_اتخذت قراري.
نظر لها بطرف عينه قبل أن يعيد نظره لمدرب الخيول ألكسندر الذي يشرح لطلابه كيفية ترويض الخيل:
_أي قرار؟
_سأتخذ الإسلام طريقا لي.
علته ابتسامة جانبية ساخرة وعلق هامسا كي لا يسمعه أحد الذي حوله:
_هل أنت جادة؟ تعلمين أن خالتي لن تسمح لك.
أجابته بهمس وجدية وعيناها تشترقان النظر للبقية خشية أن ينتبهوا لهما:
_ومن قال أنني سآخذ رأيها أو رأي زوجها في قراري؟
نظر لها بذهول لوهلة من جرءتها ثم قال متهكما بعد أن أعاد نظره للمدرب وأسند ظهره على جذع الشجرة:
_لا تخبريني أنك تنوين التمرد....
علقت وعيناها السوداوتان معلقتان في الخيول بألوانها المختلفة أمامهم:
_ألم تقل أنك أيضا تريد اتخاذ هذه الخطوة؟
تردد قليلا يرتب الكلمات داخل حلقه قبل أن يجيبها:
_نعم، ولكن...
ابتسمت بثقة :
_دون لكن، ألبرت عليك أن تكون صادقا مع نفسك، وتسير في الطريق الذي تراه صحيحا؛ الإسلام!
علق على كلماتها معترضا:
_لو كنتِ مجرد فتاة من العوام لقلت أن الأمر بسيط، لكن أن تتمرد أميرة مملكتنا على عائلتها فهذا الأمر لن يمر مرور الكرام، تعرفين ذلك جيدا بيث!
تنهد بحسرة:
_أشعر بالندم لأنني من عرفتك بهذا الدين، كان على التمهل في اتخاذ هذا القرار حتى تنضجي أكثر، فكيف ستهربين من المملكة وأنت لم تبلغي من العمر سوى أربعة عشر عاما؟
قهقه ساخرا:
_ سيُقطع رأسي إن علمت خالتي.
رمقته بامتعاض:
_بل عليك أن تفخر!
ثم تابعت بملل:
_ليس وكأنني سأترك للقب الأميرة هذا أن يمنعني من اختيار حياتي!
زفر بضيق من إصرارها وقال بنفاذ صبر بعد أن استقام بجذعه متوجها نحو المدرب الذي أشار له أن يأتي ليجرب ركوب الخيل:
_افعلي ما تشائين، بيث؛ هذا قرارك.
تسلل إلى مسامعها صوت فتاة يقترب من أذنها شيئا فشيئا فانتفضت من مكانها ثم نظرت حولها فلم تجد أحدا سوى هُونَامِي أمامها وأمارت القلق تنهش وجهها:
_ما بك إِِلِنْ؟ أُناديك منذ ساعة يا فتاة!
أفاقت من شرودها وأردفت بهدوء وهي تضع المكنسة جانبا:
_المعذرة هُونَّا، شردت في ذكرى قديمة.
ربتت الأخرى على كتفها بهدوء وشمرت على ساعديها بنشاط وعيناها تتجولان في باحة القصر:
_ارتاحي، يمكنني الاتمام بدلا عنك.
أومأت الأخرى بصمت ثم شكرتها وغادرت...
ما إن وطأت قدماها خارج بوابة القصر الصغير حتى جعلت من ردائها غطاءً لوجهها أيضا، فلم يظهر منها شيء غير عينيها ويديها النحيفتان بسبب إهمالها لنفسها مذ ذاك اليوم.
وصلت لمكان ذكرياتها، المكان الذي ودعت فيه ألبرت، واتخذت فيه هوية جديدة، شخصا مختلفا، لم تعد الأميرة إليزابيث، بل أصبحت الفتاة المسلمة إِلِنْ، جلست قرب النهر وقد أبعدت الغطاء عن وجهها بينما بقي ساترا لكل جسدها، من عاليها حتى سافلها.
راقبت وجهها الشاحب وقد ظهر انعكاسه بصورة متمايلة على صفحة المياه النقية، ابتسمت بهون وهمست لنفسها:
_سيسعدك الله بيث، فأنت اخترتِ سبيله وتركت زينة الدنيا الفانية.
تذكرت اليوم الذي فارقت فيه سندها بعد والدها، عندما تركها هنا ووعدها أنه لن يسناها، تركها في هذا المكان رغم قلبه الرافض لذلك، فهي لم تكن قد نضجت بما فيه الكفاية، لم تكن لتصدق الآن أن أربع سنوات قد مضت بالفعل على هروبها من حكم عائلتها الظالم، من زوج والدتها الذي أتقن عمله في السخرية منها ونعتها بالضعيفة والرقيقة وغيرها من الأوصاف بنبرته التهكمية.
عادت ذكرياتها لذلك اليوم عندما تركها آلبرت قرب ضفة النهر هذه، وكيف وجدها دايروم الذي ما إن رآها حتى أخذها للقصر، لم تفهم لم فعل ذلك، لكنها رجحت أن هذه طباعه عندما علمت أنه حاكم المملكة فلم يبدو عليه ذلك لشدة تواضعه.
قطع حبل ذكرياتها إحساسها بصوت ارتطام نعل بالحشائش الرقيقة خلفها، صوت خطوات مألوفة استقر بعيدا عنها قليلا فغطت وجهها ولم تلتفت لصاحبه لكن قلبها يخبرها أن وقع هذه الخطى هو مألوف لها أكثر من نفسها.
التزمت الصمت فأتاها صوته الرجولي مستفسرا من خلف الشجرة التي تبعد مترا ونصف عن مكان جلوسها:
_بيث؟
اهتز جسدها لدى سماع اسمها وتجمعت الدموع داخل محجر عينيها واكتفت بإطباق شفتيها على بعضهما دون الإجابة فهي تخشى أن تلتفت، أن تذهب إليه، فتعصي ربها الذي اتخذت السير في طريقه مأمنا، فكيف تنحرف عن طريق الأمان وتعود لضلالها؟
أتاها صوته مجددا بنبرته الساخرة التي اعتادتها منذ طفولتها رغم أنها اختلفت هذه المرة فقد شابها بعض الحزن الذي حاول إخفاءه فلم يفلح:
_حسنا، لا تريدين الحديث؟ لا بأس.. لكن، إن كنت بيث فاقذفي حجرا في النهر.
ترددت لوهلة، هل عليها فعل ذلك؟ ولكن ماذا سيحدث إن فعلت؟ هل سيقترب منها؟ انتابها القلق وخافت المستقبل لولا صوت أتاها من داخلها يحثها على الاستجابة فتوكلت على ربها مستعينة به وفعلت ما طلب منها الشاب فتابع بنبرة أكثر جدية وقد اختفت نبرته السابقة تحت صوت ملأه الحزن رغم محاولته التجلد وإظهار القوة والثبات:
_قد تتساءلين عن سبب وجودي رغم أننا قطعنا وعدا ألا نلتقي حتى أسلم وآتيك حلالا صحيح؟
لم ينتظر إجابتها فتنهد متابعا:
_لم أخلف وعدي..
وقبل أن يتابع قاطعته بصوت هادئ لكنه جاد على عكس ما اعتاد سماعه:
_هل أسلمت؟
_كلا... (قال مترددا)
_إذا لا حاجة لك عندي.
كانت نبرتها أقسى من أن يعي آلبرت أن التي تحادثه هي إليزابيث التي تربى معها وعرفها حق المعرفة.
اتكأ بجذعه على الشجرة معطيا الفتاة ظهره وقال بهدوء:
_تغيرتِ...
استطرد بجدية:
_لن يطول ثقل بقائي، لا تقلقي، جئت لتحذيرك فقط.
صمت لوهلة منتظرا تعليقها فلما استيأس منه أكمل بنبرة محذرة:
_زوج والدتك أمر بإعداد جيش جرار للهجوم على مملكة (نيراي).
التقط حبة فاكهة كادت تسقط من الشجرة وقضم قضمة منها متابعا حديثه:
_لم تعارضه خالتي ولا أحد من العائلة عداي.
استرسل وكأنه يعلم ما تفكر فيه:
_بالطبع لن أساعد في شيء يضر من اتخذوا الإسلام طريقا...
زفر بضيق فقد كانت مشاعره مضربة بسبب ما يجري:
_لو استطعتِ إيصال الأمر بسرية لحاكم المملكة فافعلي.
توجه مغادرا فعلا صوته ليصل مسامعها:
_أعتمد عليك، بيث.
ما إن غادر حتى انهمرت الدموع على خدها وتكورت حول نفسها كاتمة شهقاتها مخافة أن يسمعها أحد؛ فمنذ هروبها في ذلك اليوم لم تلتقي بأحد من عائلتها بالأخص آلبرت الذي كانت تعده أخا لها، فلما قررت الإسلام وكانت تعلم أن في طريقها هذا لا شيء يسمى «في مثابة أخي» عاهدها أنه في أول فرصة سيلحق بها ويتخذ هذا الطريق، فهو من قرر قبلها ولكنه لم يتجرأ اعتناق هذا الدين خوفا من والديه ربما، أو لعل الشيطان يقنعه بأن الوقت لم يحن بعد.
تخافتت شهقاتها شيئا فشيئا حتى سكنت أوصالها ومسحت دموعها ثم أغرقت وجهها بماء البحيرة العذب لتظيل أثر بكائها وقد عزمت على العودة للقصر.
في مملكة إينوري:
كان آلبرت متوجها نحو قصر عائلته لولا أن وصلته رسالة من الحاكمة لاڤينيا مع أحد الحراس تأمره بالقدوم للقصر على وجه السرعة.
لم يستغرب الأمر فهذه عادتها في طلبه وكأن المملكة ستسقط لو لم يحضر وقتها فلم يُعطِ للأمر بالا بل سار بروية ممطيا خيله الشقراء والتي أطلق عليها مع إليزابيث اسم روز.
كان يراقب كل شيء بعينين متفحصتين، حال المكان، نظافته، وجوه المارة والباعة، ثم وما إن وصل إلى أحد الأسواق حتى ترجل عن خيله وربطها في جذع شجرة قريبة ودخل السوق مسلما على البائع بحرارة قبل أن يقول له البائع هامسا بنبرة واثقة:
_كل شيء جاهز وفق الخطة.
أومأ له آلبرت شاكرا وقبل أن يغادر قال للشاب ذو الشعر البني الفاتح:
_أشكرك من أعماق قلبي يا جون.
_على الرحب يا صديقي
صمت قليلا وأوقفه متابعا بنبرة أكثر جدية:
_بالمناسبة، أخبرتني أنك ستعرفني على ذلك الدين، لم تنسَ صحيح؟
ابتسم الآخر ولوح له قائلا:
_لم أنسَ، اطمئن.
ثم خرج راكبا صهوة خيله مجددا نحو وجهته، القصر الذي كره دخوله منذ توفي زوج خالته، الرجل الذي غير فيه الكثير، مضى على وفاته خمس سنوات بالفعل؛ أي عندما كانت بيث في الثالثة عشر من عمرها وهو في السابعة عشرة، لكنه شعر وكأن عشرات السنين قد مضت، فما لبث أن تخطى فقدانه حتى فقد ابنته إليزابيث فصار وحيدا لولا جونار الذي تعرف عليه منذ بضعة أشهر ورغم الوقت القصير إلا أنه وثق به ثقة الرجل بنفسه فائتمنه على أسراره ورغبته في الإسلام، بل ووضع معه خطة للإطاحة بعائلته الحاكمة وإنهاء حكمها الظالم.
كان جونار شابا بسيطا من العامة، له من العمر عشرون عاما، توفي والده قبل فترة لكن لم يؤثر به الأمر كثيرا بسبب علاقته السيئة به، اشتغل في سوق الخضار الخاص بوالده ليصرف عن نفسه ويجد قوت يومه.
كان عهده الأول بآلبرت هو يوم شديد المطر، كان عائدا لكوخه الصغير إلا أنه سمع في طريقه صوت سعال قوي يأتي من الغابة القريبة للكوخ، اقترب منها فإذا بالآخر يحتضن نفسه لشدة البرد والسعال لا يتوقف عن إيلام صدره.
فزع جونار مما رأى وحمله إلى كوخه الصغير، أوقد المدفئة وأعد له شرابا ساخنا، صحيح أنه كان يعلم أن هذا آلبرت ابن أخت الحاكمة لاڤينيا لكن لم يكن هذا سبب مساعدته له، بل طبعه الرحيم الذي ورثه عن والدته... كما أن آلبرت كان كثير التردد على المنطقة السوقية التي يعمل بها جونار الذي كان يراه وهو يساعد هذا وذاك دون تكبر ولا تفاخر بمنزلته.
ومذ ذلك اليوم صار آلبرت يتردد على الآخر في عمله كثيرا حتى قويت العلاقة بينهما وصارا صديقين حميمين في فترة قصيرة.
حدثه عن حياته منذ صغره، وعن كرهه لعائلته الحاكمة التي كان حانقا على كل فرد فيها، شخصان فقط من أهماه، إليزابيث ووالدها جيروم، أما البقية فلم يرهم سوى أقنعة كاذبة زائفة وأجساد تفوح منها رائحة النفاق والخداع.
★★★
أوقف جواده أمام بوابة القصر الشاهق وقد ُرصع بالجواهر النفسية حتى أنه أطلقُ عليه قصر الجواهر!
رمق المكان بازدراء ثم ترجل عن خيله قبل أن يدخلها أحد الخدم إلى الاسطبل.
بخطوات ثابتة دلف بهو القصر، ثم توجه من فوره نحو قاعة الاجتماعات حيث جزم أنهم هناك وبالفعل كان ظنه في محله.
دخل وقلب عينيه بينهم بملامح جامدة ثم صوب نظره نحو والده عندما تسللت كلماته الحادة لأذنيه:
_أين كنت؟
أجاب آلبرت بهدوء حمل بعض البرود في صوته وهو يدفع الكرسي قليلا ليجلس بعدها عليه لينضم بذلك أخيرا لاجتماعهم الذي كان بالنسبة له أقل من تافه:
_أتجول هنا وهناك.
ضرب والده الطاولة بقوة وزمجر فيه غاضبا:
_تتسكع وتعرف أن الأوضاع مضطربة!
نظر له بشك ثم اعتلته نظرة ساخرا ووجه عينيه نحو زوج خالته قائلا بتهكم:
_عذرا، سيادة الملك كاي، أي أوضاع مضطربة يتحدث عنها والدي؟ ألست من يطهوها على نار هادئة؟
أجابه الآخر بلجهة لا تقل تهكمية عن صاحبته:
_هل إعادة الحقوق لأصحابها يعد جرما سيد آلبرت؟
رد الآخر بعد أن أطلق ضحكة ساخرة طويلة استفزت عائلته:
_أين حقك في الأرض التي تملكها مملكة نيراي؟ أم أنك بدأت تهذي لكبر سنك (صر على أسنانه نهاية كلامه مخلفا جوا متوترا)
أشعلت هذه الكلمات نيران غضب الرجل الذي بلغ لتوه عقده الرابع ولم تعانق شعره سوى بضع شيبات تعد على الأصابع، فشعر بالإهانة وكاد يفتك بالشاب الذي لم تتغير ملامحه الساخرة رغم نظرات والدته الحادة ووالده الذي صاح به مهددا:
_اعتذر منه وإلا تبرأت منك أيها الوغد الصغير!
لم تؤثر هذه التهديدات في آلبرت الذي يستمتع بإثارة أعصابهم في كل مرة، كما أنه الوحيد القادر على ذلك وقد كانت إليزابيث تسعد عندما يأخذ بثأرها من زوج أمها الذي يضايقها بكلماته الساخرة كلما رآها.
تحدثت الحاكمة بهدوء واضعة كفها على كتف زوجها وقالت بنبرة حازمة أخفت تحتها خبثا لم يكن ليخفى على كاشف الأقنعة:
_لا بأس، ستهدأ ثورة غضبه ويعتذر منك، فلا تنسَ أنك رفضت مساعدته في البحث عن الخائنة إليزابيث.
اتسعت حدقتا آلبرت مما سمع، فكيف لأم أن يطاوعها قلبها لتتحدث عن ابنتها هكذا وتتهمها بالخيانة؟
كان يعلم أنها تحاول استفزازه واللعب بأعصابه بكلماتها هذه لكنه لم يستطع منع جماع غضبه ووقف مغادرا بعد أن ضرب الطاولة بكلتا يديه وتمتم بحنق دون أن يسمعه أحد الموجودين:
_ستندمون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى الفصل الأول🤭
ما رأيكم؟ 🤭
انتظروني الخميس القادم مع فصل جديد🤭
دمتم في حفظ الله🎀
البروء