"بذرة تحت الثلج"

"بذرة تحت الثلج"

23 0

كان الشتاء ثقيلاً، كأنه يتدلّى من السماء على أكتافنا. المطر يطرق زجاج الصفوف بإيقاع بارد، والريح تتسلل من الفتحات كيدٍ فضولية تبحث عن موطئ. في ذلك اليوم العادي، دخلت أستاذة العربي تطلب متطوعات لنقل صناديق الكتب القديمة من المخزن إلى المكتبة. رفعت يدي بلا تفكير. ميلان رفعتها هي الأخرى. تبعتنا خمس فتيات.

الممر المؤدي إلى المكتبة بدا طويلاً على غير عادته، خطواتنا تتردّد فيه مثل صدى خافت. وعندما فتحنا الباب للمرة الأولى، استقبلتنا غرفة مثقلة بالغبار، رائحة الورق العتيق تحاصر الأنفاس، ورفوف منحنية تحمل كتباً تشبه بقايا زمن لم يعد يخصّ أحداً.

انشغلنا بالترتيب، لكن إحدى الفتيات اقترحت فجأة فكرة: لماذا لا نصنع نادياً للقراءة؟ مكاناً نلتقي فيه ونتشارك الكتب. أستاذة العربي تحمست للفكرة كأنها التقطت شعلة من وسط الرماد.

أنا بقيت صامتة، أستمع فقط. ميلان جلست بجانبي، قريبة حدّ أن كتفيها يلامسان ذراعي. كنت أحاول أن أبدو هادئة، لكن في داخلي شيء يتململ.

لم يكن هذا الاقتراح سوى بداية صغيرة. بعد أيام قليلة، وبينما كنّا في المكتبة مرة أخرى خلال درس فارغ، طرحت ميلان فكرتها بصوت ثابت: "لماذا لا نصنع مسرحية مستوحاة من إحدى الروايات القديمة؟ الرواية لها فيلم أيضاً."

الحماس أشعل وجه الأستاذة، ثم التفتت نحوي مباشرة. قالت إن ملامحي تناسب البطل. حاولت أن أرفض، أن أختبئ خلف الكواليس، لكن إصرارها كان أشد. ثم جاء الاقتراح الثاني: من ستكون الفتاة الجميلة التي يقع في حبها البطل؟

لم ينتظر أحد جواباً. جميع الأعين اتجهت نحو ميلان، وضحكات مكتومة بين الصفوف، وكأن الأمر بديهي، كأن الجميع كانوا ينسجون خيوطاً بيننا من زمن بعيد.

كنت أبتسم بتوتر، وميلان تضحك بخجل وهي تخفي فمها بكفها. لم يعرف أحد أننا بالفعل متشابكون في الخفاء، لكن اللعبة بدت لهم ممتعة جداً.

لكن الحقيقة أن المسرحية لم تبدأ هناك. المسرحية الحقيقية بدأت منذ زمن أبعد.

كنا نسير معاً في الممرات، أحياناً تمسك ميلان بيدي فجأة. لم أكن أحب هذه الحركة. شعور أن العيون تلتقطنا، أن صورتي التي تشبه "الأيدول" في المدرسة ستُربط بشائعات جديدة. لكنني لم أشأ أن أكسر الاجواء بتفضيلاتي الغريبة. كنت أجبر نفسي على التعايش مع الوضع الجديد المحمل بالمشاعر الجديدة، أترك أصابعي تستسلم ليدها الصغيرة، وأقنع نفسي أن هذا لطف مني لا أكثر.

وأحياناً، كنت أضع يدي على كتفها بينما نمشي. كانت أقصر مني، ولهذا كانت تمسك بيدي التي تستند على كتفها، كأنها تثبتها في مكانها. لحظة تبدو عابرة، لكنها في داخلي كانت أشبه بإقرار صامت: أنني لستُ صديقاً بارداً كما أدّعي.

كانت ميلان هي المكان الوحيد الذي لم أظهر فيه كآبتي. أمامها فقط كنت أضحك أكثر، أتكلم بجرأة أكبر، كأنني عدت طفلة ،أحاول أن أكون نسخة مشرقة مني وبتناغم مع شخصية ميلان. ربما لم تكن هي السبب الرئيسي في سعادتي، لكنها كانت المرآة التي تعكسها، حتى لو كانت مجرد ومضة قصيرة.

لذلك حين جاءت فكرة المسرحية، لم يكن الأمر مجرد صدفة. كان امتداداً لكل تلك اللمسات، لكل تلك الأفكار التي كنا نتبادلها في الخفاء، لكل السيناريوهات الصغيرة التي صنعناها لأنفسنا في الرسائل: قبلات متخيلة، مواقف رومانسية كنا نبالغ في رسمها بالكلمات.

وعندما طلبت الأستاذة أن نشاهد الفيلم في بيوتنا لنتعلّم القصة، اتفقنا أن نشاهده معاً، في بيتي.

في تلك اللحظة، لم يكن بيننا نص مسرحي، بل مسرح مفتوح على احتمالات مجهولة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Desert Rose | زهرة الصحراء

المؤلف Theodory
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة