كان ليو ما يزال يحمل ارتعاش تلك اللحظة… لحظة الدم الأولى. صورة ديمتري وهو يصرخ والدم يسيل من ذراعه لم تفارق ذهنه. في الممر الطويل للقصر، ظلّ الجميع ينظرون إليه كأنه تحول فجأة من ضحية إلى وحش. لكن الوحش الحقيقي لم يكن قد خرج بعد…
مرّت أيام ثقيلة. ديمتري يتعافى من جرحه، ألكس يراقب ليو بصمت غامض، وفكتور لا يكفّ عن السخرية منه. أمّه صارت تتجنبه، والأب غارق في ضعفه المعتاد، أما الجد… فكان يرمقه بنظرات طويلة، نظرات تحمل خوفًا لم يفهمه ليو بعد.
وفي صباح بارد، بينما كان عائدًا من مدرسته بثياب شتوية بالكاد تقيه الصقيع، توقّف أمامه رجل غريب. طويل القامة، ملامحه حادة، يرتدي معطفًا أسود وقبعة عريضة تحجب جزءًا من وجهه.
وقف أمام ليو وناداه باسمه بصوتٍ رزين:
– "ليو ميخايلوف؟"
تجمّد في مكانه. لم يسمع أحدًا ينطق اسمه بتلك الطريقة من قبل، كأنه يناديه ليس كطفل ضعيف، بل كشيء أكبر.
أجاب بحذر:
– "نعم… من أنت؟"
ابتسم الرجل قليلًا، ثم أخرج بطاقة أنيقة من جيبه.
– "اسمي أناتولي فيدوروف، كنت المحامي الخاص بجدتك… ناديا ميخايلوف."
اتسعت عينا ليو. قلبه تسارع في صدره، تذكّر تلك الليلة حين سمع الجد يقرأ الوصية.
اقترب المحامي خطوة منه، وانحنى قليلًا ليقول بصوت خافت لا يسمعه أحد:
– "جدتك لم تمت كما قالوا… لقد قُتلت. وأنا أعرف من فعل."
شعر ليو أن الثلج تحت قدميه تلاشى. هوى قلبه في قاع مظلم، وصوت المحامي اخترق أذنه كالخنجر.
– "قبل أن تُقتل، أوصت بكل شيء لك… الشركة، ممتلكاتها، وكل ما تخفيه خلف الستار. لم تكن مجرد شركة أزياء يا ليو… بل غطاء لإمبراطوريتين مظلمتين: الأولى لصناعة الأسلحة، والثانية…"
توقف قليلًا، نظر في عيني ليو المختلفتين، ثم أكمل:
– "… لصناعة التكنولوجيا السوداء."
ارتعش نفس ليو.
– "تكنولوجيا… سوداء؟"
– "نعم، أبحاث محظورة، ابتكارات مظلمة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها. جدتك كانت أذكى من الجميع، لكنها دفعت حياتها ثمنًا."
مدّ أناتولي يده بورقة مطويّة.
– "هذه نسخة من الوصية الحقيقية. لم يستطع جدك إتلافها كلها… لقد كنت الوريث الوحيد، والآن… حان الوقت لتعرف من تكون."
تردّد ليو، أخذ الورقة وفتحها. عيناه زاغتا على الحروف، كل سطر كأنه يفتح جرحًا جديدًا.
“إلى حفيدي ليو… إن قرأت هذه الكلمات، فهذا يعني أنني رحلت. كل ما بنيته هو لك، فإياك أن تسمح لهم بسرقته. يومًا ما ستفهم أن قوتك ليست في دمائك، بل فيما تجرؤ أن تفعله بها.”
أغلق الورقة بيد مرتجفة. كان صوته بالكاد يخرج وهو يقول:
– "ولماذا تخبرني بهذا الآن؟"
ابتسم المحامي ابتسامة غامضة.
– "لأن الوقت قد حان… لتغمس يديك بالدم حقًا. الانتقام لن يكتمل إلا حين تصبح أنت سيد هذه الإمبراطورية، لا مجرد ظلّ في قصرهم."
وقف ليو صامتًا. الريح الباردة صفعت وجهه، لكن داخله كان يغلي. شعر أن الجدران تنهار حوله، أن كل سنوات الذلّ لم تكن سوى تمهيد لهذه اللحظة.
همس أناتولي أخيرًا وهو يبتعد:
– "حين تكون مستعدًا… ستجدني. لكن تذكّر: الدماء التي بدأت تُسفك، لن تتوقف حتى تغرق كل شيء."
ثم اختفى وسط الشارع المكسو بالثلج، تاركًا ليو واقفًا، يداه ترتجفان والوصية بين أصابعه.
لأول مرة، لم يشعر أنه ضحية… بل ورثة لعالمٍ أسود ينتظره.
اتمنى يعجبكم الفصل
لا تنسوا تصوتوا
سـيده بـارك