في ذلك الخريف، بدا العالم وكأنه يكتفي بالحدّ الأدنى من الحياة.
الأوراق الصفراء كانت تتساقط ببطء، مترددة في ملامسة الأرض، كما لو كانت تبحث عن سبب إضافي للبقاء معلّقة.
كنت قد نجحت أخيرًا في عبور المرحلة السابقة. الجميع هنّأني بكلمات مقتضبة، لكن داخلي لم يشاركهم النبرة ذاتها. كنت أنظر إلى الأمر وكأنه خطوة إدارية أكثر من كونه انتصارًا.
الأيام التالية كانت سلسلة طويلة من الصباحات المتماثلة؛ أصوات الممرات في المدرسة، الرائحة الخفيفة للطباشير، وأكواب الشاي التي تُترك على الطاولة حتى تبرد. أحيانًا، كنت أراقب وجوه زملائي وهم يضحكون، وأشعر وكأني أطل من وراء نافذة زجاجية لا يستطيعون رؤيتي عبرها.
كنت أتنقّل بين لحظات هدوء مصطنع ونبضات قلق مبهمة، كمن يمشي على جسر ضبابي لا يرى نهايته. جزء مني أراد أن يظل ساكنًا، ملتزمًا بالهدوء المملّ، والجزء الآخر... كان يصرخ في صمت، يبحث عن لحظة خاطفة تُحطّم توازن السطح.
لم أكن أعرف وقتها أنّ تلك اللحظة قادمة.
كانت تختبئ في مكان ما، كزهرة برية تنمو عند حافة الطريق، تنتظر أن يلمحها عابر بغير قصد.
Theodory