وعد لم يكتمل

وعد لم يكتمل

18 0

سأله مستغربا:

_أوعدت والدها بشيء؟

_بثلاث؛ وعدته أن أعرفها الإسلام، وأن أحميها في الخفاء، وأن تكون حلالي.

_كيف وفيت بالثانية؟

_التقيت بدايروم سرا قبل يوم هروبها، وأخبرته عنها.

نظر لها بعدم فهم فتابع شارحا:

_دايروم عم بيث الأصغر، بينما والدها هو الأخ الأكبر، ودجيرو الأوسط.

_لكن لم نسمع بشيء كهذا في المملكة!

تنهد:

_قصة طويلة، لكن ما يهم هو أن خالتي لاڤيتا زورت شخصيته في بادئ الأمر ليعيش في مملكة إينوري لأنه كان ملحدا بعكس أخويه الذين ولدا مسلمين، ثم أسلم قبل وفاته بعام واحد، فلم يعلم أحد بالحقيقة.

هز الآخر رأسه متفهما ثم تبسم معلقا بهدوء:

_أظنك مررت بالكثير.

_أنا وحدي لا يمكنني حصر ما مررت به.

ضحك الآخر ممازحا:

_من الجيد أن رأسك لم يشتعل شيبا.

علق الآخر متهكما:

_لا تخف، ستشيب قبلي.

ثم تابع وقد لاحظ شعرة بيضاء في شعر صديقه:

_حتى الدليل موجود!

ضحكا معا بخفة ملقيين بهموم الحياة بعيدا، متجاهلين ما ينتظرهما...

عند إليزابيث...

عاد لها نشاطها بعد حديثها الطويل مع آلبرت، كانت في طريقها لغرفتها لكنها لمحت مِييَان تقف على مقربة منها، فحيتها باحترام.

لم تظهر الأخرى تضايقها من رسمية بيث بل قالت مغتصبة ابتسامة:

_مبارك لك.

ابتسمت هازة رأسها بامتنان:

_أشكرك آنـ...

لم تكمل جملتها عند تذكرها كلمات هونامي فبدلت كلماتها بسرعة مردفة:

_أشكرك مِييَان!

نظرت لها الأخرى بدهشة وقد شهقت الابتسامة وجهها فذهلت إليزابيث ثم قالت بتوتر:

_أعتذر لأنني كنت باردة معك.

عانقتها الأخرى بسعادة:

_لا يهم، أخيرا ناديتني باسمي مجردا!

ثم ابتعدت عنها وقالت بلهفة:

_هل هذا يعني أننا أصبحنا صديقتين؟

أومأت الأخرى بعفوية فقد ظهر لها جليا أن مِييَان تهتم بها لحبها لها وليس بدافع الشفقة الذي ظنته هي.

خلال اليوم التالي

أمام ضفة النهر...

كانت إليزابيث تقف شاردة الذهن قبل أن تسمع صوت صهيل فرس تعرفها جيدا؛ إنها روز!

التفتت بلهفة لتلمح آلبرت وهو يقارب ممتطيا فرسه، فلما اقترب منها ترجل عن الفرس وربطها في جذع الشعر لتركض إليزابيث تجاهها ثم تعانق رقبتها باشتياق وكأنها رأت إنسانا يعز عليها.

_أوه روز، لقد كبرتِ حقا... كنت صغيرة عند آخر لقاء بيننا.

ابتعدت بلطف وأخذت تمسح على رأس الفرس بحنان ليقول آلبرت متهكما وهو يجلس قرب النهر:

_من يراك يظنك تكلمين إنسيا.

رمقته بتذمر ولم تعلق، واقتربت لتجلس جانبه ثم علقت بهدوء وهي تراقب انعكاسهما على صفحة الماء النقي:

_إذا؟ ألم تخبرني أنك ستحدثني عن ذلك اليوم.

ضرب وجهه بكف يده متذكرا بضيق:

_ظننتك نسيتِ الأمر....

_كيف لي أن أنسى بالله عليك؟  أوليس الأمر متعلقا بوالدي؟

_لكنها ذكرى سيئا

_لا يهم!

تنهد بضيق ليباشر رواية الحدث الذي ترك ندبا عميقا داخله، اليوم الذي قُتل فيه جيروم!

كان آلبرت ذاهبا لكوخ عمه كما جرت العادة، في جنح الظلام، حيث لا أحد يرى، كان قد وعده أن يحدثه أكثر عن دين الله ولكن لم يكتب له أن يفي بوعده، إذ وجده الفتى غارقا في بركة دمه، مقتولا بطريقة وحشية أفزعت قلب ذاك الذي لم تكن تهزه جثث الضحايا في الحروب، كان جيروم ملقى على الأرض محاطا بدمائه الساخنة التي شهدت على جريمة لم يمضِ عليها من الوقت الكثير، وجهه الهادئ قد اختفى وعبث به ونُكل ليخلع قلب الناظر له.

لم يتمالك آلبرت نفسه وفر من الكوخ عل الصورة اختفي من ذهنه لكنها أبت إلا أن ترافقه.

