مرّ شهران على دخولي الصف الثالث متوسط، والأيام تمضي برتابة قاتلة. لا جديد يُذكر، نفس الروتين الممل، نفس الوجوه المتكررة، ونفس الساحة التي لا تحمل سوى صمت الانتظار. وسط هذا السكون، قررت أن أكسر رتابة حياتي بتغيير بسيط: قصصت شعري بأسلوب “بوي كت” جريء، أكثر مما توقعت.
كانت النتيجة صادمة، غيرت كل شيء. وجدت نفسي فجأة محط أنظار الجميع، يتداولون اسمي كهمسٍ متسلل في أركان المدرسة، وتنظر إليّ العيون بإعجاب مكتوم. الغرابة في البداية كانت تعتريني، لكن سرعان ما أصبح الأمر مجرد خلفية صوتية لا تؤثر فيّ، حتى صرت أتجاهل كل ذلك.
حتى جاء ذلك اليوم الذي قلب كل شيء رأساً على عقب.
كنت أمشي برفقة صديقتي في الساحة، والضحكات تتطاير بخفة بيننا، حينما انتزعتني يد بشدة من ذراعي، سحبتني بعيداً بسرعة مفاجئة، لم أتمكن حتى من الالتفات لرؤية من كانت.
وقفت مذهولاً، وإذا بفتاة وجهها محمر من الحرج أو الغضب، ترفع يدها لتحجب ملامحها وكأنها تحاول أن تخفي نفسها من ضوءٍ صارخ. بحركة طفولية، استدارت وركضت بعيداً.
الدهشة توقفت عندي مثل جدار. التفت إلى صديقتها التي ما زالت تمسك يدي بابتسامة مشوبة بخبث وقالت: "هذه صديقتي، سئمت من حديثها عنك، لكنها تخجل دائماً أن تواجهك، فقررت اليوم أن أفعلها عنها."
ضحكت حينها، لكن قلبي كان ينبض أسرع من المعتاد. لأول مرة منذ زمن طويل، شعرت أن الحياة تحاول أن تخرق رتابة الأيام، وتضعني أمام لحظة أكثر عمقاً من مجرد إحراج عابر. لحظة قد تغيّر مجرى ما كنت أعتقد أنه ممل وثابت.
Theodory