بعد أسبوعين...
جلس ألبرت مع باقي العائلة الحاكمة في قاعة الاجتماعات التي كلما دخلها شعر باختناق جسده لشدة كرهه لها، وكأن الأكسجين قد سُحب منها، فهو يرى أن عائلتهم تتنفس السم لا الهواء!
كانت الغرفة عبارة عن قاعة ضخمة، تتوسطها طاولة مستطيلة كبيرة الحجم تحيط بها مقاعد خشبية دون ظهر.
راقب حديثهم بصمت حتى سأله كاي الذي يترأس الطاولة، بلهجته الخُبثية وعيناه السُميتان تحاولان بث سمهما في أحشاء الآخر:
_إذا ما خطتك سيد آلبرت؟
أجابه بنبرة باردة إعرابا عن شدة كرهه له دون الاهتمام بمكانة من يخاطبه:
_قمت بعدة جولات استطلاعية وقد لاحظت أن أماكن تجمهر الجنود تتركز في أكثر المناطق حيوية، وهي واجهة المملكة وأمام القصر بطبيعة الحال؛ لذا الخطة الأفضل والتي نضمن الفوز بها هي الالتفاف والهجوم من الخلف... حيث لا حياة هناك.
سأله والده بجدية:
_ماذا إن تم نصب كمين لنا هناك؟
أجابه الشاب بنبرة واثقة:
_هذا مستحيل، إلا في حالة علمهم بالهجوم، ومن المفترض أنهم لن يعرفوا حتى نبدا التحرك، ونحن سنختار التحرك في أكناف الظلام كي لا نثير الشكوك.
سألته خالته بعينين باردتين وهي تميل برأسها لليمين قليلا:
_ومتى ستتحرك بالجنود؟
أجاب بنبرة لا تقل ثقة عن سابقتها:
_عند منتصف الليل.
_اليوم؟ (تساءلوا معا بصدمة)
_نعم، أم أنكم تنوون الانتظار حتى تتسرب أخبارنا لهم؟
أجابه كاي بابتسامة ماكرة والرغبة في السيطرة تقطر من عينيه:
_إذا نعتمد عليك آلبرت، لك عندي ما تشاء إن فزنا في هذه المعركة.
نظر له الآخر بتحد:
_ما أشاء؟ أواثق مما تقول؟
مد يده مصافحا وهو يؤكد كلماته بخبث:
_واثق.
رمقه آلبرت من رأسه حتى أخمص قدميه، ثم قال بنبرة ساخرة وهو يقف مغادرا دون أن يصافحه:
_سنرى إن كنت تفي بوعودك أيها السيد.(خرج)
ضرب والده الطاولة بقبضته بقوة معربا عن غضبه من تصرفات ابنه الوقحة قائلا:
_من يظن نفسه؟!
ثم تابع معتذرا وعيناه تختلسان النظر لِكاي:
_أستميحك عذرا سيدي، يحتاج جلسة تأديبية.
قال الآخر ضاحكا باستهزاء:
_دعه يفعل ما يحلو له الآن فنحن نحتاجه، سنؤدبه بعد أن نضمن فوزنا.
تابع بلهجة آمرة حادة مخاطبا والد آلبرت:
_جهز له الجيش فورا.
_أمرك (أسر في نفسه بازدراء: هذا ما كان ينقصني سوى أن أخدم، ابني)
★★★
من جهة أخرى
وصل آلبرت إلى السوق الذي يعمل به جونار، فدخل عليه مسلما ثم همس له قائلا:
_هل أوصلت رسالتي يا جون؟
ابتسم مجيبا بينما يشمر على يديه ليبدأ عمله:
_نعم، وحصلت على الرد الذي يرضيك.
تهلل وجهه متسائلا:
_أخبرني، بم أجبت؟
أجابه وهو يرتب البضاعة لينضم له آلبرت كذلك حتى يسمعه بوضوح فقد كانا يتهامسان كي لا يصل كلامهما لأحد المارة بالصدفة ويقعا في مشكلة هما في غنى عنها:
_بالخير كله، وافق الحاكم دايروم على خطتك وقال أنه مستعد أتم الاستعداد... بدت ثقته بك عمياء وكأنه يعرفك جيدا.
ابتسم بهدوء على آخر كلمات صديقه معلقا:
_إذا وصلته الأخبار بالفعل.
_هذا ما يبدو فقد بدا على علم بالهجوم الذي تخطط له مملكتنا (تابع مستغربا) لكن كيف وصله؟
ضحك الآخر بخفة دون أن يجب فاسترسل جونار بصدمة:
_لا تقل أنه أنت؟
_كلا...
_إذا من؟
_ومن غيرها؟
وقبل أن يصيح جونار باسمها وضع آلبرت كفه على فم الآخر مغلقا إياه قبل أن يفضحهم بانفعالاته وتهوره:
_إذا أردت أن يتم إعدامنا فتفوه باسمها يا جون!
اتسعت عيناه في رعب وهز رأسه نافيا بسرعة فقد كان يخاف من فكرة الموت عامة والإعدام خاصة.
أبعد الآخر يده قائلا بهدوء:
_كل شيء يسير كما خططت، تبقى العمل الفعلي فقط.
_أرجو أن تمر الأمور بسلام.
تنهد الآخر:
_أتمنى ذلك.
اختلط الهواء بعبق صمتهما الذي طال كثيرا حتى أنهيا ترتيب كل شيء وأوشكت الشمس على توديع المكان لتترك للقمر مهمة إضاءة الأفق ومواساة المحزونين.
★★★
بعد يوم طويل وعند غروب الشمس واستقرار القمر في منتصف السماء قال آلبرت بجدية محدثا صديقه:
_حان الوقت، أنت ابق هنا وأنا سأذهب للمعركة.
_أريد القدوم معك!
_الأمر خطير وأنت لا تعرف شيئا عن المعارك ومخاطرها.
انقشع الغيم عن القمر ليضيء المكان ويتسلل نوره لوجه آلبرت الذي رُسمت ابتسامة حزينة على وجهه بينما يرسل كلماته إلى أذني صديقه بألم:
_لا أريد خسارتك، يكفي أنني خسرت واحدا وسأخسر الثاني إن فشلت خطتي وفضح أمري.
سأله جونار بترقب:
_أتفعل كل هذا لأجلها؟
أومأ فلا زال أمر الوعد ينهكه ويثقى كاهله، ولن يرتاح حتى يفي بوعده لها ولوالدها كذلك.
حملق في القمر الوحيد في السماء، لوهلة شعر أنهما متشابهان لكنه ابتسم عندما نظر لجونار متيقنا أنه ليس وحيدا، لذا أجاب بهدوء بعد أن عاد نظره للقمر المعلق كمصباح في صفحة السماء المظلمة:
_لقد وعدتها وعلي الوفاء بوعدي.
_ألأجلها اخترت الإسلام؟
نفى مبتسما:
_كلا، قلبي من اختاره فلا شان لها في اختياراتي، لست ممن يقود الحب عقولهم يا صاحبي.
ضحك الآخر ممازحا:
_أرجو ذلك.
ابتسم متابعا:
_عد سالما، فإني أتوق لأن ندخل الإسلام معا.
_لا توصي حريصا بذلك.
ودعه بعناق قصير ثم امتطى فرسه وتوجه للمكان الذي تجمع الجيش به، وما إن وقف أمامهم حتى تقدم والده تجاهه قائلا بنبرة جدية:
_نعتمد عليك.
ابتسم واثقا:
_سنفوز. (تابع في نفسه: عليكم)
ثم انطلق بالجيش نحو المعركة المصيرية وقلبه معلق بأمل كبير في النصر.
★★★
مملكة نيراي...
وقف دايروم أمام جيش جرار بفرس شديد البياض ورفع صوته ليسمعه الجميع وقد اعتلى مكانا عاليا لينتبهوا له:
_السلام عليكم يا من دُعيتم للجهاد فأجبتم، أما بعد، فلتعلموا أننا سنقاتل لأجل الدفاع عن ديننا لا عن أرض يورثها الله لمن يشاء، فأخلصوا النوايا وهلموا للقتال أعداء الله، فنحن للدين الفداء!
ثم صاح فيهم بحماس باعثا في قلوبهم روح الجهاد:
_كبروا.
ما إن سكت حتى تعالت التكبيرات بأعلى الأصوات ثم عاد كل منهم لموقعه حسب الخطة، كان داي قلقا إلى حد ما من نجاح خطة آلبرت لكنه كان يثق أن الله لن يخذله وأنه معه، لذا سلم أمره لربه وتوكل عليه.
★★★
دجيرو...
سار بجيش ضخم يقدر بعشر آلاف جندي منهم 8 آلاف من الفرسان وألفان من رماة السهام، توجه نحو مملكة إينوري بعد أن تأكد من وصول جيشها إلى نيراي وفق الخطة.
التف عليها بـ7 آلاف، منهم ستة آلاف سياف، والبقية رماة سهام، ودخل معه الثلاث آلاف الباقية.
ما إن وطأت قدما فرسه البوابة حتى اهتاج الناس وماجوا وصاح رجل منهم منفعلا والخوف يغزو صوته:
_هلكنا، هلكنا!
انزعج دجيرو من الخوف الذي صدر منهم فصاح فيهم بصوت جلجل الأفق:
_لم نأتِ لسفك الدماء، فمن أراد حفظ دمه فليلزم بيته، فإن ما أتينا لأجله هو نشر الدين الحق في أرض الله!
سكنت الأصوات بعد كلماته قبل أن يُسمع صوت طرق نعالهم بالأرض وهم يركضون لمنازلهم وجلا ورهبة وخوفا على أنفسهم من مصيرهم المجهول.
لا ذنب لهم في ذلك، فقد رباهم كاي على الخوف، على قلق الدائم، على التربص بالمستمر!
أشار الحاكم لبضع جنود بأن يتبعوه بينما أمر البقية بصد أي هجوم قد يعترضهم كما نهاهم عن قتل العُزل والنساء والشيوخ والأطفال وألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
ثم توجه في موكب مهيب رغم صغره إلا أن مواكب المسلمين تكون ذات هيبة عظيمة وإن لم يكن بها سوى بضع أشخاص.
سار نحو القصر ولسانه لا يتوقف عن الدعاء بالنصر والتثبيت فلما وصل اندهش مما رآه، قصر خالٍ من الحياة رغم الجواهر التي تزينه، لا أثر فيه لإنس ولا جان ولا حيوان، أمر أتباعه بالحذر في خطواتهم ودخلوا المكان بحثا عن أعدائهم.
★★★
من جهة أخرى...
كان كاي وزوجته على فرس ووالديّ آلبرت على فرس آخر يتوجهون إلى اللا وجهة هربا من الحاكم ديجرو؛ فقد وصلتهم أنباء اقتراب دجيرو من المملكة لذلك فروا بجلودهم قبل أن يصل لهم تاركين خلفهم الشعب يواجه مصيره وحده.
كان الطريق طويلا شاقا على من اعتاد الترف والراحة، تحديدا كاي الذي كان جيدا في إعطاء الأوامر لا غير، لذا كان يتذمر:
_ذلك الأحمق آلبرت هل فشلت خطته؟!
حدثته زوجته بازدراء:
_سيزداد عطشك كلما تحدثت، التزم الصمت إذا أردت الحفاظ على بلل ريقك في هذه الصحراء!
زفر بحنق ملتزما الصمت إذ لم يكن لديه ما يفعله غير ذلك، في حين صاحت والدة آلبرت مشيرة إلى مكان ما:
_انظرو، إنها قرية!
ضرب كاي ووالد آلبرت الفرسين ليركضا باتجاه المكان والنشوة تداعب نفوسهم ولكنها تلاشت وعادت من المكان الذي أتت منه عندما وصلوا القرية، كانت مهجورة، موحشة، وكأن معركة طاحنة قد دارت رحاها في هذا المكان، لا حياة فيها ولا أمل.
كادوا يعودون أدراجهم لولا سهام مرت جانبهم لتقذف في قلوبهم الرعب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى الفصل🤭
ما رأيكم؟ 👀
الأحداث المهمة على الأبواب🤭🔥
بالمناسبة👀
حديث جونار وآلبرت يحمل بعض التلميحات للفصول القادمة 🤭
البروء