"كلمتان"

"كلمتان"

21 0

لم يكن الأمر أشبه باعتراف، بل كان أشبه بزلّة أصابعٍ على شاشة زجاجية.

رسالة قصيرة، باردة، لكنها تحمل ثِقل عالمٍ كامل:

"Let's date."

حين ضغطتُ على زر الإرسال، لم أكن أسمع سوى دقات قلبي، تصطدم بجدران صدري كما لو كانت تريد أن تهرب مني قبل أن أفعل ما فعلت. كنت أعلم أن ميلان لم تكن تنتظر سوى هذه اللحظة، كانت تحيا بها في خيالها، وترسمها آلاف المرات على الورق، وكأنها تستدعيها من مستقبلٍ وشيك. ومع ذلك... كنت أعلم أن الكلمات خرجت مني، لا منها. خرجت وكأن شيئاً داخلي أراد أن يدفعني نحو الحافة، حتى لو كنت مترددة في النظر إلى الأسفل.

كنت أختبئ وراء كلمة "الفضول". أرددها في سري كذريعة تبرر لي كل خطوة، وكل انزلاق. الفضول... هو ما دفعني أن أكون الجسر بين عطشها الصامت، وبين خوفي من نفسي. الفضول... هو الذي جعلني أمد لها يدي، ليس حباً خالصاً، بل هروباً من مواجهة صورتي المثالية التي تربيت على أن أخفي خلفها كل انحراف وكل خطأ.

جاء ردها كما توقعت، لكنه كان أعمق من مجرد كلمات:

"You know that I'm gonna say yes, right?"

كنت أقرأها وأشعر أنني أدخل غرفة مظلمة، بابها ينغلق ورائي دون صوت.

فأجبتها: "yes."

قالتها ابتسامةٌ في داخلي لم تكن ابتسامةً حقاً، بل ارتعاشة خوف. لم يكن هناك مكان للدهشة، فمدرستنا بأكملها تعرف، صديقاتي يعرفن، وهي كانت الأوضح بين الجميع. الهدايا، الرسائل، الحليب، الرسومات... لم تُخفِ يوماً حبها. لكن أن أوافق؟ أن أفتح الباب بنفسي؟ هذا ما جعلني أشعر أنني خنت نفسي أولاً قبل أي شيء.

أضفتُ شرطاً قاسياً، كأنني أردت أن أُبقي الباب نصف مغلق:

"لا أحد يعرف."

ابتسمتْ بوجهٍ مليء بالامتنان، وقبلتْ. وأنا؟ كنت أعلم أنني بدأت علاقة تحمل في داخلها بذور نهايتها منذ اللحظة الأولى. كنت أعرف أنني أزرعها في أرض مسمومة، لكنني لم أتوقف.

ربما كان تأثير مسلسلٍ شاهدته ليلاً، وربما كانت رغبة مراهقة في التجريب، وربما كان جرحاً قديماً في داخلي يريد أن يُروى بأي طريقة. لا يهم. ما يهم أنني بدأت أُدخل كل شيء بيننا في إطارٍ من الرومانسية المبالغ بها، حتى لحظات الصمت تحولت إلى قصص صغيرة. كنا نضع أنفسنا في مشاهد سينمائية، نختبر كل إحساس، نضخم كل لمسة، ونحوّل المحادثات البريئة إلى أرض مليئة بالرموز والإيحاءات.

لكن، مع مرور الوقت، تسلّل إليّ شعور لم أستطع الهروب منه: أنني أرتدي قناعاً ثقيلاً، وأن كل "نعم" أقولها لها، تُبعدني أكثر عن "أنا" التي أعرفها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Desert Rose | زهرة الصحراء

المؤلف Theodory
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة