القصر الذي عاش فيه ليو لم يكن منزلًا، بل كان أشبه بسجن مهيب. جدرانه العالية تحيطه من كل الجهات، أبوابه الحديدية تفتح وتغلق كأنها بوابات حصن عسكري، وأروقته الطويلة لا تسمع فيها سوى وقع الخطوات وصوت الريح يتسلل من النوافذ الطويلة.
لكن الظلام لم يكن في الجدران، بل في القلوب التي تسكن هذا القصر. كل زاوية منه تحمل ذكرى مؤلمة لليو؛ صرخة خافتة أطلقها وهو يتلقى ضربة، أو دمعة اختفت بسرعة قبل أن يراها أحد.
---
في الصباح، حين تدق الساعة السابعة، كانت رائحة الخبز الطازج تعبق من المطبخ، وتملأ القاعة الكبرى حيث تجتمع العائلة كلها على مائدة الفطور. الكراسي الفخمة مصطفة حول الطاولة الطويلة، يملأها الجد إيفان في المقدمة كملك متجبر، وعن يمينه الأب والأم، وعن يساره العم وزوجته، وإلى الأسفل يجلس الإخوة الثلاثة وابن العم.
أما ليو؟
فلم يكن له مكان بينهم.
كان يقف خلف الباب، ينظر من شق ضيق، يسمع ضحكاتهم العالية، أصوات الملاعق وهي تضرب الصحون، والحديث عن خطط المستقبل وكأن العالم ملك لهم. وفي كل مرة يمد يده على بطنه الجائع، يتذكر أن نصيبه من المائدة هو بقايا يتركها الآخرون، يرسلها الخدم إليه في وعاء معدني صغير.
في ذلك اليوم، سمع صوت أمه ألينا وهي تقول ببرود:
> "كان يجب ألا يولد هذا الطفل… منذ البداية جلب لنا العار."
ضحك فيكتور، وأضاف:
> "أتعنين الشيطان؟ هو ليس طفلًا أصلًا، هو لعنة تمشي على قدمين."
ارتفعت ضحكاتهم، بينما الجد يضرب بعصاه على الأرض قائلًا:
> "يكفينا عار أن نحتمل وجوده بين جدراننا. لو كان الأمر بيدي لطردته منذ زمن بعيد."
كانت تلك الكلمات كالسكاكين التي تنغرز في صدر ليو كل صباح. لم يعد يبكي بصوت عالٍ، لكنه كان يضع يده على فمه ويعض أصابعه حتى لا يصرخ.
---
بعد الإفطار، كان الإخوة الثلاثة يجدون متعة في تحويل حياة ليو إلى جحيم.
في الممر الطويل المؤدي إلى غرفته الضيقة، اعترضه ديمتري ذات مرة وهو يحمل كتابًا مدرسيًا في يده. نظر إليه بابتسامة ساخرة، وخطف الكتاب ورماه على الأرض، ثم داس عليه بقدمه:
> ديمتري: "ما فائدة الدراسة لشيطان مثلك؟ لن تصبح يومًا طبيبًا أو محاميًا… مكانك الحقيقي تحت الأرض."
ليو بصوت خافت: "أرجوك… أعده لي."
ألكسي يتدخل ضاحكًا: "اسمعوه! حتى صوته لا يشبه البشر."
رفع فيكتور الكتاب، ثم مزقه نصفين أمام عيني ليو، قبل أن يدفعه على الجدار بقوة حتى ارتطم رأسه. نزف جبينه قليلًا، بينما سمع ضحكاتهم ترتد في أرجاء القصر.
> فيكتور: "لو كنت مكانك، لاخترت الموت. لكن ربما حتى الموت يرفضك."
تركوه ينزف، وغادروا. جلس على الأرض، التقط الأوراق الممزقة، حاول أن يجمعها كما يجمع بقايا قلبه المكسور.
---
وفي الليل، حين يهدأ القصر، تبدأ مرحلة أخرى من العذاب.
كان ابن عمه أندريه يتسلل إلى غرفته، يفتح الباب فجأة، ويقذف شيئًا عليه — مرة حجر، مرة تفاحة فاسدة، ومرة فأرًا ميتًا. ثم يضحك ويغلق الباب بسرعة.
> أندريه: "هكذا تعيش الشياطين، مع القذارة!"
لم يكن ليو يملك القوة ليصرخ، فقط يلتقط تلك الأشياء بيدين مرتجفتين ويرميها في زاوية الغرفة. كان جسده ضعيفًا، لكن روحه هي ما يتعرض للانكسار الحقيقي كل يوم.
---
العم غريغوري وزوجته ناتاليا لم يشاركوا في ضربه، لكنهم كانوا أشد قسوة بالكلمات.
في إحدى الليالي، بينما كانت العائلة مجتمعة في القاعة الكبيرة، قالت ناتاليا بصوت مسموع:
> "أتعلمون؟ الشيطان الصغير سيجلب لنا النهاية. وجوده بيننا كارثة."
أجاب غريغوري وهو يشعل سيجارته:
> "كارثة؟ بل إهانة. كلما رأيته، تذكرت ثروة والدتي التي ضاعت من بين يدي بسبب وصيتها الغبية."
سكت الجميع، لكن الجد ضرب بعصاه مرة أخرى وقال:
> "لا تقلقوا، سيأتي يوم يُمحى فيه اسمه من تاريخنا. لن يبقى لهذا الولد أثر."
كان ليو يجلس في زاوية القاعة، أُجبر على الحضور لكنه غير مسموح له بالكلام. سمع كلماتهم كلها، أحس وكأنهم يتناقشون حول مصيره وكأنه غريب، ليس دمًا من دمهم.
---
وفي إحدى الليالي، بلغ به اليأس حدًا خطيرًا.
جلس في غرفته الضيقة، أشعل شمعة صغيرة، ووضع أمامه شفرة حادة كان قد وجدها صدفة. نظر إلى عروقه البيضاء في معصمه، تخيل للحظة أن الألم سينتهي لو قطع خيط الحياة.
لكن دموعه خانقته، وتذكر صوت جدته:
> "ليو… لا تسمح لهم أن يطفئوا نورك."
ارتجف، وألقى الشفرة بعيدًا. سقط على ركبتيه، ودفن وجهه بين يديه، يبكي بصمت حتى غلبه النوم.
---
تلك الليالي لم تُنهِ ضعفه، بل راكمت داخله شيئًا أعظم. كان الألم يتحول ببطء إلى نارٍ تتقد في أعماقه. لم يكن يعرف متى ستشتعل، لكن قلبه أخبره أن هذا البيت المظلم لن يظل سجنًا للأبد.
ولم يكن يدري أن القدر يقترب، وأن رجلًا غريبًا سيطرق بابه قريبًا، ليكشف له سرًا سيقلب حياته كلها…
فصل الثاني اتمنى يعجبكم
غدا ان شاءلله انزل فصل الثالث
اذا عجبكم صوتوا
سـيده بـارك