرك أن هذه الفتاة ليست مجرد "فلاحة" عادية.
انتهى اليوم الأول لآدم في المزرعة. كان يوماً طويلاً وشاقاً نفسياً. لم يتعلم الكثير عن الزراعة، لكنه تعلم الكثير عن نفسه وعن مدى جهله بهذا العالم، ومدى قوة هذه الفتاة "الفلاحة" التي تحدت كل توقعاته. الإرهاق البدني لم يكن شيئًا يذكر مقارنة بالكم الهائل من الأفكار التي بدأت تتقلب في عقله.
في اليوم الثاني لآدم في المزرعة ، استيقظ قبل شروق الشمس، وهو يتأفف من قلة النوم التي تسبب بها الفراش غير المريح ورائحة الريف التي لم يعتدها. ارتدى ملابسه العملية التي أحضرها معه على مضض، وخرج إلى ساحة المزرعة. كانت الأجواء مختلفة عن صخب القاهرة؛ هدوء يقطعه زقزقة العصافير وصوت العمال وهم يبدأون يومهم بنشاط.
وجد شُهب بالفعل في قلب العمل. كانت تشرف على تحميل شحنة من الخضراوات الطازجة في سيارة النقل المتجهة إلى الفنادق الكبرى في المدينة. كانت تتحدث مع سائق السيارة وتراجعه على قائمة التسليم، بينما يراقب العمال عملية التحميل بدقة.
"صباح الخير يا شُهب." قال آدم بصوت خفيض، وهو يقترب منها. كان يحاول أن يبدو أكثر هدوءًا اليوم، بعد صدمة الأمس.
نظرت إليه شُهب بإيماءة بسيطة. "صباح النور يا آدم. كويس إنك صحيت بدري. فيه شغل كتير النهاردة." قالتها دون توقف عن مراجعة الأوراق مع السائق. "زي ما اتفقنا أمس، هتفضل مراقب. وركز على عملية التسويق والتوزيع النهاردة. شوف الخضار بيتحمل إزاي، وبيوصل لمين."
شعر آدم بضيق خفيف من إهمالها له، لكنه قرر أن يلتزم الصمت. وقف بجوارها يراقب عملية التحميل، محاولاً فهم الآلية. كانت الأيدي تعمل بمهارة وسرعة، والصناديق مرتبة بدقة. لم يتخيل أن الأمر بهذه التنظيم.
بعد مغادرة سيارة التوزيع، توجهت شُهب إلى بيت الجد فاروق لتناول الإفطار الخفيف مع جدها. آدم لم يُدْعَ، فبقي في الخارج يتجول وحده، يراقب باقي أنحاء المزرعة. مر على بيوت الدواجن، حيث كانت الدجاجات تتجول بحرية، وبعض العمال يجمعون البيض الطازج. كانت الرائحة قوية، لكن المنظر كان مختلفاً عن مزارع الدواجن الصناعية التي سمع عنها.
ثم مر على حظائر الماشية، حيث كانت الأبقار تأكل بهدوء. سمع صوت الحليب وهو يُحلب يدوياً في بعض الأماكن، وباستخدام آلات بسيطة في أماكن أخرى. لاحظ نظافة المكان وترتيبه، على عكس ما توقعه من "مزرعة فلاحين".
بعد الإفطار، خرجت شُهب مرة أخرى، وتوجهت إلى حقل الفاكهة. هذه المرة، لم يكن هناك عمال كثيرون، بل كانت تفحص الأشجار بنفسها. آدم تبعها من بعيد، حريصاً على ألا يتدخل.
في إحدى اللحظات، توقفت شُهب أمام شجرة خوخ بدت عليها بعض الأوراق الصفراء. انحنت لتفحص الأوراق عن قرب، ثم التقطت ورقة وسحقها بين أصابعها.
"إيه المشكلة؟" سأل آدم، وقد تجاوز رغبته في الصمت.
نظرت إليه شُهب. "مشكلة في التربة، أو في التسميد. لازم أراجع تقارير التحليل وأشوف إيه اللي ناقص. لو استمر الوضع كده، الشجرة كلها هتتأثر."
قالت شُهب بجدية، وكأنها تتحدث إلى نفسها أكثر مما تتحدث إليه.
شعر آدم بالحرج، فهو لا يفهم شيئاً مما تقوله عن التربة أو التحليل. كان عالمه كله عن الأرقام في البورصة وتقارير الأرباح والخسائر، لا عن أوراق الأشجار.
بينما كانت شُهب تشرح لآدم بعض التفاصيل عن الأشجار، رن هاتفها. كان المتصل أحد الفنادق المتعاملة مع المزرعة، يطلب كمية إضافية من نوع معين من الخضراوات بشكل عاجل.
"تمام يا فندم، حاضر. هنشوف الكمية المتاحة وهنكلمك." قالت شُهب في الهاتف، ثم أغلقت الخط.
آدم "خير ، فى مشكلة"
التفتت إلى آدم. "في طلبية إضافية من فندق مهم. الكمية المتاحة متكفيش اتسحبت من كم يوم. ولسة متعوضتش"
لم يستطع آدم كبت تعليقه. "أنا سمعت إن عيلتك بتستغل خير المزرعة دي، وبتسحب منها كميات كبيرة من غير حساب." قالها بنبرة تحمل اتهاماً خفيفاً، متأثراً بحديث روزانا بالأمس.
نظرت إليه شُهب بغضب. "أنت سمعت؟ مين اللي قالك كده؟"
"مش مهم مين اللي قال. المهم إن دي الحقيقة. ليه متوقفيش ده؟ دي مزرعة جدك، ومن حقك تمنعي أي استغلال." قال آدم بحدة، وقد نسي قواعد "المراقبة" التي فرضتها عليه.
"أنا بوقف أي استغلال، بس الموضوع مش بالسهولة اللي أنت متخيلها. دي عيلتي. مش زي الشركات اللي بتعمل فيها صفقات وتخلص." ردت شُهب بحدة. "بس اللي أنا عملته انى حطيت قوانين صارمة لأي حد عايز ياخد أي حاجة من المزرعة."
تذكر آدم مشهد المواجهة التي رواها له جده يوسف. "بس ده مش كفاية. أنتِ اللي مسؤولة عن كل حاجة هنا، فلازم يكون عندك السلطة الكاملة تمنعي أي حد يتدخل في شغلك."
نظرت إليه شُهب بعينيها اللامعتين، شعرت بأن آدم يتدخل في شؤونها الخاصة، لكن كلماته لم تكن خاطئة تماماً. "وأنت مالك؟ أنت هنا مراقب وبس. مش دورك تدي نصايح أو تتكلم عن طريقة إدارتي للمزرعة." قالتها بنبرة حادة، محاولة إيقافه عند حده.
"أنا هنا عشان أتعلم الإدارة، وواضح إن فيه مشاكل في الإدارة دي." قال آدم بعناد. "مش المفروض إن المزرعة دي ليها خطة إنتاج والتزامات معينة؟ لما حد بيسحب كميات كبيرة كده، ده بيأثر على كل حاجة."
النقاش بينهما احتد. كان صراعاً بين غرور آدم واعتداده بنفسه، وبين كبرياء شُهب ودفاعها عن جهودها. بدأت شُهب تشعر أن آدم ليس مجرد مراقب بسيط، بل هو يحاول أن يفهم ويحلل، وإن كان بطريقته الفوقية. بدأ آدم يرى أن شُهب ليست مجرد "فلاحة"، بل هي مديرة قوية تواجه تحديات حقيقية.
انتهى اليوم الثاني. آدم عاد إلى بيت جده يوسف وهو يشعر بتعب لم يعتده. لم يكن تعباً جسدياً فقط، بل إرهاقاً ذهنياً من حجم المعلومات التي لم يفهمها بالكامل، ومن الصراع الخفي بينه وبين شُهب. المزرعة بدأت تكشف له أسرارها، لكنها كانت أسراراً معقدة، مليئة بالتحديات، وبعيدة كل البعد عن عالم الشركات الذي اعتاد عليه.
مر أسبوع كامل على آدم في المزرعة مع شهب يتعلم منها . كان كل يوم يمثل تحديًا جديدًا وتجربة مغايرة لما اعتاده. لم يكن مجرد "ملاحظ" بلا فائدة؛ فقد بدأ يرى تفاصيل لم تخطر له ببال. شاهد كيف أن شُهب تستقبل الفجر في الحقول، وكيف تتابع كل صغيرة وكبيرة، من البذور التي تُزرع إلى المحاصيل التي تُحصد. لاحظ شغفها الذي لا ينتهي، وذكائها في حل المشكلات اللحظية، وطريقتها الحكيمة في التعامل مع العمال الذين أصبحوا بمثابة عائلتها.
كانت شُهب لا تفوت فرصة لتلقين آدم درسًا عمليًا.
كانت تجيب على أسئلته (التي بدأت تتكاثر)، وتشرح له أهمية كل خطوة، لكن دائمًا بلهجة عملية لا تخلو من لمسة تحدٍ. بدأ آدم يدرك أن المزرعة ليست مجرد "أرض وتراب"، بل هي كيان حي يحتاج إلى رعاية ومعرفة دقيقة. بدأ يرى الجمال في خضرة الحقول، وفي نضارة الفاكهة، وفي بساطة الحياة هنا.
كان أكثر ما أدهشه هو مدى التزام شُهب. لم تكن مجرد مديرة، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من المزرعة، تعمل بيديها، وتعرف أسماء كل عامل ومشاكله. هذا الانغماس الكامل كان غريبًا تمامًا عن عالمه الذي اعتاد فيه على التفويض وإدارة الأمور من بعيد.
بعد هذا الأسبوع، جاء دور شُهب لتكون مع ادم ، بناءً على ترتيب بين الجدين. كانت الخطوة مفاجئة لآدم، فقد اعتاد وجودها في مزرعتها.
في صباح اليوم الذي حددته شُهب، وصلت إلى مزرعة الحاج يوسف. كان الجد فاروق قد طلب منها أن تذهب وتساعد آدم في فهم الأمور هناك. كانت هذه المزرعة أضخم وأكثر فوضى من مزرعة جدها، وقد لاحظت ذلك فور دخولها.
"صباح الخير يا عمي صلاح." قالت شُهب لمدير العمال في مزرعة الجد يوسف، .
"أهلاً يا بنتي شُهب، نورتي المكان. أهلاً بيكي." رد عم صلاح بابتسامة واسعة، سعيدًا بوجودها.
ظهر آدم من بعيد، وابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهه عندما رآها. كانت ابتسامة غير واضحة، مزيجًا من المفاجأة والترحيب الخجول.
"أهلاً شُهب." قال آدم، نبرته كانت أقل حدة من ذي قبل.
"أهلاً آدم. جدي طلب مني أساعدك تفهم الدنيا هنا وتظبطوا الشغل." قالت شُهب بجدية، ثم نظرت حولها. "المزرعة كبيرة، ومحتاجة شغل كتير."
بدأت شُهب جولتها التفقدية في مزرعة الجد يوسف. كانت تسير بخطوات واثقة، تسأل عم صلاح عن المحاصيل، عن المشاكل، عن حالة الأرض. آدم كان يتبعها، يلاحظ كيف أنها تفهم أدق التفاصيل وتلتقط المشاكل بحدسها.
"بص يا آدم، المزرعة دي كبيرة وإمكانياتها ضخمة، بس محتاجة نظام." قالت شُهب، وهي تمسك ببعض أوراق الذرة الصفراء. "هعملك جدول بالحاجات المتوفرة عندنا من إنتاج، وجدول باللي المفروض يتزرع ويتحصد إمتى. وهنحط خطة للشغل اليومي. وده هتابعه معاك كل يوم لمدة أسبوع، لغاية لما تفهم الدنيا ماشية إزاي وتقدر تديرها لوحدك."
شعر آدم بشيء من الامتنان ممزوج بالانبهار. كانت عملية ومنظمة بشكل يفوق توقعاته. نظراته نحوها بدأت تتغير. لم تعد تلك "الفلاحة" التي تثير سخريته، بل أصبحت "شُهب"، الفتاة القوية الذكية التي تفهم ما تفعله. بدأ يدرك أن المزرعة ليست مجرد قطعة أرض، بل هي عالم كامل، وشُهب هي السيدة التي تسيطر على هذا العالم ببراعة. بدأ يشعر بنوع من الاحترام الممزوج بالفضول والتقدير الخاص تجاهها وتجاه عالمها.
............................
في نفس اليوم، ولكن في جزء آخر من مزرعة الفاروق، قررت دولت أن تقضي اليوم هناك. كانت قد جاءت مع زوجها مختار وابنها كريم. كان كريم يبدو متضايقًا من فكرة قضاء اليوم في المزرعة، وهو الذي يفضل الأماكن الراقية في المدينة.
"يا ماما، إيه الملل ده؟ مفيش حاجة نعملها هنا!" قال كريم بضجر، وهو يتصفح هاتفه.
"يا كريم، اسكت بقى. مش لازم تبين إنك زهقان. الناس بتبص علينا." قالت دولت بنبرة منخفضة. "لو زهقان أوي كده، نادي على أصحابك تعالوا اقضوا اليوم معانا."
لم تمر دقائق حتى رن هاتف دولت. كان المتصل سيف، أخوها. كان قد علم بوجود دولت في المزرعة.
"دُولي! إيه ده؟ بتقضي اليوم في المزرعة ومش بتعزمني؟" قال سيف في الهاتف بمرح مصطنع.
"سيف! عرفت إزاي؟" قالت دولت بدهشة.
"من مامى يا دُولي . المهم، أنا جاي ومعايا ولادي بسنت وباسم. الأولاد دول عايزين يشوفوا المزرعة والحيوانات. يلا، مسافة السكة وهنكون عندك." قال سيف، صوته كان حازماً ولم يترك لدولت مجالاً للاعتراض.
شحبت ملامح دولت. كانت تعرف أن سيف لم يأتِ ليرى الحيوانات، بل لوجود شُهب في المزرعة. كانت تعلم أن نظراته الزائغة لن تخطئ شُهب.
بعد وقت قصير، وصلت سيارة سيف الفارهة. ترجل منها هو وابناه التوأم، بسنت وباسم، اللذان كانا في غاية النشاط والحماس لاستكشاف المكان.
"أهلاً وسهلاً يا سيف! نورت المزرعة!" قالت دولت وهي ترحب بأخيها، وعلى وجهها ابتسامة متكلفة.
"أهلاً بيكي يا دُولي! إيه المزرعة الحلوة دي؟" قال سيف، وهو يلتفت حوله، وكأنما يبحث عن شيء معين.
"فين شُهب؟ مش هي اللي بتدير المكان ده كله؟"
شعر مختار بالضيق من اهتمام سيف المباشر بابنته. لكن دولت تدخلت بسرعة. "شُهب مش هنا النهاردة يا سيف. هي راحت المزرعة الى جنبنا تساعد هناك."
ارتسمت علامات الخيبة على وجه سيف، لكنه سرعان ما أخفاها بابتسامة. "آه! طيب كويس، يمكن نشوفها يوم تاني." ثم وجه انتباهه لأولاده.
"يلا يا ولاد، شوفوا الخرفان ."
بينما كان الأطفال يركضون ويستكشفون، ظلت دولت تراقب سيف بحذر، متأكدة أن اهتمامه لم يكن بريئًا، وأن وجود شُهب في المزرعة المجاورة لا يعني أنها بعيدة عن خططه. نار الغيرة بدأت تشتعل في قلب دولت من جديد، هذه المرة ممزوجة بالقلق من نوايا أخيها تجاه شُهب.
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel