مع الحق!

مع الحق!

24 0

جلس منتصبا كمن دبت الكهرباء في أوصاله ولف وجهه نحو صديقه قائلا بنبرة واثقة وهو يضع صحن الحساء جانبا بعد أن أنهاه:

_بالطبع سأخبرك!

_هاتِ ما عندك إذا (علق بتفاذ صبر)

_أولا لتعلم أن نجاح الخطة يعتمد على قيادتي للجيش أولا، واتباع خطتي المزيفة ثانيا.

تابع وطرف إصبعه المشيرة يتحرك فوق الفراش وكأنه يرسم تلك الخطة ويتخيلها أمامه:

_باختصار... سنتفق مع الحاكم دايروم على تجمهر الجيش في منطقة معينة وتلك المنطقة سنوهم مملكتنا أنها فارغة وثغرة مميزة للهجوم، كما سنطلب منه أن يأمر بعض جيشه بالتسلل والاختباء لمحاصرتنا وبهذه الطريقة يكسب المعركة بسهولة.

1

قهقه جونار قائلا بنبرة تهكمية:

_مع من أنت بالضبط؟ أبناء جلدتك أم أعداؤهم؟

أجابه واثقا بصوت يخترق شغاف القلب:

_مع الحق.

1

سأله الآخرة بنبرة متشككة ليرى إلى أي مدى يمتد إصراره:

_ماذا إن رفض حاكم نيراي مساعدتك؟

حدق فيه لولهة ليفهم ما فائدة هذا السؤال المثبط للمعنويات، ثم قال بسخرية وعيناه في تغوصان في عيني صديقه:

1

_وهل تظنني سأهتم لرفضه؟ رغم أنني أشك في رفضه.

تابع بعصبية لم يستطع التحكم بها:

_أتعلم ما يقصده زوج خالتي بـ«سنستعيد أرضنا»؟ 

1

نفى مدهوشا من عصبية صديقه فاستطرد آلبرت مجيبا عن سؤاله بنفسه:

_سيبيدهم، لن يترك كائنا يتنفس، لن يعارضه أحد لأنهم على شاكلته القذرة!

1

تابع بغصة قابضا على الفراش تحته بقوة:

_إنه أبعد ما يكون عن البشر، لا يحمل في قلبه مثقال ذرة من رحمة!

1

واصل بحنق مستشهدا على كلامه وكأنه يخشى عدم تصديق جونار له:

_ ألم تسمع عن إعدام عائلة كاملة قبل يومين بتهمة الخيانة؟

1

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يجيبه وقد ارتجف جسده من كلمة إعدام:

_بلى، سمعت عنها.

قال آلبرت بمرارة:

_أتعلم ما المقصود بالخيانة هنا؟ كل ما فعلوه هو رفضهم للحكم الظالم، ولأنهم ساعدوا أحد الشباب الذين أرادوا الذهاب إلى مملكة نيراي فأرشدوهم لها، أفي هذا خيانة؟

1

يقتل كل من يخالف هواه ليس وكأنه لم يُخلق من تراب كسائر البشر!

تنهد جونار وربت على كتف صديقه بهدوء، كان يعلم أن الألم الذي يكتنف آلبرت ليس بالقليل، فقد عانى كثيرا وفقد معلمه وأقرب الخلق لقلبه، ثم فقد الفتاة التي عاش معها طفولته وبضع أيام من شبابه، فقط لأنهما اختارا الطريق الصحيح:

_اهدأ، الظلم لن يطول ولا نهاية له غير الزوال يا صديقي.

1

ابتسم متابعا بلطف:

_أرح عقلك ونم الآن،  صحيح أن هذا الفراش ليس فاخرا كما اعتدت لكن أظنه سيفي بالغرض صحيح؟

1

سأله الآخر بقلق وقد ابتعد عن حديقهم الأساسي فهو حقا بحاجة للراحة:

_وأين ستنام أنت؟

وكزه ضاحكا:

_اهتم بشؤونك سيدي، الأرض واسعة يمكنني افتارشها.

_لكن الجو بارد!

_وهل قصرت جلود الحيوانات في تدفئتي يوما؟

اكتفى آلبرت بابتسامة هادئة ثم شكره بامتنان لوقوفه جانبه وتحمله لثرثرته، فما كان من الآخر إلا أن أعرب عن استيائه من هذا التفكير وأخبره أنه سيفعل أي شيء لأجله ما دام ما يفعله فيه نفع لغيره وتحقيق العدل.

1

★★★

مملكة بيرول

مع طلوع فجر يوم جديد، وشروق شمس تسللت دنانيرها الذهبية لتطرق سطح الأرض الخضراء...

في حديقة قصر كبير، استقر كرسي بني من الحجارة الصماء بلون الرماد، أحاططته أزهار التوليب الحمراء والبيضاء من كل جانب، بالإضافة إلى شجرة ضخمة تظلل الكرسي الذي يجلس عليه الحاكم دجيرو يقرأ الخطاب الذي بعث له به شقيقه الأصغر حاكم نيراي «دايروم»، وقد كتب فيه ما يلي:

1

(السلام على من سبقني للدنيا ثم للإسلام، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، بلغني من بعض الجهات أن حاكمة مملكة إينوري لا يريحها أن يبقى السلام بيننا، ولقد وصلني أنها تعد جيشا للهجوم على مملكتنا الصغيرة، فأتيتك وإني أثق أنك لن تردني خائبا فارغ الوصال، لذا هل لك أن ترسل بجيش جرار لحماية دماء المسلمين في نيراي،  والسلام على قلبك)

1

ابتسم دجيرو بهدوء ثم أمسك بريشة سوداء غمسها في بعض الحبر والتقط ورقة كانت جانبه وكتب:

1

(وعليك من الله خير السلام يا من أنجبتك أمي لتؤنس وحشتي، قرأت رسالتك بقلبي قبل لساني وإني كما تعرفني لا أرد طلبا لمن شاركني والديّ وكان لي أخا بالدم ثم الدين...

أبشر، لك عندي ما شئت فطلب العزيز لا يُرد، وإنك لتعلم كم تعز علي، ثم السلام لقلبك!)

1

طوى الرسالة، ثم أمر أحد رجاله باستدعاء الرسول ليأتي له، فسلمه الرسالة وأمنه عليها ونبهه على أهمية إيصالها، ليعده الرسول بأنه سيوصلها إلى الحاكم سليمة كما هي، ثم انطلق في سبيله ليختلي دجيرو بنفسه لدقائق قبل أن تأتي جِلڤاين بِرفقة ابنهما لِيزار الذي مضى من عمره خمسة عشر عاما.

جلست زوجته على كرسي حجري أصغر حجما إلى جوار كرسيه في حين بقي ابنهما واقفا لأنه لم يأتِ للجلوس بل ليطلب من والده إقناع أمه أن تسمح له بالخروج وحده فقد ضاق ذرعا من مرافقة الحرس له طوال الوقت.

1

_أبي انظر، لم أعد صغيرا، لقد بلغت الخامسة عشر منذ أشهر، كما أنني فارس ماهر، وأنت تعرف ذلك صحيح؟

عاتبته والدته بعينين حادتين في محاولة التصرف بصرامة لكن نبرة صوتها الحنونة أفشلت خطتها:

_لا يكفي هذا، من سيحميك إن هوجمت؟

أجابها وهو يلوح بالغمدِ -والسيف داخله-:

_علمني عمي داي كيف أحمي نفسي (عبس متابعا)  أمي أنت تقلقين كثيرا، سيحميني الله!

كادت جِلڤاين تلقي عليه بمحاضرة طويلة عن العمل بالأسباب وعن صغر سنه لولا دجيرو الذي تبسم بهدوء ثم قال لابنه بعنين تحملان من التحدي ما لا يعمله غير الله:

_أحضر سَيفيْ التدريب وتعالَ يا بُني.

لم يفكر لِيزار طويلا وذهب بسرعة البرق لإحضارهم

_ماذا تنوي أن تفعل، ديجرو؟

1

ما لبثت أن أنهت جملتها حتى وقف الفتى المتحمس بالسيفين أمامهما مادا لوالده أحد السيفين ليمسكه  قائلا بنبرة جدية:

_أثبت لي أنك تستطيع حماية نفسك بنفسك، من يُسقط سيف الآخر أولا يفوز، اتفقنا؟

نظر له لِيزار بعينين معترضتين وعبوس قائلا:

_ولكن يا أبي، أنت تعلم أنني لست بقوتك!

ابتسم الآخر بهدوء معلقا:

_هل ستسلتسلم؟

_بالطبع لا!

_إذا أرني... بسم الله!

كانت جِلڤاين تراقبها بيأس وهي ترجو ألا يتساهل زوجها مع ابنها ويتركه يسقط السيف عمدا ليفوز فهي اخاف على ابنها وتخشى أن يصيبه أي مكروه، ولحسن حظها لم يكن رجاؤها إلا الحقيقة بعينيها فرغم أن دجيرو يستخدم يدا واحدة في مبارزة ابنه إلا أن ليزار واجه صعوبة حتى في لمس السيف وليس فقط في إسقاطه!

1

فلما تكدس التعب في جسده وتصبب وجهه عرقا لشدة نصبه استغل والده الفرصة وأسقط له سيفه بضربة صغيرة لم يبذل فيها مجهودا، بل يمكن لطفل في الخامسة أن يسقطه في هذه الحال.

تسلل الحزن إلى ملامح الفتى وتغلغل داخله شعور الضعف لكن والده قال بحزم وهو يمد له السيفان ليعيدهما لمكانهما:

_القوة لا تكمن في الهجوم فقط، لا فائدة من قوة دون ذكاء... تذكر هذا.

1

أومأ الآخر بحزن ثم سحب نفسه ليعود أدراجه يتجول بملل داخل أسوار القصر ويساعد هذا وذاك لشدة ما به من ملل.

★★★

مملكة إينوري...

أشرقت الشمس معلنة بدء يوم جديد، يوم شاق على نفوس الخدم والعمال، وسعيد ترف للحكام والأغنياء، لكن بالنسبة لآلبرت فهو يوم كباقي الأيام، روتيني حد الملل، اعتيادي لدرجة التلقائية في تصرفاته، يسلم على ذاك، يراقب عمل ذاك ثم يعود لقصرهم ليسلم التقرير لوالده الذي يراجعه ثم يسلمه للحاكم كاي.

عاد لمنزله حاملا تقريرا يسر من نُزعت من قلبه الرحمة، إذ وقف أمام والده وباشر في الحديث بنبرة باردة وكأنه لم يتركهم بالأمس بعد أن أغضبهم حد رغبتهم في قتله وليس فقط التبرأ منه:

1

_تقرير الجولة اليومية كما يلي:  العمال يعملون بجد، لا حالات وفاة بسبب الجوع في الأحياء الفقيرة لكن معظمهم على فراش الموت، الأحياء الغنية صاخبة وتضج بأصوات اللهو والاستمتاع ورائحة الطعام... لا شي جديد! 

كان يتحدث ببرود رغم اشتعاله من الداخل بسبب الحال الذي هم فيه من الطبقية، لكن والده ابتسم برضى وهو يقول:

_جيد، سأرسل بهذا إلى كاي...

لم يعلق آلبرت وكاد ينصرف لولا كلمات والده بنبرة خبيثة خالصة وهو يتكئ بذقنه على كفه:

_بالمناسبة، عندما تهدأ ثورة غضبك فلتذهب لقصر خالتك فإن لها ما تقوله لك... سيعجبك طبعا (غمز له ثم تابع بجدية)  وإياك واستفزاز كاي وإلا فإنها ستغير رأيها في الأمر.

_مفهوم.

تمتم بهذه الكلمات ثم خرج من الغرفة، وما إن وطأت قدماه خارج القصر حتى قال في حماس وهو يعتلي صهوة فرسه:

_يبدو أن الأمور تسير وفق الخطة!

2

انطلق بأقصى سرعة لخيله نحو القصر الذي لا يبعد عن قصرهم سوى بضع كيلو مترات وما إن وصل لذاك البناء الضخم الذي كان أشبه بالديجور المرصع بالنجوم، ترجل عن فرسه وأدخلها للإسطبل ثم توجه بخطى ثابتة واثقة ليلج بهو القصر ثم قاعة الاجتماعات حيث كانت خالته وزوجها ينتظرانه.

دلف بهدوء ونظر لخالته قائلا بنبرة باردة:

_وصلني أن عندك ما تقولينه لي.

علقت على كلماته بخبث اختلط بسم الأفاعي وهي تتقدم ناحيته:

1

_أليس الأفضل أن تحادث خالتك بلباقة يا آلبرت؟

1

أجاب بنفاذ صبر وهو يهم بالمغادرة:

_إن لم يكن لديك ما تقولينه فإني مغادر فعلي مراقبة سير عمل الجنود وتدريباتهم.

أوقفته بكلمات كان ينتظر سماعها طويلا لكن نبرتها السمية ونظرات زوجها الخبيثة بثتا بعض الضيق في صدره:

_راقبهم جيدا فأنت ستكون قائدهم في حربنا القادمة.

1

التفت لها بوجه جامد مصطنعا لا مبالاة وهو يقول ساخرا:

_سأقود جيشا بخطة ليست لي؟  تعرفين أنني لا أوافق على عرض كهذا سيدة لاڤينيا!

1

تحدث كاي بدلا عنها قائلا بخبث خالطته نبرة تهكمية:

_ما رأيك أن تضع الخطة إذا؟  رغم شكي في قدرتك على ذلك.

1

نظر له آلبرت بغيظ ثم قال بثقة وكأنه يضمن نجاح خطته بنسبة تفوق المئة:

_ستشكرني كثيرا عندما أعود بالجيش حاملين رايات النصر.

علق مستهزئا:

_سنرى.

1

لتقول زوجته بخبث:

_إذا استعد جيدا، فنحن نعتمد عليك في هذه المعركة صغيري.

1

كاد يستفرغ من أسلوبها الذي يبعث في نفسه التقزز ولكن أوقفه قوله وقد تغيرت نبرتها لنبرة جافة قاسية:

_ولا تنسى أن الهزيمة تعني الموت.

1

لم يعلق على كلماتها وخرج من القاعة وقلبه يكاد يحلق في السماء لشدة سروره بنجاح خطته مبدئيا.

1

الآن كل ما عليه هو كتابة الخطاب الذي سيبعث به لدايروم ملك نيراي عن طريق جونار، وبهذه الطريق ستمضي الخطة كما يشاء وسينجح في الإطاحة بعائلته وإنهاء ظلمها للأبد...

3

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى الفصل🤭

ما رأيكم؟

1

ما رأيكم في شخصية آلبرت؟ 👀

1

وكذلك علاقته مع عائلته؟ ^^

1

ما توقعاتكم للفصل القادم؟ 🤭

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وعد لم يكتمل

المؤلف البروء
2025/09/22 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة