قطع الشك باليقين

قطع الشك باليقين

24 0

في غرفة ذات مساحة شاسعة، فارغة إلا من كرسيين كبيرين نقش عليهما اسمي ملك نيراي «دايروم» وزوجته «روڤانا».

كانت تجلس الحاكمة روڤانا بابتسامتها الهادئة وحجابها التام تنظر للفتاة التي أتمت قبل أيام عامها الثامن عشر، لتقول بصوت هادئ حنون:

_تفضلي إِلِنْ، وصلني أن لديك ما تريدين قوله.

أومأ الفتاة وعيناها تحدقان في المرأة أمامها، فقد اعتادت أن تنظر في عيني من تحادثه كائنا من كان... قالت بصوت هادئ رسمي:

_وصلني خبر من مصدر موثوق أن مملكة إينوري تنوي الهجوم على مملكتنا الصغيرة وضمها لهم.

لم تعلق الحاكمة لبرهة وكأنها تفكر في كلمات تقولها:

_وما مصدرك بُنيتي؟

1

قالت بتردد مشيحة بنظرها صوب النافذة مخافة أن تخونها الكلمات عندما ترى عيني سيدتها التي تجعلك تثق بها رغما عنك:

_اعذريني سيدتي، لكن لا يمكنني البوح فإن وصل خبر معرفتكم للملكة لاڤينيا فإنها لن تتردد في قتله.

أومأت بتفهم وقد علمت بناقل الخبر للفتاة أمامها لكنها كتمت الأمر وقالت بنبرة جادة:

1

_إِلِنْ، أشكرك على إعلامي، سأتناقش في الأمر مع داي قبل أن نقرر ما يجب فعله.

ابتسمت بلطف متابعة وهي تشير لها بالانصراف:

_يمكنك المغادرة.

_حاضرة.

خرجت بيث ويدها على قلبها من شدة القلق، تضع أسوأ الاحتمالات في حساباتها، كما أنها تعلم يقينا أن إخبارهم بمصدر الخبر يعني  فضح نفسها كذلك فما علاقتها بابن أخت الحاكمة؟  هما خياران لا ثالث لهما، فإما أنه شقيقها -إن أحسنوا الظن- وإما أنها على علاقة غير شرعية معه وإن كانت تحت مسمى الصداقة -وهذا ما قد يستبعدونه لكونه مستحيلا بالنسبة لهم،  فكيف يمكن أن يخاطر بإخبار صديقته بأمر كهذا؟-

1

وبينما كانت تسير في ممر القصر نحو غرفتها؛ شعرت بيدين تحاوطان عينيها بلطف فقالت بهدوء:

_هُونّا لست في مزاج لهذا...

ضحكت بخفة وقالت وهي تسير أمامها:

_ليست أنا.

تجهمت ملامح إليزابيث مستغربة وهي تقول متذمرة:

_إذا من؟

ابتعدت اليدين عن عينيها ببطء ليتسلل بعض الضوء مزيلا العتمة المؤقتة التي أحاطتها، ثم لفت جسدها في حركة لا إرادية لترى صاحبة اليدين فإذا بها أميرة نيراي «مِييَان»، توترت إليزابيث عند رؤيتها وشعرت بالخجل من نفسها في حين قالت لها الأميرة بحيوية:

_تبدين حزينة إِلِنْ، ما بك؟

نفت الأخرى مغتصبة ابتسامة صغيرة تُخفي بها ما ألم بعقلها من أفكار:

_أنا بخير، ممتنة لاهتمامك آنستني.

عبست الفتاة وقالت بنبرة مؤنبة وعيناها تعاتبان قبل لسانها:

_توقفي عن هذه الرسمية (نظرت لهونامي متابعة تزن كلماتها)  كما أننا نعلم سبب ضيقك الدائم، لأنك تشتاقين لعائلتك صحيح؟

ابتسمت بحزن وأومأت بهدوء قاصدة بذلك شخصين أحدها قد فارق الحياة، فسألتها هونامي بحذر:

1

_هل عائلتك مسلمة؟

كان السؤال أشبه بإلقاء حجر على قلب بيث فهزت رأسها نافية محاولة التحكم بحزنها...

عند ذلك، تبادلت هُونَامِي ومِييَان النظرات المترددة التي تحمل من المعاني الكثير، ثم همست الثانية في أذن إليزابيث بكلمات جعلت منها كصنم لا يتحرك ولا ينطق بشيء، وأخذ تحملق فيها بصدمة لم تستطع إخفاء بعضها لتقول هُونَامِي بصوت هادئ:

_إذا كما توقعتنا.

ضربت كتف الفتاة المصدومة لتفيقها من شرودها وقالت بنبرة نشيطة:

_هيا إِلِنْ، لدينا الكثير من العمل اليوم.

قالت مِييَان بعفوية:

_هل أساعدكما؟

1

نفتا بسرعة فاقتضب حاجباها بعبوس ثم قالت وهي ترمقهما بتذمر:

_لو كنتما قلقتين من والديّ فسأستذن منهما.

نهرتها إليزابيث بعفوية:

_إياك!  أنت أميرة ولست خادمة!

ضيقت عينيها ثم قالت:

_ألا نتشابه؟

قالت بحزم مخفية توترها من ما سمعته أذناها للتو:

_كلا

1

ثم استأذنت وغادرت لتقول هُونَامِي بيأس:

_لا عليك مِييَان، ستعتاد عليك مع الوقت.

تابعت بحماس:

_بماذا همستِ لها؟

قالت وهي تراقب الفتاة التي تبتعد عنهما بخطوات ثابتة:

_سؤال مباشر جدا «أنت إليزابيث صحيح؟».

1

ضحكت هُونَامِي وهي تقول:

_صريحة جدا.

رسمت الأخرى ابتسامة صغيرة قائلة وهي تدفع صديقتها نحو الاتجاه الذي ذهبت فيه إليزابيث:

_هُونّا، أعتمد عليك في مساعدتها.

هزت رأسها بثقة:

_لا تقلقي بشأن ذلك.

غادرت هي كذلك فتوجت مِييَان نحو غرفتها والأسى يعتصر قلبها حزنا على إليزابيث بعد أن تأكدت أنها بالفعل الأميرة التي هربت من مملكة إينوري ونعتت بالخائنة، وليس هذا فحسب، بل تأكد شكوكهم أنها الفتاة التي وعد دايروم أباها بحمايتها دون فضح حقيقته أمامها...الحقيقة التي لا زالت بيث تجهلها حتى الآن.

1

★★★

قبل أن تدخل لغرفتها سمعت صوت الخادمة من خلفها تحدثها بنبرة لبقة ورسمية:

_آنستي، الملكة روڤانا تطلبك.

ابتسمت الأخرى بلطف وأومأت برأسها:

_حسنا، أشكرك عزيزتي.

اتجهت نحو وجهتها بخطى ثابتة وهي تجهز الكلمات وترتبها قبل أن تخرج من ثغرها، فهي تعرف تماما ما الذي تريده والدتها وتطلبها لأجله، لذا كانت مستعدة لتخبرها بما اكتشفته، أو بصحيح العبارة «تأكدت منه».

وقفت أمام المكتبة الفسيحة حيث تحب والدتها قضاء وقتها ثم طرقت بخفة فوصل مسامعها صوت روڤانا وهي تأذن لها بالدخول، لتلج الغرفة وتلقي التحية باحترام ثم تقول:

_لقد تأكدت من الأمر يا أماه.

ابتسمت روڤانا مستفسرة:

_بخصوص إِلِنْ؟

_نعم.

_إذا؟

تردد قليلا قبل أن تناسب الكلمات من ثغرها بنبرة هادئة ورثتها من أمها:

_كما توقعتِ، إنها إليزابيث، أميرة مملكة إينوري.

أومات لها الأخرى وأسرت في نفسها «إذا لا بد أن آلبرت من أعلمها لهذا خافت إخبارنا».

_حسنا يا مِييَان، اعتنِي بها جيدا، فشخص مثلها ترك الغنى وزينة الحياة الدنيا ليفر بدينه لا بد أن يكسب احترام الجميع، كما أنك تعرفين منزلتها منا، لذا أعتمد عليك، عُديها أختك اتفقنا بُنيتي؟

1

ابتسمت الأخرى بحيوية وأجابت بعفوية:

_نعم أمي!

ليلا... 

في شوارع إينوري المضاءة بالفوانيس، في منطقة عرفت بمنطقة التجار فلا تكاد تلتفت عن يمينك أو شمالك إلا وترى سوقا  أو تاجرا ينادي في الناس أن يلقوا بأعينهم تجاه بضاعته وينظروا ما لديه من منافع.

ابتعدت آلبرت قليلا عن منطقة التجار عن طريق أحد الأزقة الضيقة، التي بالكاد عبر منها فوق خيله، حتى وصل إلى كوخ صغير انبعثت منه إنارة صغيرة تُعلم بوجود صاحبه.

هبط عن فرسه بعد أن أوثق رباطها في إحدى أعمدة الكوخ، ثم طرق بخفة على الباب ففُتح له سريعا ليلج للداخل وينزع رداءه الذي وقاه البرد فترة تجوله في الخارج حيث أسدل الليل برده على الأفق.

ألقى بجسده على سرير صديقه وقال منهكا:

_كيف تسير الأوضاع عندك؟

أجابه وهو يسكب الحساء في صحنين فخاريين:

_على أفضل ما يكون...(ابتسم)  جهزت الفرس الذي سأغادر به، وحصلت على سيف ودرع لك بمهارتي.

قلب الآخر عينيه بملل:

_لسانك المعسول هو سبب نجاحك

ضحك جونار ومد له الحساه بعد أن جلس قربه وقال ممازحا:

_تناول هذا، سيفدئ جسدك، فيبدو أنك لن تنام في دفء القصر اليوم بل في برد الكوخ المزعج.

1

رمقه الآخر بتذمر قبل أن يقول:

_دع عنك المزاح الثقيل وأخبرني عما تخطط له، فأنت تعلم أن ما نحن مقبلون عليه هو خيانة بالمعنى الحرفي لها وليس كما فعلت بيث ليطلق عليها لقب خائنة فقط لهروبها فارة بدينها!

تأفف جونار قائلا:

_ما تفتأ تحدثني عن هروب الأميرة فرارا بدينها دون أن تخبرني بقصة هذا الدين أو حتى كيف وصل لها!

تنهد آلبرت ثم ارتشف بعض الحساء الساخن وتحدث بنبرة هادئة تخفي الألم تحت غطاء الهدوء في حين سرحت عيناه في الفراغ أمامه:

_أتعاهدني على كتمان الأمر؟

_وهل وشيت بك قبلا؟

_كلا، لكن العهد يريح القلب ويبعث الثقة.

1

_إذا أعاهدك أن أحفظ سرك وأكتم أمرك.

ابتسم بتكلف ونظر لصديقه وكأنه شخص آخر قد أثقلته الهموم حتى ما عاد يطيقها:

_هذا الدين هو  الطريق الذي يأخذ بيدك نحو الجنة، نحو رضى الله، نحو السعادة، والراحة الداخلية مهما تعبت وعملت سترضى بما لديك لأنك تعلم أن الله لا يضيع أجر من عمل صالحا.

_الله؟

أومأ مفسرا:

_نعم، الله الذي خلقنا وخلق هذا الكون بما فيه من مخلوقات.

صاح جونار في ذهول:

_إذا تؤمن بوجود خالق لهذا الكون؟  لست وحدي أؤمن بذلك؟!

1

وضع آلبرت كفه على ثغر صديقه قائلا:

_أخفض صوتك وإلا سمعك الملأ!

1

أومأ الآخر فترك يده ليتابع:

_ألم تسأل نفسك عن سبب موت الملك السابق جيروم فجأة وتولي زوجته الحكم؟

1

_بلى فعلت، ولكن لم أدرك السبب بعد، فهل لك أن تخبرني؟

_كان الملك جيروم مؤمنا بالله، مصدقا بوجوده وآياته، وقد سافر في إحدى المرات إلى بلد يُقال لها الحجاز، فأخذ الدين من فقهائها وتعلم أحكامه، وحفظ كلمات الله التي جُمعت فيما يسمى المُصحف... فلما عاد إلى هنا ودعى زوجته وأمي وأبي لهذا الدين.

نعتوه بالمجنون وأنه يهذي بكلمات لا يفهم كنهها أو أن أحد الناس قد سحره (أنهاها بنبرة ساخرة)

1

_وبعد؟

_لم ييأس وعلمني هذا الدين مذ كنت في العاشرة، فلما زيد في عمري سبع سنين قُتل هو، وقد وصاني بتعليم ما تعلمته لإليزابيث، وأن أساعدها في الهروب إلى بيرول أو نيراي إن قررت الفرار بدينها إلى أرض تدافع عنه.

لطالما ذكرني أن هذا هو الطريق الصحيح وأن علي اختياره، لكني...

قبض يده بقوة متابعا بكلمات يجلد بها ذاته:

_جبان يخشى الموت إن طرق الخبر أذني والده، كنت ولا زلت جازما أنني لو أسلمت فإن مآلي لن يكون إلا كمآل عمي قبلي، فالتزمت الصمت وأخبرت بيث وعاهدتها ألا تخبر والدتها بأمر هذا الدين، ولكم سألتني عن من علمني لكنني كنت أرفض لأنني أخشى عليها من كيد والدتها، فهي لن تتوانى لحظة في صب جماح غضبها على أمها التي كانت سببا في موت والدها، وإن فعلت ذلك فلن تتردد أمها لحظة في إلحاقها به.

نظر له جونار بشك وكأنه يقول كلاما من الخيال المحض:

_وهل هناك أم بهذه القسوة يا آلبرت؟ لا سيم أن الحاكمة معروفة بحبها الشديد لابنتها!

1

أجابه ساخرا:

_آه صحيح أنتم ترون الظاهر فقط، أما الباطن فلا تدرون عنه شيئا!

_على رسلك يا صاح، لم أنت شديد الانفعال هكذا؟

لم يجبه فقد اغتاظ جدا من فكرة أن الظلم يختفي تحت قناع من الكلمات الكاذبة.

1

استطرد الآخر معيدا الحديث لمجراه الأساسي:

_إذا ما خطتك؟

أجابه ببساطة بعد أن اتكأ على الفراش وحملق في سقف الكوخ الخشبي:

_سأتمنى أولا أن يتم تعيني قائدا للجيش.

_ألا ترى أن أمنيتك بعيدة المنال كالشائب الذي يتمنى عودة الشباب؟

1

رمقه باستياء قائلا:

_ألا تعرف شيئا عن رفع المعنويات؟

ثم ابتسم متابعا:

_أنت لا تعلم شيئا عن الحياة العسكرية هناك، ألم تسمع عن الغلام الذي وضع خطة لمعركة خاضتها المملكة وهو ابن الاثني عشر؟

أجاب بشك:

_لا تخبرني أنه أنت!

قال بفخر:

_بالطبع أنا!

1

سرعان ما اغتم لتذكره أنه ساعد بذلك عائلته الظالمة فقال بانفعال:

1

_لا يهم هذا... ما يهم هو أن أقود أنا الجيش لتنجح خطتي.

1

_ألن يتكرم حضرتك بإخباري عن خطته التي يتفاخر بها منذ يومين؟

1

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انتهى الفصل الثاني🤭

ما رأيكم في الشخصيات؟

1

جونار؟

2

آلبرت؟

2

إليزابيث؟

2

هونامي؟

1

مييان كذلك؟

2

بالمناسبة أسماء الممالك والشخصيات من اختراعي،

عدا أسماء شخصيات مملكة إينوري فهي أجنبية.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وعد لم يكتمل

المؤلف البروء
2025/09/22 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة