١

١

28 0

الفصل الأول: هدوء المزرعة وصخب العودة

في صباحٍ باكرٍ، قبل أن تشرق الشمس بوهجها الكامل، كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بهدوء عبر نافذة غرفة الجد فاروق.

رجل تجاوز عقده الثامن بقليل، لكن ملامحه التي نحتتها السنين لم تخفِ أبدًا أثر العزيمة والقوة التي ميّزت حياته. كان يرقد على فراشه، جسده منهك، لكن عقله لم يتوقف عن التجول في أرجاء المزرعة التي بناها بعرق جبينه، مزرعة "الفاروق" كما كان يحب أن يسميها. بدا على ملامحه الهادئة بعض التعب، لكن عينيه كانتا تراقبان الباب بترقب وشوق.

تنهد الجد ببطء، محاولاً تعديل وضعية جسده المثقل بالآلام. سمع صوت حركة خفيفة قادمة من المطبخ، فعرف أن شُهب قد استيقظت كعادتها. هذه الفتاة، حفيدته التي أضحت عمود البيت والمزرعة. ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيه وهو يتذكر كيف كانت تركض بين أشجار المزرعة كفراشة صغيرة، والآن أصبحت سيدة قوية تدير كل شيء.

فُتح باب الغرفة بهدوء، ودخلت شُهب بخطواتها الواثقة، ترتدي ملابس بسيطة وعملية تناسب يومها الطويل في المزرعة؛ بنطال واسع وفستان طويل، شعرها الأسود الداكن مربوط بإحكام في ضفيرة طويلة. كانت تحمل في يدها كوبًا من اليانسون الدافئ، وابتسامة رقيقة تزين وجهها.

"صباح الخير يا جدي، نوم العوافي." قالتها بصوت هادئ، اقتربت من السرير وجلست بجواره، مدت له الكوب بحنان.

الجد فاروق ابتسم ونظر إليها بعمق، عينيه تلمعان بالفخر. "صباح النور يا قلب جدك. صحيتي بدري زي كل يوم؟ ما بتتعبيش؟"

"أتعب من إيه بس يا جدي؟" ردت شُهب بضحكة خفيفة وهي تداعب يده المتجعدة.

"دي أرضنا وبيتنا، وراحتها من راحتي. وبعدين مين هيصحى للشغل فى طلبية هتتسلم النهاردة؟"

هز الجد رأسه موافقًا.

"ربنا يبارك فيكي يا بنتي، ويقويكي. أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك. عمك وولاده وأبوكي وأخوكي كلهم رفضوا يمدوا إيدهم، إلا أنتي اللي شلتي الهم كله."

تغيرت ملامح شُهب قليلاً، لم تفضل الخوض في هذا الحديث الذي يؤلمها تذكُر تخلي أقرب الناس عنها، لكنها سرعان ما استعادت ابتسامتها.

"يا جدي، المهم إن المزرعة بخير، والإنتاج السنة دي ما شاء الله زي الفل. وبعدين، دي مش هم، دي بيتى."

................

في ذات اللحظة، ولكن على بعد أميال قليلة، كان آدم يستيقظ على ضوء الشمس المتسلل من زجاج نافذة غرفته الفاخرة في شقته بالقاهرة . الفندق الذي اعتاد أن يقيم فيه في كل زيارة سريعة لمصر. آدم، الشاب الذي لم يعرف من الحياة سوى صخب المدن الكبرى وحياة الرفاهية، يجلس الآن في القاهرة، بقرار من جده الذي أصر على عودته النهائية.

كان شعره الأسود الفاحم منسدلاً على جبينه، وعيناه الرماديتان تعكسان مللاً واضحًا وشعورًا بالاستياء. نهض من سريره  بكسل، متوجهًا نحو خزانة الملابس ليختار بذلته الأنيقة.

آدم يكره الروتين، ويكره الأوامر، وطلب جده بالعودة لإدارة مزارعه كان آخر شيء يرغب فيه. هو يرى نفسه أكبر من ذلك، أكبر من أن يدفن في الريف وإدارة "تراب الأرض" كما يصفها بازدراء.

رن هاتفه. كانت المكالمة من مكتب جده تذكره بموعد زيارة المزارع اليوم. آدم تنهد بعمق، ثم رد بنبرة متكبرة تحمل بعض الضيق:

" ماشى. جهز العربية ، هكون جاهز فى خلال ساعة."

أغلق الهاتف وألقاه على السرير بإهمال. نظر في المرآة، رأى انعكاسًا لشاب في أواخر العشرينات، وسيم، لكن نظراته تحمل غرورًا واضحًا مع لمحة من التحدي.

"مزارع!" تمتم بسخرية. "وكأن مفيش شغل في العالم كله غير  المزارع. لكن مش مشكلة، هروح ، اخلص المهمة دى  بسرعة،  وبعدين ارجع حياتي الحقيقية." كان يفكر في كيفية التلاعب بالأمر ليخرج منه بأقل الخسائر، فتهديد جده بالوصية لم يكن ليسمح له بالرفاهية التي اعتاد عليها، وهذا ما أثار غضبه وإحباطه.

ارتدى آدم بذلته، وتناول إفطاره الخفيف على عجل، ثم نزل إلى مدخل  العمارة  حيث كانت تنتظره سيارة وسائقها. انطلقت السيارة متجهة نحو الطريق الصحراوي، تاركة خلفها صخب المدينة متجهين إلى هدوء الريف، هدوء لا يعرفه آدم، لكن القدر سيجبره على التعرف عليه.

بينما كانت خيوط الشمس الذهبية تُرسم على حقول " مزرعة الفاروق"، كانت شُهب بالفعل في قلب العمل. المزرعة، التي تمتد على مساحات واسعة، بدت كلوحة فنية يمتزج فيها الأخضر اليافع بعبق التربة الرطبة. الأشجار المثمرة تصطف بانتظام، وأصوات الطيور تتداخل مع حفيف أوراق الشجر، لتخلق سمفونية طبيعية تبعث على الهدوء والنشاط في آن واحد.

ارتدت شُهب قبعة قش بسيطة لحماية رأسها من الشمس، وبدأت جولتها الصباحية.

كان أول من قابلته "أمينة"، عاملة في المزرعة منذ سنوات طويلة، تقف بجانب أحواض زراعة الخضروات، وجهها يحمل تجاعيد الزمن وابتسامة دافئة.

"صباح الفل يا أمينة!" قالت شُهب بابتسامة واسعة، وهي تمد يدها لتصافح أمينة التي بادلتها التحية بحفاوة.

"صباح النور  يا ست شُهب. ربنا يعينك ويقويكي. من بدري وأنتِ ماشية في الأرض." ردت أمينة بحب، وهي تنظر إليها وكأنها ابنتها.

"ده واجبي يا أمينة، وبعدين الأرض بتنادي أصحابها. شوفي لي بس أحوال الطماطم النهاردة، حاسه إن فيه حاجة مش مظبوطة في واحدة من الأحواض." قالت شُهب وهي تنحني لتفحص الأوراق الخضراء بعناية فائقة، لم تتردد في استخدام يديها لتفحص التربة والنباتات مباشرة، تشم رائحة الأرض العطرة بعمق.

تحركت شُهب بين العمال، تتحدث مع كل واحد منهم بلهجة بسيطة ومودة، كأنهم عائلتها.

"يا عم محمود، عامل إيه النهاردة؟"

"يا خالة زينب، الأخبار عندك إيه؟ جهزتى الطلبية؟" كانت تعرف أسماء الجميع، وتعرف ظروفهم، وهذا ما جعلها قريبة منهم، فالكل يعمل بتفانٍ تحت إشرافها، يشعرون بأنها واحدة منهم لا مجرد مديرة.

لم تكتفِ بالإشراف من بعيد؛ شاركتهم العمل. تجلس مع العاملات لفرز الخضروات، وتساعد في جمع الفاكهة، بل تدخل حظائر المواشي لتطمئن على صحتها وتشارك في إطعامها، ثم تتجه إلى أماكن الفرز والتعبئة للتأكد من جودة المنتجات قبل شحنها.

في مكتبها الصغير داخل المزرعة، الذي كان مكتب جدها، بدأت الاتصالات تتوالى.

"أيوه يا أستاذ حسام، الشحنة هتكون جاهزة على معادها بالظبط. متقلقش على الجودة، أنا بشرف عليها بنفسي."

"يا مدام نوال، الفراولة النهاردة تحفة، عايزة تزودي الكمية؟ مفيش مشكلة خالص." كانت تدير كل شيء باحترافية، وتتابع كل التفاصيل بنفسها، من لحظة الزراعة وحتى وصول المنتج للمشترين، لتضمن سير العمل على أكمل وجه.

بعد رحلة طويلة على الطريق الصحراوي، بدأت سيارة آدم تقترب من المزارع التي يمتلكها جده. كان المشهد مختلفًا تمامًا عما يتخيله آدم عن حياة الرفاهية والمدن الصاخبة. مساحات خضراء شاسعة تمتد على مد البصر، تحيط بها أسوار عالية وبوابات حديدية ضخمة.

توقفت السيارة أمام بوابة كبيرة مزينة بزخارف قديمة. نزل منها آدم وهو يعدّل ربطة عنقه بضيق، يبدو عليه الانزعاج من حرارة الجو والغبار الذي يحمله الريف، فقد اعتاد على هواء المدن المكيف. التقط أنفاسه بصعوبة وكأنه يشم هواءً غريبًا عليه، بينما كان شعره الأسود يطير قليلاً مع نسمة خفيفة.

"يا هلا بيك يا آدم بيه!" قالها رجل مسن يرتدي جلباب، يفتح البوابة بابتسامة ترحيب، تبدو على وجهه علامات الود والاحترام.

نظر إليه آدم بنظرة باردة، ولم يبادله التحية بنفس الود، بل أومأ برأسه فقط كعلامة على الاستجابة.

"الحاج ميستنيك يا بيه، هو في البيت الكبير." أضاف الرجل وهو يشير بيده نحو بناء حجري ضخم يظهر من بعيد، تحيط به أشجار قديمة.

دخل آدم المزرعة، وسار بهدوء بين الممرات الترابية النظيفة. كانت المزرعة تبدو منظمة بشكل جيد، وأشجار الفاكهة تصطف في صفوف منتظمة. كان يرى بعض العمال يعملون في هدوء، لكنه لم يعرهم أي اهتمام، فالأمر لا يعنيه في الأساس، كل ما يشغله هو إنهاء هذه المهمة الشاقة.

وصل آدم إلى "البيت الكبير"، وهو منزل كبير قديم الطراز ، يحمل طابع الفخامة الريفية مع التراث العتيق . في الداخل، كان جده "يوسف"، رجل في أواخر الثمانينات، يجلس في صالون واسع مزين بالتحف القديمة، كان يبدو عليه الوهن، لكن عينيه كانتا تلمعان بحدة وذكاء.

"آدم، أخيرًا وصلت!" قال الجد يوسف بصوتٍ سمعه آدم وكأنه أمر لا يمكن مخالفته، رغم ضعف نبرته.

تقدم آدم بخطوات واثقة، رغم شعوره بالضيق.

"أهلاً يا جدي. طلبتني، وجيت اهه." قالها بنبرة خالية من الدفء، مع بعض السخرية الخفية التي لم تفارق ملامحه.

نظر الجد إليه بتمعن، وكأنه يقرأ الأفكار في عينيه.

"أنا عارف إلى بتفكر فيه يا آدم. عايز تعرف أنا طلبت منك تيجى ليه."

"ادير المزرعة، مش كدة؟" قاطع آدم حديث جده بنبرة لاذعة، محاولاً إنهاء الحديث سريعًا.

"أنا مش مناسب ليها يا جدي، حياتي وشغلي مختلفين  تمامًا عن هنا."

تغيرت ملامح الجد، وعادت إليه حدته القديمة.

"اسمعني كويس يا آدم. العمر بيجري، وأنا عايز  أطمئن على تعب عمري.  المزارع دى هي كل ما أملك، وهي تاريخ عائلتنا. وأنت، حفيدي الوحيد، الى لازم يتحمل المسؤولية." ارتفعت نبرة صوته قليلاً.

صمت الجد للحظة، ثم تابع بنبرة حادة وواضحة، كأنما يلقي بقرار لا رجعة فيه: "و قلت لك قبل كدة، إذا ما رجعتش و اتحملت المسؤولية وتثبت أنك أهل ليها، فانا هكتب وصيتي بكل ما أملك للجمعيات الخيرية، و مش هتورث قرش واحد. وده قراري الأخير يا آدم. صحتي متسمحش انى استنى اكتر ، والوقت  مش في صالحنا."

صُدم آدم من كلمات جده. كان يعلم أن جده رجل حازم، لكنه لم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد. هذا التهديد لم يكن مجرد كلام، بل كان يعني نهاية كل أحلامه في الثراء والحرية التي اعتاد عليها.

شعر بغضب مكبوت وبإحباط شديد، وبدأ يدرك أن الأمر هذه المرة ليس مجرد طلب، بل هو قرار نهائي سيغير مجرى حياته جذريًا. نظر إلى جده في صمت، يدرك مرارة الوضع الذي وجد نفسه فيه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بين عالمين ج٢: وجمعهم القدر

المؤلف Angel
2025/11/09 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة