الفصل الثانى: أولى خطوات آدم في المزرعة ولقاء غير متوقع
بعد ليلة لم يغمض فيها لآدم جفن، استيقظ على صوت زقزقة العصافير التي لم يعتدها، وعلى ضوء الشمس الذي تسلل بقوة إلى غرفته في البيت الكبير.
ارتفعت حاجبه بضيق، فصوت الطبيعة هذا كان غريباً ومزعجاً لأذنيه التي اعتادت ضجيج المدن.
نهض من فراشه الفاخر، وشعر بثقل الأوامر التي ألقاها جده عليه.
"فلاح! أنا؟" تمتم بسخرية وهو يرتدي قميصاً قطنياً خفيفاً وبنطالاً رياضياً، محاولاً التكيف مع هذا الزي الغريب عن عالمه.
نزل آدم إلى الفناء الواسع للمزرعة، التي بدت شاسعة ومختلفة تماماً عن الصور النمطية التي في ذهنه. رأى بعض العمال يبدأون يومهم، يحملون أدواتهم ويتجهون نحو الحقول. اقترب منهم أحد المشرفين، رجل في الخمسينات يدعى "عم صلاح"، بدا عليه الاحترام لكنه يحمل في عينيه خبرة السنين.
"صباح الخير يا آدم بيه." قال عم صلاح بابتسامة هادئة.
"الحاج يوسف طلب مني أكون تحت أمرك النهاردة، لو حبيت تشوف أي حاجة في المزرعة."
نظر إليه آدم بنظرة متعالية، لم يبادله الابتسامة.
"صباح النور. ماشي ، خلينا نشوف المزرعة دى ماشية ،ازاى." قالها بلهجة تحمل استخفافاً واضحاً، مما جعل عم صلاح يضيق عينيه قليلاً.
بدأ عم صلاح يشرح لآدم عن أنواع المحاصيل، مواعيد الزراعة والحصاد، وأنظمة الري.
كان آدم يستمع بملل واضح، يقطع حديث عم صلاح بأسئلة تبدو سطحية أو استنكارية.
"وانتوا لسة بتستخدموا الالات القديمة دى ، المفروض تتطوروا بقى؟"
"يا بيه، الأرض دي ليها طبيعتها، وفي حاجات مينفعش فيها غير إيد الإنسان وخبرته."
حاول عم صلاح الشرح بصبر، لكن آدم لم يكن مهتماً بالفهم بقدر اهتمامه بإثبات أن هذا العالم أقل منه. بعد ساعة من التجول، توقف آدم فجأة.
"قولى بقى ، ايه المشاكل الى بتقابلكوا ، التقصير بيكون فى ايه وبستعملوا ايه للرش و السماد ؟" سأل آدم، محاولاً أن يبدو مهتمًا، لكن نبرته كشفت عن رغبته في إيجاد مبرر لرفضه هذا العمل، أو حتى لتقليل قيمة المزرعة.
عم صلاح هز رأسه بهدوء. "لا يا بيه، الحمد لله الأمور مستقرة. الحاج يوسف مهتم جداً بالمزرعة، ومحدش بيقدر يتهاون في الشغل هنا." لم يجد آدم أي ثغرة، وشعر بإحباط خفي من عدم قدرته على إثبات وجهة نظره.
تجول آدم في المزرعة، وشعر بالضيق من الغبار، ومن رائحة التربة، ومن حرارة الشمس التي بدأت تشتد. كلما رأى عاملاً ينحني ليزرع أو يحصد، زاد شعوره بالاشمئزاز من هذا العمل الذي يراه دون مستواه.
"مستحيل مش اقدر اكمل حياتي هنا." فكر آدم وهو يمسح العرق عن جبينه. كان شعوره بالضياع يزداد، فهو لا يفهم شيئاً هنا، وكل ما يراه يبدو له عشوائياً وغير منظم.
...................
في مزرعة "الفاروق" المجاورة، كانت شُهب في أوج نشاطها. كانت المزرعة تعج بالحياة، أصوات العمال، خوار المواشي، حفيف الأشجار. شُهب، التي كانت ترتدي ملابس عمل بسيطة لكنها نظيفة، كانت تشرف على عملية حصاد محصول القمح. كانت تقف وسط الحقول الذهبية، التي تمتد كبساط حريري تحت أشعة الشمس الدافئة، وتتحدث مع العمال بابتسامة ودودة.
"يا عم إبراهيم، خلي بالك من الأطراف كويس، عشان مفيش ولا حبة قمح تقع على الأرض." قالت شُهب لشيخ كبير يعمل في المزرعة، يمسك بمنجله بمهارة.
"عينيا يا بنتي يا شُهب، متقلقيش. ده محصول تعبنا فيه كلنا." رد عم إبراهيم بحب، وهو يرى فيها امتداداً لجدها.
لم تكتفِ شُهب بالمراقبة، بل انحنت بنفسها لتساعد في جمع بعض السنابل المتناثرة، يداها الناعمتان تلامسان الأرض بحب واحترام. كانت رائحة القمح الطازج تملأ المكان، ممزوجة بعبق الزهور البرية التي تنمو على أطراف الحقول. بعد ذلك، توجهت إلى حظيرة المواشي، حيث كانت الأبقار والخراف تتناول طعامها. تحدثت إلى العامل المسؤول، "يا عم صابر، طمني على البقرة اللي كانت تعبانة امبارح، أكلت كويس؟"
"زي الفل يا ست شُهب ، طول ما أنتِ بتطلي عليها كده، ربنا بيباركلنا." قال عم صابر وهو يبتسم.
كانت شُهب تجسيداً لروح المزرعة، تعرف كل شبر فيها، وكل كائن حي يعيش عليها. كانت تهتم بأدق التفاصيل، من جودة التربة إلى صحة الحيوانات، ومن متابعة الشحنات إلى حل مشاكل العمال. كان الجميع يحبها ويحترمها، لأنها كانت واحدة منهم، تعمل معهم وتشاركهم همومهم وأفراحهم.
...............
بعد أن شعر آدم بالملل والإرهاق من جولة "التعرف" على المزرعة، قرر أن يتمشى قليلاً بعيداً عن أعين عم صلاح، لعله يجد مكاناً هادئاً بعيداً عن هذا "التراب". سار آدم على غير هدى، متتبعاً طريقاً ترابياً ضيقاً يمر بين الأشجار، لم يكن يعلم أنه يقوده إلى حدود مزرعة "الفاروق".
في هذه الأثناء، كانت شُهب قد انتهت من الإشراف على جمع القمح، وقررت أن تستريح قليلاً تحت ظل شجرة تين قديمة على أطراف المزرعة، بالقرب من السور الذي يفصل بين مزرعتها ومزارع الحاج يوسف. كانت تتناول تفاحة حمراء طازجة من إنتاج المزرعة، وتستمتع بنسيم العصر العليل.
فجأة، سمعت شُهب صوتاً قادماً من الجهة الأخرى من السور. صوت خطوات سريعة وغير متأنية. لمحت رجلاً يرتدي ملابس غريبة عن المكان، يبدو عليه الضيق. كان آدم قد وصل إلى السور، يبحث عن مخرج أو طريق يعود به إلى "حضارة" المدن. رفع رأسه فرأى شُهب تجلس تحت الشجرة، ملامحها هادئة وبسيطة.
نظر إليها آدم ببرود، ثم تحدث بنبرة متعالية، وكأنها مجرد خادمة في المزرعة.
" لو سمحتى يا آنسة، الطريق ده بيودى على فين ، عايز اخرج من هنا."
رفعت شُهب حاجبيها بذهول من لهجته المتعجرفة، ثم نظرت إليه بتمعن. لم ترَ في حياتها شخصاً بهذا القدر من الغرور في مكان كهذا.
"من هنا" قالتها ببطء، ثم أشارت بيدها نحو الطريق الذي أتى منه.
"ده هيوديك المزرعة الكييرة بتاعة الحاج يوسف . اما لو عايز طريق الرئيسي تمشى طوالى واول شمال هيطلعك عليه."
"المزرعة الكبيرة، طوالى " قال آدم بسخرية، وهو يسمع لهجتها.
"انا جى منها ، وهى دى مزرعة تانية"
"ايوة ، دى مزرعة "الفاروق"." أجابت شُهب ببعض الحدة في صوتها، لم يعجبها أسلوبه. "وأنا الى بديرها."
نظر آدم إليها من أعلى إلى أسفل، ثم ابتسم بتهكم.
"أنتِ؟ " قالها وكأنها نكتة سخيفة ، ولا يصدق ان فتاة مثلها تستطيع إدارة مزرعة.
"اوك ، شكرا على المعلومة، الغير مفيدة بالمرة." ثم استدار ليعود من حيث أتى، دون أن يلقي عليها نظرة أخرى، وكأنها لم تكن موجودة.
شُهب نظرت إلى ظهره وهو يبتعد، وشعرت بالغضب يتصاعد داخلها.
"مغرور!" تمتمت لنفسها، وهي لا تصدق ما رأته. هذا الرجل لا يمت بصلة لعالمها، ولا يقدر قيمة الأرض أو العمل.
لم تكن تعلم أن هذا اللقاء العابر هو مجرد بداية لقصة ستجمع بين عالمين مختلفين تماماً، عالمها البسيط المتجذر، وعالمه الصاخب المتكبر.
بعد قعدته اللي كانت صدمة مع شُهب، آدم رجع البيت الكبير وهو متعصب ومتغاظ. ما كانش مصدق إن فيه بنت بالبساطة دي ممكن تدير مزرعة، والأهم، تتكلم معاه بالطريقة دي.
"مغرورة، وفلاحة!" تمتم لنفسه وهو بيرمي الجاكيت بتاعه على كرسي.
الأيام اللي بعدها، آدم حاول يثبت لجده إنه مش نافع للشغل ده. كان بيلف في المزرعة، يسأل العمال أي سؤال تيجي في باله، ويحاول يلاقي أي غلطة أو تقصير عشان يقدمها دليل على إن المكان ده فوضى. بس العمال، بتوجيهات عم صلاح، كانوا شغالين بجد ونظام، والمزرعة كانت زي الفل.
"يا عم صلاح، مفيش أي مشاكل في نظام الري؟ مش محتاجين صيانة فورية؟" سأل آدم في يوم، وهو واقف جنب طرمبة مياه قديمة، بيحاول يلاقي أي عيب.
"الـطرمبة دي يا بيه شغالة زي الساعة، وشهب بنتي بتراجع عليها كل أسبوع. مفيش أي مشاكل الحمد لله." رد عم صلاح بابتسامة هادية، وده خلى آدم يتغاظ أكتر.
حاول آدم يتدخل في شوية حاجات، فكان بيدي أوامر عكس اللي العمال متعودين عليها، أو يقترح حلول ملهاش لازمة بناءً على خبرته في عالم الشركات.
في مرة، حاول يغير طريقة توزيع العلف على البهايم، فاكر إنه كده هيخلّيها أحسن. النتيجة كانت فوضى كبيرة، البهايم كلها اتلمت في مكان واحد، وده عمل شوية مشاكل صغيرة.
"إيه القرف ده؟!" صرخ آدم بغضب لما شاف الفوضى اللي هو عملها.
"يا بيه، كل حاجة هنا ليها نظامها. البهايم دي متعودة على طريقة معينة." حاول واحد من العمال يشرحله بالراحة.
آدم حس بإحراج جامد، وبدأ يستوعب قد إيه هو جاهل بالعالم ده. ما كانش الموضوع مجرد "تراب" أو "شغل بدائي"، لأ ده كان نظام معقد ومحتاج خبرة ومعرفة حقيقية. حس بالضياع أكتر، وبدأ يحس إن جده رماه في بير عميق وهو مش عارف يخرج منه إزاي. كان بيتصل بـزين كل يوم، يشتكيله من الوضع ويطلب منه النصيحة.
"يا زين، الموضوع مستحيل! أنا مش فاهم أي حاجة هنا. كل حاجة مختلفة. مش قادر استحمل ده." قال آدم لزين في التليفون، صوته مليان يأس.
"اهدأ يا آدم. قولتلك، اصبر. ده مجرد وقت. اعمل نفسك بتجرب، واعمل اللي جدك عايزه منك، وفي الآخر، الأرض دي هتكون في إيدك، وساعتها نعمل بيها اللي عايزينه." رد زين بهدوء، بيحاول يهدي صاحبه، وهو بيفكر في خططه المستقبلية إنه يحوّل المزرعة لمشروع تجاري ضخم يجيب لهم فلوس كتير.
.........
في الوقت ده، روزانا، حبيبة آدم، كانت قلقانة من بعده عنها. كانت بتتصل بيه على طول، بتحاول تسيطر عليه حتى وهو بعيد.
"إيه اللي بتعمله هناك يا حبيبي؟ لسه في المكان الممل ده؟" سألت روزانا آدم في مكالمة فيديو، وهي قاعدة في شقتها الفخمة، لابسة شيك.
"متسأليش يا روزانا، الموضوع أسوأ مما تتخيلي. جدي مصر إني أفضل هنا." رد آدم بضيق، وهو بيدعك راسه.
"بس ده جنان! أنت راجل أعمال، مش فلاح! لازم ترجعلي، ترجع لحياتنا. فكر في شركتك، في مستقبلك." قالت روزانا بصوت مليان تملّك، وهي بتحاول تضغط عليه عشان يرجع، لأن وجوده في المزرعة بيهدد خططها المستقبلية معاه. كانت بتفكر في الميراث، وإزاي هي ممكن تستفيد منه.
بدأت روزانا تضغط على آدم عشان يرجع، وتفهمه انه مش هيقدر يستحمل العيشة هناك ، والمستوى ، واصحابهم يقولوا ايه.
في مزرعة "الفاروق"، كانت شُهب مشغولة بتجهيز طلبية كبيرة من الخضار والفاكهة الطازجة لفندق كبير.
الطلبية دي كانت مهمة جداً، لأنها هتفتح أبواب جديدة للمزرعة. كانت بتشرف بنفسها على التعبئة، وتتأكد من جودة كل حتة.
فجأة، وصلت عربية على باب المزرعة. نزلت منها مديحة (زوجة عم شُهب) وابنتها شروق. كانتا ترتديان ملابس أنيقة لا تناسب أجواء المزرعة الترابية، وتحملان حقائب يد باهظة الثمن.
"يا شُهب، حبيبتي! إزيك؟" قالت مديحة بصوت عالي وهي تتقدم نحو شُهب، وعلى وجهها ابتسامة لا تصل إلى عينيها.
"قلنا نيجي نعمل زيارة لعمى ونطمن على صحته، ونغير جو شوية في الهوا النضيف بتاع المزرعة."
الحاج فاروق، الذي كان جالساً في شرفة البيت يتناول شايه الصباحي، تنهد بضيق خفي عندما لمح قدومهما. يعرف جيداً معنى زياراتهما.
شُهب ابتسمت بتهذيب، رغم إنها متضايقة من زيارتهم المفاجئة، وخصوصاً في الوقت الحرج ده.
"أهلاً يا طنط، أهلاً يا شروق. نورتوا المزرعة." قالت شُهب وهي بتحاول ترحب بيهم.
بعد سلامات سريعة، بدأت مديحة وشروق جولتهم "الترفيهية" في المزرعة. كانت مديحة تتجول بين أشجار الفاكهة والحقول، وتطلب من العمال تذوق الفاكهة الطازجة.
"يا عم إبراهيم، دوقني الفراولة دي، شكلها يفتح النفس. والموز ده، والبرتقال كمان." قالت مديحة للعمال بلهجة آمرة، وكأنهم يعملون لديها مباشرة.
العمال، بضيق واضح في ملامحهم، كانوا يلبون طلباتها. شروق كانت تتجول بكاميرا هاتفها، تلتقط صوراً "سيلفي" مع المناظر الطبيعية، دون أي اهتمام حقيقي بالعمل أو المزرعة.
"خلاص يا عم إبراهيم، جهزلي بقى صندوقين من كل نوع من الفاكهة دي. عايزة أحسن حاجة." أمرت مديحة، وهي تشير إلى أنواع معينة من الفاكهة والخضروات التي كانت شُهب قد خصصتها للطلبيات.
بعدها، اتجهت مديحة وشروق إلى مزرعة الطيور، حيث كانت رائحة الدواجن قوية بعض الشيء. لكن مديحة لم تهتم، وبدأت تختار الطيور بنفسها.
"جهزولي خمسة ديك رومي كبار، وعشرين جوز حمام، وعشرين فرخة بلدي." قالت بصوت عالٍ للعامل المسؤول عن الطيور، "وابعتوهم على البيت الكبير يتنضفوا ويتجهزوا، علشان هاخدهم معايا وأنا مروحة النهاردة."
العمال في مزرعة الطيور تبادلوا النظرات بضيق. طلبات مديحة كانت كبيرة جداً، وكانوا يعلمون أنها ستستغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً لتجهيزها، خاصةً أن تنظيف وذبح وتتبيل هذا العدد كان عملاً مرهقاً. أحدهم همس للآخر: "يا رب الست شُهب تعرف قبل ما نبتدي."
بعد ما خلصت مديحة وشروق لف في المزرعة، رجعوا البيت الكبير عند الجد يوسف. دخلت مديحة المطبخ حيث كانت الحاجة نعمة، الخادمة الأمينة للجد، منهمكة في إعداد الغداء.
"يا حاجة نعمة!" قالت مديحة بصوت عالٍ، "في فراخ وديوك رومي وحمام جايين من المزرعة على هنا. نضفيهم أنتي والبنات، وجهزوهم وتبلوهم على التسوية. وكمان شوفيلي عربية بتلاجة عشان توصلهم الفيلا عندي بعد ما تخلصوا."
الحاجة نعمة، بملامحها الطيبة، نظرت إلى مديحة باستغراب.
"كل ده يا ست مديحة ؟ ده هياخد وقت ومجهود كبير أوي."
"مالكيش دعوة، نفذي اللي بقولهولك." ردت مديحة بحدة، ثم التفتت إلى شروق بابتسامة خبيثة.
في نفس الوقت، وصلت أخبار طلبات مديحة وشروق الضخمة إلى شُهب عن طريق أحد العمال. اشتعل وجهها غضباً. لم يكن الأمر يتعلق بالكمية فقط، بل بتصرفهما المتعالي وكأنهما تملكان المزرعة بالكامل، وبإعطائهما الأوامر للعمال دون الرجوع إليها. عرفت أن هذا سيعطل عملها وأن جزءاً كبيراً من جهدها سيذهب هباءً في "فشخرة" ليس لها أي عائد على المزرعة.
"دي مزرعتنا كلنا مش بتاعتك!" الكلمات هذه كانت تتردد في ذهن شُهب، تزيد من تصميمها على حماية مزرعتها. قررت ألا تسكت هذه المرة.
لم يكن الأمر مجرد أخذ منتجات، بل كان استهتارًا بجهدها وبخطة عمل المزرعة. هذا التعدي المتكرر كان يهدد سمعة المزرعة ومصداقيتها مع العملاء. نظرت إلى صناديق الفاكهة والخضراوات التي كانت قد أعدتها بعناية لطلبية الفندق، ثم إلى التقارير على مكتبها التي تظهر حجم الإنتاج المتاح. كان هناك فائض بالفعل، لكن مديحة وشروق أخذتا منه أكثر بكثير، وبطريقة مستفزة.
"كفاية كده!" قالت شُهب لنفسها بصوت متهدج، وهي تضغط على قبضتها. "مش ممكن أسكت على كده تاني."
تركت شُهب مكتبها وتوجهت بخطوات سريعة وحازمة نحو بيت الجد فاروق، حيث علمت أن مديحة وشروق تتواجدان. كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على المزرعة، لكن الغضب في قلب شُهب كان أكثر إشراقاً من أي ضوء.
عندما وصلت شُهب إلى البيت الكبير، وجدت مديحة وشروق تجلسان في الصالون الفاخر، تتحدثان بصوت عالٍ عن عزومتهما القادمة، بينما الحاجة نعمة وبعض الخادمات كن يتحركن بسرعة في المطبخ لتنظيف الطيور. الجد فاروق كان جالسًا في هدوء يراقب الموقف، وعلى ملامحه بعض الاستياء من تصرفات زوجة أخيه وابنتها.
في داخله، كان الحاج فاروق يفكر بمرارة: "كلهم رفضوا. لما المزرعة دي كانت بتموت، محدش فيهم مد إيده. ولا مختار ولا حامد ولا ولادهم. الكل كان مشغول بحياته الكبيرة وشغله ومظاهره. محدش فضل جنبي غير شُهب. هي اللي شالت الحمل كله، هي اللي سهرت الليالي وقعدت في الأرض، وهي اللي رجّعت الروح للمكان ده. دلوقتي جايين ياخدوا من تعبها كأنها مال سايب. المزرعة دي بقت بتاعتها بجد، مش بس بالاسم."
قطع حبل أفكار الجد دخول شُهب الصالون. ملامحها الجادة تحمل مزيجاً من الغضب والعزيمة. لم تكن هناك ابتسامة على وجهها هذه المرة.
"مساء الخير ." قالت شُهب بنبرة هادئة لكنها حادة.
رفعت مديحة رأسها بتعجب، فقد اعتادت على مرونة شُهب. "أهلاً يا شُهب، في حاجة؟" قالت بنبرة لا مبالية.
"أيوة، في حاجة مهمة." ردت شُهب وهي تقف في منتصف الصالون.
"الكميات اللي طلبتيها من المزرعة النهاردة، ومن الطيور كمان، كبيرة جداً يا طنط. ودي كانت مخصصة لطلبيات معينة."
ابتسمت مديحة بسخرية.
"ومالوا يعني؟ دي مزرعتنا كلنا يا شُهب. ولا نسيتي؟ ولازم نتباهى بيها وكمان عندنا عزومة مهمة ولا عايزانا نشترى من برة ؟ دا احنا على الأقل بنعمل دعايا لمزرعتنا؟"
"التباهي ده بيكون على حساب شغلي، وعلى حساب المجهود اللي بنبذله و بالنسبة الدعاية فاحنا مش مقصرين وعندنا عملائنا ولازم نهتم كمان بالمصداقية." ردت شُهب بحزم.
"المزرعة دي ليها نظامها، وليها عملائها. لما بتسحبوا كميات زي دي من غير تنسيق، ده بيأثر على سمعتنا وعلى التزاماتنا."
تدخلت شروق بضجر. "إيه ياشُهب، هتعمليلنا محاضرة؟ وبعدين يعني، هتبيعيلنا الفراخ والفاكهة ولا إيه؟"
"لا مش هبيعلكوا." قالت شُهب وهي تنظر مباشرة في عيني مديحة وشروق.
"بس من النهاردة، أي طلبية خاصة، لازم تبلغوني بيها قبلها بوقت كافي. الكميات الكبيرة دي مش هتطلع غير بترتيب وتنسيق معايا، عشان أقدر أعوضها."
غضبت مديحة واحمر وجهها. "إيه اللي بتقوليه ده؟ هتتحكمي فينا؟ أنتي فاكرة نفسك مين؟"
"أنا اللي بدير المزرعة دي يا طنط." قالت شُهب بثبات. "وأنا اللي مسؤول عن نجاحها أو فشلها. ومش هسمح لأي حد يعرقل الشغل فيها."
مديحة، وقد شعرت بالإهانة، صرخت: "أنتي واحدة قليلة الأدب! بتكلمي معايا كده؟ أنا اللي مربياكي!"
"متربيتش إني أضيع تعبي ومجهود المزرعة عشان شوية مظاهر يا طنط." ردت شُهب بثبات، وقد بدأت ملامح التعب تظهر عليها من شدة الموقف.
"ودي آخر مرة يحصل فيها كده."
نظرت مديحة إلى شروق، ثم شعرت بأن الموقف أصبح أكثر إحراجاً. قررت إنهاء النقاش.
"خلاص يا شُهب، خلاص! الموضوع خلص. شوفي شغلك انتي."
استدارت شُهب وغادرت الصالون بنفس الهدوء الذي دخلت به، تاركة خلفها مديحة وشروق في حالة من الغضب المكتوم.
الحاج فاروق، الذي استمع لكل كلمة، أومأ برأسه بتفكير عميق. لم تعد شُهب طفلة، ولا يمكن أن تستمر هذه العائلة في استغلالها ومجهودها. كانت كلماتها قوية ومحقّة. هذا الموقف رسّخ لديه فكرة بدأ يفكر فيها بجدية مؤخرًا: لا بد من اتخاذ قرار حاسم بشأن مستقبل المزرعة. قرار يضمن حق شُهب، ويحمي تعبها من استغلال الآخرين الذين لم يقدموا شيئاً سوى الأخذ.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه. لقد حان الوقت.
رأيكم..... وفوت 🌟 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️
Angel