"على حافة التبدّل"

"على حافة التبدّل"

26 0

كان الخريف يتقدّم ببطء، مثل قطرة ماء تتدلّى من أطراف نافذة وتقاوم السقوط.

نجحتُ أخيرًا في الامتحان، وانتقلتُ إلى الصف الثالث المتوسّط. أصدقائي استقبلوني بابتسامات عابرة، وبدأت أيام المدرسة تمتدّ بانتظامٍ رتيب؛ دروس، فُسح قصيرة، ووجوه مألوفة لا تغيّر ملامحها إلا تعب السهر أو نعاس الصباح.

كل شيء كان يسير وفق نسق آمن، نسق لا يوقظ القلب ولا يهدّئه.

لكنني، في مكانٍ ما بداخلي، كنت أشعر بثقلٍ لا يُسمّى.

كأنني أسير في شارعٍ مبلّل بعد مطر، أراقب انعكاس الأضواء على الأرض، وأفكّر: هل هناك ما ينتظرني عند نهاية الطريق؟ كنتُ أشتاق إلى شيء لا أملك له اسمًا؛ شعور أكثر جرأة، أكثر حدة، أكثر حياة.

ثم، فجأة، ذات صباح، وكأن نزوة خفية قادتني، قررت أن أغيّر شعري. جلست أمام المرآة في صالون صغير، ورائحة الشامبو الحادّة تحاصر أنفاسي. شعرتُ بمقص الحلاّق يلامس أطراف شعري الطويل، ثم يسقط الشعر على الأرض بخفّة. بوي كَت — قصّة صبيانية، لكنها أظهرت ملامحي بوضوح لم أعتده.

حين خرجتُ من الصالون، شعرتُ كأنني غادرتُ نسختي القديمة خلفي.

لم تمرّ أيام كثيرة حتى لاحظتُ نظرات تتبعني في الممرّات، وضحكات مكتومة بين الصفوف. صار لديّ معجبون من فصول لم أزرها قط. كانت وجوههم تعبرني كما تعبر الرياح الناعمة — لا تترك أثرًا.

إلا هي.

كانت نظرتها مختلفة، ثقيلة كقطرة حبر تسقط في كوب ماء شفاف فتلوّنه ببطء. لم تكن مثل الآخرين، لا تقترب بخفّة ولا تمضي بلا اكتراث. شيء في عينيها كان يقرأني، أو ربما يتساءل إن كنت أسمح له أن يقرأني.

لم أكن أعرف آنذاك أن تلك النظرة كانت أول خيط يُسحب من ثوب حياتي المستقرّة، وأن ما ينتظرني بعده لم يكن مجرّد فصول دراسية أخرى… بل بداية العاصفة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Desert Rose | زهرة الصحراء

المؤلف Theodory
2025/08/10 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة