عند منتصف الليل...
وقف آلبرت منتصب الجذع متجهزا لصلاة الاستخارة بعد أن توضأ، ثم بدأ الصلاة مستخيرا ربه في أمره، داعيا أن يشرح صدره لم فيه خير.
وما إن أكمل صلاته حتى سبح واستغفر ثم غفت عيناه ليغوص في الظلام قبل أن تتضح الصورة مجددا ويرى نفسه في حديقة مليئة بالزهور، يجلس قرب إليزابيث يتبادلان أطراف الحديث ببسمة، لتقول هي بنبرة مستفسرة والفضول يقفز من عينيها:
_هل أسلمت لأجلي؟
ليجيبها بنبرته الساخرة التي لم يستطع منعها:
_بيث، تعرفين أنني لن أتخذ قرارا كهذا بسبب العاطفة!
ضحكت وقالت بلهجة معاتبة:
_أساسا لن أسامحك إن دخلت الإسلام لأجلي فلست بكاشفة العذاب عنك ولا بمدخلتك الجنة.
فتح عينيه على آخر كلماتها فنظر يمنة ويسرة عله يلمح طيفها قبل أن يعي أنه كان مجرد حلم لشدة تفكيره بالأمر، فاستعاذ من الشيطان وجلس ساكنا بلا حراك حتى سمع منادي الفجر ينادي.
في المساء...
كان دجيرو ودايروم وآلبرت مع بعض الرجال المهمين في قاعة الاجتماعات بقصر بيرول، يتناقشون حول الخطة التي يجب اتباعها للإطاحة بجيش سيجو، لم يجدوا أفضل من الهجوم المباشر فعزموا على هذا القرار ليقول آلبرت بعد أن غادر جميع الرجال ولم يبقَ سوى الحاكمين:
_عزمت على عقد زواجي اليوم إن وافقت بيث، أرجو أن تتفهما موقفي.
نظرا له بدهشة ليتابع بجدية واقفا، متكئا بيديه على الطاولة، مائلا بجسده للأمام قليلا وعيناه تتقلبان بينهما:
_لا أضمن نجاتي من المعركة المقبلة، وأخاف ألا أتمكن من الوفاء بوعدي فهلا سمحتما لي؟
لم يجبه دجيرو فقد كانت ملامحه المعترضة تكفيه الكلام، في حين أردف دايروم بنبرة قلقة:
_أأنت متأكد من قرارك يا آلبرت؟
أومأ بثقة متابعا بنظرة جادة استقرت على وجه داي:
_أتم الثقة، لذا أرجوك!
تنهد دايروم فخطف نظرة لأخيه الذي أشاح بنظره بعيدا معربا عن رفضه الفكرة، ثم قال بنبرة واثقة مبتسمة:
_توكل على الله، لنعد إلى نيراي ونرى رأي إِلِن أولا، اتفقنا؟
تهلل وجه آلبرت وأومأ بسرعة كطفل صغير، في حين نظر دجيرو لشقيقه بنظرة معاتبة ولم يتحدث.
بعد ثلاث ساعات...
وصل داي وآلبرت إلى قصر نيراي لينزلا عن فرسيهما ثم يتوجه آلبرت بسرعة نحو جونار الذي يقف حارسا لبوابة القصر الخارجية...
وقف يلتقط أنفاسه قائلا بابتسامة:
_سنبيت الليلة في نيراي، اتفقنا؟
نظر له مستغربا:
_لم؟
مسح العرق المتصبب من جبينه قائلا:
_سأفي بوعدي!
أشرق وجه جونار وعانق صديقه بحرارة:
_مبارك يا رجل! هرمنا ونحن ننتظر!
ضحك الآخر مبتعدا ثم تلاشت ابتسامته عندما قال:
_أرجو أن توافق.
ضرب الآخر ظهره بخفة:
_ستوافق بالطبع!
عند روڤانا توجهت لغرفة إليزابيث وهي تطير فرحا بعد أن أخبرها زوجها بالبشرى التي انتظرها الجميع بالأخص المقصودة بهذا الوعد.
طرقت بخفة فأذنت لها بالدخول لتدخل روڤانا وهي تقول بنبرة حنون محافظة على ابتسامتها:
_ارتدي حجابك وتعالي فأحدهم أتى ليفي بوعده لك.
اتسعت حدقتاها غير مصدقة ما سمعته أذناها وقالت بصوت مرتجف في حين انتفض جسدها في ارتعاشة صغيرة وكأنها سمعت شيئا يستحسل التصديق:
_آلبرت؟
_ومن غيره عزيزتي؟
تابعت روڤانا بحماس:
_أرسل داي في طلب الشاهدين، لن يتأخرا إن شاء الله.
سألتها إليزابيث بتوجس وقد وعت لتوها الأمر:
_ماذا عن ولي أمري؟ لا أب لي ولا عائلة!
بعثرت روڤانا شعر الفتاة الحائرة بخفة وقالت معاتبة:
_أخبرت داي أن لا فائدة من إخفاء الأمر لكنه أصر على مفاجئتك اليوم.
نظرت لها بترقب فتابعت مبتسمة:
_ولكن هل أنت موافقة على الزواج؟
تردد لولهة قبل أن تهز رأسها باستحياء لتقول الأخرى:
_إذا ارتدي حجابك بسرعة واذهبي لغرفة الاجتماعات فداي هناك.
_لكنه ليس...
قاطعتها بابتسامة لطيفة وقد أخذت نفسا عميقة لتستطيع إخبارها بالأمر:
_دايروم هو عمك الأصغر إِلِن
رمقتها بنظرة ساخرة بطرف عينها وكأنها ألقت بدعابة ثقيلة عليها ثم أردفت وهي تعدل حجابها:
_سيدة روڤانا، يمكنك إضافة كلمة «في منزلة» يمكن أن تكون أكثر منطقيا.
علقت الأخرى عابسة:
_لكنها الحقيقة!
_أتذكرتما إخباري الآن؟
دافعت الأخرى عن التهمة الموجهة لها بنبرة مؤنبة:
_كلا إِلِن، لكنك دائما ما تختصرين الحديث معي، فكيف به هو؟
اكتفت إليزابيث بالصمت إذ أن كلمات روڤانا صحيح، ولم يفقهما سوى صوت دايروم المعاتب وقد كان يقف على مسافة منهما:
_الضيوف ينتظرون!
أمسكت روڤانا يد إليزابيث واقتادتها نحو داي الذي ابتسم بهدوء ولم يقل شيئا لتقول الأخرى مطأطئة وكأن ما سمعته من روڤانا كان كذبة:
_آسفة سيدي على التأخير.
رمق زوجته بتذمر قائلا:
_ألم تخبريها؟
تنهدت:
_بل فعلت لكنها لا تصدقني، كان عليك توضيح الأمور منذ البداية.
زفر بضيق:
_إنها قصة طويلة.
ابتسم بحنان متابعا:
_هيا لنذهب.
تبعته بصمت، لم تجد ما تقوله، انعقد لسانها، وعجزت عن التعبير.
دخلت معه حيث آلبرت والشاهدين وجلست بصمت، رأسها للأسفل، عيناها لا تتجرءان على اختطاف نظرة صغيرة، جسدها يرتعش وكأنها في مقابلة مصيرية.... كل ما تمنته هو انتهاء الأمور على خير.
بعد إنهاء عقد الزواج...
خرج الشاهدان ودايروم كذلك لينفرد آلبرت بزوجه، كلاهما كان لديه الكثير الكلمات بين أضلعه، لكنهما لم يعرفا كيف يبدآن، لم يتحدثا لسنوات حتى لم يعد يشعر أي منهما أن الآخر هو ذاته الشخص القديم.
كسر هذا الصمت صوت إليزابيث التي لم تستطع كبح دموعها وهي تسأله بضيق:
_لم تأخرت؟
تردد في الإجابة قليلا ثم قال:
_لم أشعر أن الوقت قد حان قبل اليوم.
رمقته بتذمر ثم أشاحت بنظرها بسرعة فقال بهدوء عابسا:
_ما الأمر؟ لم أعد أجنبيا عنك بيث!
رفعت بصرها تجاهه فسقطت دموعها التي كبتتها لفترة وجيزة، ففهم الآخر أنها كانت تتجنب مقابلة عينيه كي لا يرى دموعها لذا ابتسم بخفة معلقا:
_لم تتغيري بيث، لا زلت مرهفة المشاعر.
ردت عل كلماته بنبرة مؤنبة حزينة:
_ألا تدري كم مرة شعرت أنني قد تعلقت بأمل كاذب آلبرت؟
_آسف...
_وكأن الاعتذار يشفي الجروح!
ثم تابعت محاولة جعل صوتها أكثر ثباتا:
_أصحيح أنك ستكون في الحرب القادمة؟
_نعم (ابتسم واثقا) عندما أعود إن شاء الله سنذهب للعيش في إينوري اتفقنا؟
نظر لعينيها متابعا وقد ألف الحديث مجددا وكأنهما كانا معا بالأمس:
_تذكرين عندما أخبرتني أنك تتمنين لو يمحى ذاك القصر عن الوجود؟
خطف انتباهها بسؤاله فأومأت باهتمام كطلفة صغيرة ليتابع مبتسما:
_هُدم وبُني مكانه قصر بسيط لكنه جميل.
_حقا؟!
_ألم تكن هذه رغبتك؟
ابتسمت بسعادة ونسيت كل توترها:
_بلى! أشكرك آلبرت!
ضحك بخفة على تصرفاتها التي لاحظ أنها لم تتغير، ثم حل بينهما الصمت مجددا قبل أن تقطعه هي بسؤال خطر ببالها فجأة:
_آلبرت... هل أسلمت لأجلي؟
حدق فيها لولهة مذهولا، مرت ثوانٍ وعيناه لا تفارقان وجهها المستغرب من ردة فعله، ثم انفجر ضاحكا كمن ألقى عليه دعابة أو طرفة، مما أغضبها فوكزته في جانبه الأيمن قائلة بتذمر:
_ما بالك تضحك؟ أتراني ألقي على مسامعك دعابة؟
_كلا كلا!
تابع متبسما وقد اتكأ على ظهره متوسدا يديه:
_فقط حلمت أنك تسألينني هذا السؤال.
نظرت له بذهول ملقية بسؤال آخر:
_وما كان جوابك؟
_قُلت «تعرفين أنني لن أتخذ قرارا كهذا بسبب العاطفة»
ابتسمت بخفة:
_أساسا لن أسامحك إن أسلمت لأجلي فلن أكشف عنك العذاب.
ضحك مجددا وهو يقول:
_قلتِ هذا أيضا!
_يا إلهي!
ابتسم بهدوء معلقا:
_ولكنني صادق يا بيث، لم أسلم لأجل أحد، بل لأجل قلبي الذي اختار هذا الطريق.
عند عودة آلبرت للمنزل ليلا...
عاد بعد حديث طويل دار بينه وبين بيث عن كل ما جرى في الآونة الأخيرة، حدثته عن لقائها بالحاكم دايروم وكيف اصطحبها للقصر وقتها دون سؤالها عن حقيقتها لم تكن تتوقع أنه كان يعرفها، حدثته عن سعادتها بالعيش في مجتمع يحترمها وعن اهتمام الجميع بها، أفضت له بكل ما حواه قلبها مذ يوم فراقهم.
أما هو فقد حدثها باختصار عن حياته المملة قبل الحرب وكيف كان يتشاجر مع العائلة بسبب أسلوبه المستفز، وكيف يغضب كاي باستهزائه... وكم أسعدها ذلك!
عاد للبيت والسعادة تحاوط قلبه كغطاء دافئ، طرق ففتح له جونار ضاحكا بعد أن ألقى السلام:
_ظننت لن تأتي.
اكتفى الآخر بابتسامة ثم دخل ليلقي بجسده على الأريكة والابتسامة لا تفارق وجهه.
_هل ارتاح قلبك الآن آلبرت؟
_لن يرتاح حتى تنتهي الحرب يا جون.
_الحروب لا تنتهي.
_وقلبي لن يرتاح.
ابتسم متابعا:
_لكني سعيد، فقد وفقيت ببعض وعدي لها، كما وفيت بوعدي لوالدها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخيراااا
هرمنا من أجل هذه اللحظة😔
إذا كيف كان الفصل؟
علاقة آلبرت وبيث؟
أكان قرار آلبرت صحيحا يا ترى؟
البروء