أغلق الفتى المسكين على نفسه غرفته لشهور طوال، لم يرَ فيها ضوء الشمس ولم يأكل إلا ما يقوم به جذعه، هزل مظهره وحاوطت الهالات السوداء عيناه المنتفختين لشدة البكاء.

...

أطلق تنهيدة قوية طاردا بها الحزن الذي أيقظته هذه الذكرى، ثم التفت لها ليجدها غارقة في دموعها وجسدها ينتفض مع كل شهقة، لم يعرف بما يواسيها أو يخفف عنها فجرحه لا يقل عمقا عن جرحها بل قد يزيد عنه عمقا وألما فهو الذي كان كثير مجالسة جيروم والحديث معه، وهو الذي رآه بذلك المنظر الشنيع.

تركها لتهدأ وحدها وتتخافت شهقاتها حتى تسكن، كالطفل الذي يطيل البكاء ثم يهدأ شيئا فشيئا.

كان ينظر ليعينها المحمرتين بشرود وقد ذكرته بنفسه وقت وقوع الخبر عليه، لكنه ابتسم مخفيا حزن قلبه وأردف بنبرة لا تخلو من الثقة:

_أثق أنه فخور بنا، فقد سرنا على طريقه.

شهقت بصدمة ونظرت له بعينين متسعتين:

_طريقه؟ أبي مسلم؟

اتكأ على العشب قائلا بهدوء:

_نعم.

تهلل وجهها فرحا بهذا الخبر لكن سرعان ما انتابها الضيق مجددا وهي تقول:

_إذا هذا سبب انفصاله عن أمي؟

_وعلى الأرجح... سبب قتله أيضا.

لم تعقب على كلماته واكتفت ببلع ألمها داخل جوفها فكلاهما يحمل ما يكفيه من هموم...

في يوم المعركة...

انطلق الجيش الجرار بعد أن ودع كل الشخص العزيز على قلبه، فودع آلبيرت بيث، وودع جونار هونامي، وودع دايروم روڤانا ومِييَان، وودع دجيرو جِلڤاين ولِيزار الغاضب لعدم سماح والده له بالمشاركة في المعركة.

كان القلق ينهش صدورهم نهشا، فالمقبلون على الحرب يعرفون أنه إما النصر أو الشهادة أما النساء اللاتي ينتظرن قلوبهم الراحلة مع الجيش فإنهن بانتظار خبر النصر الذي كنا متأكدين منه فثقتهن بالله لا تزعزعها معركة.

وصل الجيش وعلى مقدمته دجيرو ثم داي عن يمينه وآلبرت عن شماله وقد قابله جيش العدو الضخم الذي تقدمه سيجو بنظرة الساخرة وتعابيره المتغطرسة الذي قال بصوت مرتفع:

_أهلا أهلا بالصديق القديم، أراك قد رفضت العرض!

أتاه صوت دجيرو الثابت مزلزلا الأفق من هيبته:

_لا أهلا بعدو الله!

ثم صاح في الجيش:

_هلموا للجهاد!

ليتابع عنه دايروم:

_كبروا يا أبناء الإسلام!

كبروا حتى تردد صدى أصواتهم في المكان، كبروا بكل يقين أن الذي معهم هو الله، القوي الجبار.

تزلزلت الأرض إثر ضربات الخيل القوية وهي تنطلق نحو العدو ملبية نداء فرسانهم.

التحم الجيشان وتداخلت أصوات التكبير بأصوات السيوف، تخللت رائحة الغبار الناتجة عن ركض الخيول رائحة الدماء.

سيوف تصطك، سهام تنطلق نحو الهدف، آهات متألمة، وأرواح ترحل عن هذا المكان.

كان آلبرت يقاتل ببسالة، قتل الكثير حتى تلوث سيفه بدماء الأعداء، لم يشتته غير السهم الذي مرة بجانبه خادشا فرسه روز التي اهتاجت وماجت فألقته وأرضا وما إن وقف حتى رأى سهما آخر يأخذ طريقه نحوه ليغمض عينيه مسلتسلا ولسان حاله يردد الشهادة، لكنه لم يشعر سوى بآهة متألمة صدرت من صوت بدا مألوفا ليفتح عينيه فإذا بجوار قد تلقى عنه السهم الجائع للدماء.

كان يلتقط آخر أنفاسه فصاح فيه آلبرت والدمع من عينيه ينزل تباعا:

_لم فعلت ذلك جون!

ابتسم الآخر بتعب والدم يغطيه:

_لا وعد لدي لأفي به، أما أنت فلديك وعد يجب أن تكمله يا صديقي (تابع بصوت متقطع)  أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله!

ثم فارقت روحه جسده، وعادت الأمانة لصاحبها.

صرخة مدوية لم يسمعها غير صاحبها لشدة اشتداد صوت السيوف وحواف الخيل التي تضرب الأرض بكل قوتها.

خانته دموعه كما لم تفعل من قبل، أجهش بالبكاء ويداه تضمان رأس رفيقه الذي كان له سندا، مأمنا، ومعينا، وأخا، وعائلة!

فقد جونار الذي كان يخفف عنه صعوبة الأيام في إينوري ويواسيه في كل وقت وحين، فقد صاحبه الذي وثق به دون أن يعرفه حق المعرفة، فقد كنزا لا يعوضه الزمان!

وفي لحظة سكن صوته عندما اخترق سهم العدو فؤاده الجريح، سهم سلب منه آخر أنفاسه التي تعطرت بآخر ما نطق به «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله»  ثم خرّ صريعا وقد غادرت روحه إلى خالقها، وفارقت جسده بهدوء، تاركة ابتسامة هادئة على شفتي هذا الفارس المجاهد.

عندما انتهت المعركة...

وقف دجيرو قرب شقيقه يراقبان جثة سيجو التي اسودت وظهر قبحهها، ثم صاح دايروم في الجيش بنبرة ملأها الحبور بالنصر:

_لقد نصرنا الله!

تهللت وجوه الجنود رغم التعب، ورغم الألم، لكن النصر كان جبرا لا  يضاهيه جبر، وقبل أن يغادروا ساحة القتال، دفنوا شهداءهم الأخيار وعندما اقترب دايروم من جثتين ملقيتين على بعضهما تسمر مكانه وجثى على ركبتيه من هول ما رأى، لم يستطح منع دمعات خائنة من النزول وقالت بصوت مرتجف وهو يشير للجثتين أمامه بعد أن اقترب منه دجيرو قلقا:

_قتلوهما لعنهم الله!

_إنا لله وإنا إليه راجعون.

هذا كل ما خرج من شفتي دجيرو الذي غشيته السكينة، تلك التي يصطفي الله بها عباده، فيرزقهم الصبر على مصابهم.

تقدم منهما ثم حمل جثة آلبرت ودفنها وكذا فعل بجونار، ثم اقترب من شقيقه وقال بنبرة هادئة صابرة رغم الحزن الذي يعتصر قلبه:

_شهيدين بإذن الله، لقد نالَا أعظم ما يناله الإنسان؛ الشهادة في سبيل الله!

مسح داي الدموع التي علقت بعينيه وقال بنبرة حزن عميقة:

_بإذن الله!

عاد دايروم إلى القصر محاولا رسم ابتسامة كاذبة على شفتيه، مرتبا الجمل التي عليه قولها، ما الذي سيخبرهم به؟  النصر أم خسارتهم آلبرت؟

ترجل عن حصانه فتسابقت الأنظار نحوه، تقدم منهم ببطء زاد من ثقل صدورهم القلقة، رفع نظره نحوهم، مقلبا نظره بين زوجته، وبين ابنته، وابنة أخيه، وقال بابتسامة زائفة:

_أكرمنا الله بالنصر، لكن...

تعلقت العيون به والخوف ينخر أضلعهم نخرا تحديدا إليزابيث التي كانت تعلم أن مكروها أصاب زوجها.

تابع بغصة:

_لا فوز دون تضحيات، وقد ضحى الكثير بأرواحهم اليوم نحشبهم شهداء عند الله.

ابتلع ريقه بصعوبة وسكت فسألته إليزابيث بصوت هادئ وقد ربط الله على قلبها:

_أمنهم آلبرت؟

أجاب بصوت يختنق:

_نعم، وجونار كذلك.

كان الخبر كصاعقة نزلت بهم، لكن بيث رفعت نظرها للسماء لتتسلل دمعة مكسورة على خدها:

_اختاره الله واصطفاه للشهادة، اللهم لا اعتراض!

ثم تابعت بصوت مرتعش:

_سأذهب لهونا.

انشحبت من بينهم ببطء تاركة بعض حزنها معهم، ثم توجهت نحو صديقتها التي كانت تضم نفسها وتبكي بصمت بعد أن سمعت ما قاله الحاكم داي، اقتربت منها وأحاطتها بذراعيها في محاولة مواساتها:

_لا بأس عزيزتي، لعله في مكان أفضل بإذن الله.

تابعت وهي تربت على كتف صديقتها محاولة التصبر رغم دموعها التي لم تتوقف:

_الله من كتب ذلك فلا اعتراض على حكمه.

كانت تواسيها رغم أنها أحق بالمواساة من أي أحد الآن، فيحدث أن يكون جرحنا عميقا لدرجة يصعب التئامه إلا أننا نتظاهر بالثبات ونواسي من جروحهم أقل منا ألما وعمقا، ليس قوة منا بل لأننا لم نجد من يواسينا فلم نشأ أن يحدث هذا مع غيرنا.

(تمت بحمد الله)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وإلى هنا تنتهي رحلتنا التي لم يكتب لصاحبها أن يفي بكل وعده😔

كيف كانت الرواية؟

الأحداث؟

الشخصيات؟

أصدمتم بآلبرت؟

ماذا عن جون؟ هل حزنتم لأجله أم أنه كان عابرا يالنسبة لكم؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وعد لم يكتمل

المؤلف البروء
2025/09/22 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة