لم يكن دفتر الرسم ذلك مجرد أوراقٍ متناثرة، بل كان كأنه بابٌ يُفتح فجأة على غرفةٍ مظلمة لم أكن أجرؤ على دخولها.
وضعته أمامي، أو لعلها تظاهرت بأنها نسيته، لكن النتيجة كانت واحدة: سرٌ انكشف، ليس بيني وبينها فقط، بل أمام أعين صديقتَيّ، أمام عالمي الذي بُني على التظاهر بالمثاليات.
صفحاتٌ ملونة، شخصيات بأعين واسعة وملامح من عوالم الأنمي، لكنها لم تكن بريئة. كنت أنا هناك، بريشة يدها، أتحول إلى صورة أخرى مني، صورة لا أعترف بها علناً، ولا أستطيع أن أنكرها تماماً. كانت قد رسمتني معها، وجوهنا قريبة، ابتسامة مشتعلة، وظلالٌ موحية لما لا يُقال. ضحكنا جميعاً وقتها، ضحكٌ قسري، ضحكُ المفاجأة التي تتستّر على الصدمة. لكنني من الداخل لم أضحك. كنت أرتجف.
حينها فقط، أدركتُ أن خجلها الذي اعتدته لم يكن سوى قناع، وأن رغباتها لم تكن عابرة أو مُلتبسة. هي تعرف ما تريد، وربما منذ زمن بعيد، ولم تُخفِ يوماً أنها لا ترى في المجتمع أو الدين أو القوانين سوى قيودٍ يمكن تجاهلها. كانت مختلفة، وهذا الاختلاف هو الذي أرعبني، وجذبني في اللحظة نفسها.
كنتُ في مأزقٍ مزدوج: أصدقاءٌ يعرفونني بصفتي المثال الذي لا ينحرف، الابنة التي تلتزم بالحدود والشرائع، والفتاة التي يعلّق أهلها شرفهم على تصرفاتها. وفي المقابل، هناك ميلان، التي كانت تقف على حافة المحظور، وتدعوني معها إلى تلك الحافة، بابتسامةٍ غامضة وصمتٍ أكثر إغراء من الكلام.
لم أُعلن لها شيئاً. وجهاً لوجه، كنت أردد دائمًا: "نحن أصدقاء فقط."
لكن داخلي لم يكن صادقاً. فقد كنت أنجرف، منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها تلك الرسومات في حقيبتي. كنت أختلس منها حياةً أخرى، سرية، ملوثة بالخوف، لكنها تحمل معنى لم أجده في أي حياة أخرى.
مرّت سنتان على ذلك النحو: بين المقاومة والاستسلام، بين الانجراف والإنكار. حتى وصلنا إلى الصف الخامس الإعدادي، حيث كل شيءٍ ظلّ كما هو… إلى أن جاء ذلك اليوم، اليوم الذي قلب الموازين كلها.
Theodory