طـفوله الـشيـطـان.

طـفوله الـشيـطـان.

21 0

لم يعرف ليو يومًا معنى الطفولة.

فالطفولة، كما يقال، حديقة للضحكات، وأحضان دافئة تحمي القلب من قسوة العالم. أما ليو، فقد وُلد داخل بيتٍ لا يعرف سوى الصمت الموحش والعيون التي ترمقه كعدوّ.

منذ أن فتح عينيه، كان يعرف أنه مختلف. لم يكن شعره الأشقر الطويل هو ما يثير سخرية العائلة، ولا بشرته البيضاء النقية، بل تلك العينان اللتان حملتا لعنةً لا تُغتفر: إحداهما زرقاء هادئة كالمحيط، والأخرى حمراء متقدة كالدم. لم يرَ أحد في ذلك جمالًا أو تفرّدًا، بل رأوا فيه شيطانًا، كائنًا وُجد ليجلب العار.

كان في السابعة من عمره حين سمع جدّه لأول مرة يقول بصوتٍ جهوريّ أمام العائلة كلها:

> "هذا الولد ليس منّا… إنه نذير شؤم. لعنات السماء تسكن في عينيه."

ضحك إخوته الثلاثة، وردّدوا الكلمات كأنها نشيد مقدّس. أما أمه فقد خفضت عينيها ببرود، وأبوه التزم الصمت، كعادته، وكأن لا ابنًا له هناك.

منذ ذلك اليوم، صار "الشيطان" اسمه. لم ينادِه أحد بـ "ليو" سوى جدته الراحلة.

---

كبر الطفل بين جدران القصر العتيق، وكل زاوية منه شاهدة على آلامه. غرفته كانت أصغر غرفة في البيت، تقع في الطابق السفلي بجانب المخزن، بلا نوافذ تطل على الخارج، فقط جدار بارد يذكره بأنه سجين. كان يستيقظ على أصوات ضحكات إخوته وهم يتناولون الإفطار مع العائلة في القاعة الكبرى، بينما هو يُمنع من الجلوس على نفس الطاولة.

أحيانًا، كانت أمه ترسل له طبقًا باردًا من بقايا الطعام، تضعه الخادمة على الباب دون أن تطرق. كان يلتقطه بصمت، يجلس على سريره الخشبي، يأكل وحيدًا في عتمة غرفته، يتساءل إن كان حقًا ابنًا لهم أم مجرد غريب.

---

في ليلةٍ قاسية من ليالي الشتاء، كان البرد يتسلل إلى عظامه، حين دخل عليه فيكتور، أخوه الثالث، وهو في السادسة عشرة آنذاك. حمل بيده دلوًا من الماء المثلج، وقبل أن يفهم ليو ما يحدث، سكبه فوقه وهو نائم. ارتجف جسده النحيل، وصاح بضعف، بينما يضحك فيكتور ساخرًا:

> "أرأيت؟ حتى الثلج يهرب منك… كيف لإنسان أن يحب شيطانًا؟"

دخل ديمتري وألكسي بعدها، وأكملا اللعبة. جرّوه من سريره، دفعوه أرضًا، ركلوه بأقدامهم، وكلما حاول النهوض أعادوه أرضًا. كان يبكي بلا صوت، فقد تعلم منذ زمن أن البكاء الصاخب لا يجلب سوى المزيد من الألم.

وفجأة، سمع صوتًا جهوريًا من الممر، كان صوت الجد إيفان:

> "اتركوه… لا تستنزفوا قوتكم في من لا يستحق الحياة."

توقفوا، لكن الضحكات لم تفارق وجوههم. انسحبوا، تاركين ليو مبللًا، مرتجفًا، ينكمش على نفسه. رفع رأسه بصعوبة، نظر نحو الباب المغلق، وهمس لنفسه:

> "لماذا… لماذا ولدت هنا؟"

---

لم تكن معاناته مع إخوته فقط.

العم غريغوري، كان ينظر إليه دائمًا باحتقار، يراه حاجزًا أمام ثروته. زوجته ناتاليا لم تتوقف يومًا عن وصفه بـ"الشيطان الأعور"، وكانت تغرس تلك الكلمات في عقل ابنها أندريه، الذي لم يكن يتجاوز الخامسة عشرة. فصار الأخير يستهزئ به في كل فرصة، يرميه بالحجارة أحيانًا في الحديقة، ويضحك قائلًا:

> "سأطردك يومًا من هنا، ستعود إلى الجحيم الذي جئت منه!"

أما أبوه، فقد كان مجرد ظلّ لرجل، ضعيفًا أمام قسوة أبيه وأخيه، صامتًا كأنه أخرس. لم يدافع عن ليو يومًا، لم يربّت على كتفه حتى حين كان يبكي. وأمه؟ كانت تتجاهل وجوده، كأنها لا تراه. تمرّ بجانبه في الممر دون أن تلقي تحية، وكأنه لم يُخلق من رحمها.

---

كان الملاذ الوحيد لليو هو جدته الراحلة.

هي الوحيدة التي نادته باسمه، لمسته بحنان، وربتت على شعره الأشقر قائلة:

> "ليو… لا تسمح لهم أن يطفئوا نورك. عيناك ليستا لعنة… بل هبة."

لكن حين قُتلت، خمد آخر بصيص دفء في حياته. في تلك الليلة، جلس في غرفته، ضمّ نفسه، وظل يهمس باسمها حتى غفى من التعب. ومنذ رحيلها، لم يعد له في هذا البيت سوى الوحدة والبرد والصمت.

---

كبر ليو بين أروقة الظلام، حتى صار في السابعة عشرة.

لم يعد الطفل الذي يبكي، بل صار فتىً صامتًا، يحمل في قلبه كراهية تغلي كالجمر تحت الرماد. كل صفعة، كل إهانة، كل كلمة "شيطان" كانت تخزّن داخله شيئًا ما… شيئًا ينتظر اللحظة المناسبة لينفجر.

وفي مكانٍ ما، خلف تلك العينين المختلفتين، كان قدره يكتب أول سطر من حكاية دم…

فصل الاول اتمنى يعجبكم

غدا ان شاءلله انزل فصل ثاني.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عَـينـا الـشيـطـان.

المؤلف سـيده بـارك
2025/09/10 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة