"أثرٌ لا يُرى"

"أثرٌ لا يُرى"

22 0

لا أذكر متى بدأ تلك العلبة الصغيرة من الحليب تظهر كل صباح على طاولتي، كما لو أنه لم يكن لي من نصيب، بل وُضع هناك بيدٍ خفية تمرّ من أمامي، ثم تختفي فجأة في لحظة التردد. لم أسأل، ولم أكن أرغب في أن أعرف السبب.

وكذلك كانت تلك الأوراق الممزقة، بقايا دفتر باهت تكدّست في حقيبتي بلا ترتيب، تحمل وجهي على خطوط متشابكة، عينان تحيط بهما الحيرة، وابتسامة لم أعرف يوماً أني أمتلكها. احتفظت بها كسرٍّ صغير، ثم نسيته، ثم عدت إليه كمن يفتش عن أثر خفي داخل نفسه، لا يدرِي إن كان ملكاً له فعلاً.

لم يرَ أصدقائي في تلك الأوراق شيئاً يستحق الذكر، وصفوها بالغريبة، وقالوا إن صاحبها يتقصى أكثر مما يجب. ضحكت معهم، متظاهراً باللامبالاة، لكن قلبي كان يختلف، كان ينبض بتوتر خفي. كنت أكره أن يُربط اسمي بتلك الأوراق، وكنت أكره أكثر أن تُبعد عني.

كانت تنتظرني هناك، كل مساء، تراقب خروجي من الصفوف، كأنها تترقب إشارة صامتة لا أجرؤ على منحها. وعندما أقترب، تختفي كأنها لم تكن، وتترك خلفها فراغاً يملأه الصمت.

وفي يومٍ ما، عبر ذلك العالم الصغير المسمّى "إنستقرام"، كتبت لي أنها لا تعرف كيف تبدأ الكلام معي وانها خجولة مني جدا. وكنت أنا أكتب لها كما أكتب لأي شخص، ببرودٍ مصطنع، وابتسامةٍ محض كلمات، لكن في داخلي كان هناك صوتٌ آخر، صوت يريد أن يجرني إلى حافة مجهولة، تلك الحافة التي لو عبرتها، فلن أعود كما كنت.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Desert Rose | زهرة الصحراء

المؤلف Theodory
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة